يوم سعيد
غيمٌ عابرٌ وسحبٌ داكنة
بقلم سعيد الضحكة
استيقظت زينب على صوت زقزقة العصافير التي اعتادت أن تزين شرفتها كل صباح، لكن اليوم، كان صوتها شجيًا، وكأنه يحمل نذير شؤم. امتدت يدها لتلمس وجهها، تشعر بآثار الوسادة على بشرتها، ثم رفعت رأسها ببطء، تلفتت حولها في الغرفة التي بدت لها فجأة غريبة. شمس الصباح المتسللة عبر الستائر الثقيلة لم تجلب الدفء المعهود، بل أضفت على كل شيء هالة من الضبابية. لم يكن الأمر مجرد شعور، بل كان واقعًا يعصف بها منذ الليلة الماضية، منذ تلك الكلمات التي قيلت، وتلك الأسرار التي انكشفت.
تذكرت جيدا كيف انتهى لقاؤها مع أخيها الأكبر، عبد الرحمن. كانت تراه دومًا سندها وملجأها، الرجل الذي لم يبخل عليها يومًا بنصيحة صادقة أو كلمة طيبة. ولكن، في تلك الليلة، بدت عيناه تحملان ثقلًا جديدًا، وشيء من الوجوم الذي لم تعهده فيه. بدأت المحادثة كالمعتاد، بسؤاله عن حالها، وعن واجباتها، ثم تحولت تدريجيًا إلى استجواب غير مباشر. كان يسألها عن لقاءاتها، وعن الأشخاص الذين تقابلهم، وعن أفكارها تجاه الزواج. كانت تعرف أن قلبه الطيب لا يخلو من القلق على مستقبلها، ولكن هذه المرة، كان قلقه مختلفًا، مشوبًا بشيء من الشك، بل والخوف.
"زينب، يا ابنتي،" قال بصوت هادئ لكنه يحمل حدة لا تخفى، "هل لي أن أسألك عن طبيعة علاقتك بالأستاذ فهد؟"
تجمدت زينب في مكانها. كيف عرف؟ من أخبرها؟ هل كانت تراقَب؟ شعرت بقلبها يدق بعنف في صدرها، وكأن طائرًا أسيرًا يحاول الفرار. حاولت أن تتظاهر باللامبالاة، لكن صوتها خانها عندما أجابت: "الأستاذ فهد؟ هو زميلي في العمل، ولا شيء أكثر من ذلك."
كان ردها أشبه بصرخة استغاثة في أذن أخيها. ارتسمت على وجهه علامات خيبة أمل واضحة. "زميلك؟ أهذه هي الحقيقة الوحيدة؟" سألها بنبرة تحمل كل مرارة العارف. "لقد رأيتكما معًا، زينب. في ذلك المقهى الذي لا تذهبين إليه إلا في مناسبات نادرة. ورأيت يده تمسك بيديك. هل هذا من باب الزملاء؟"
ابتلعت زينب ريقها بصعوبة. كانت تلك اللحظة نقطة اللاعودة. كل ما بنته من محاولات إخفاء، وكل ما نسجته من قصص واهية، انهار أمام عينيه. لم يكن لديها ما تدافع به عن نفسها، فالأدلة واضحة، وعيني أخيها تكشفان كل شيء. انهمرت دموعها بصمت، لم تستطع منعها.
"يا زينب،" قال عبد الرحمن، وقد تغيرت نبرته إلى مزيج من الحزن والغضب المكتوم، "ما تفعلينه يقلقني بشدة. تعرفين مكانتنا، وتعرفين ما ينتظره منا مجتمعنا. علاقات كهذه، قبل الزواج، غير مقبولة. إنها تضر بسمعتك، بسمعتنا."
"لكن، يا أخي،" قالت زينب بصوت مرتجف، "لم يكن الأمر كما يبدو. لقد كان... لقد كان هناك سوء تفاهم."
"سوء تفاهم؟" ضحك عبد الرحمن ضحكة مريرة. "وهل يمسك الأستاذ فهد بيد زميلته أثناء سوء تفاهم؟ هل هذه هي التربية التي نشأنا عليها؟ هل هذا ما علمنا إياه والدينا؟"
ارتعشت شفتا زينب. كانت تعرف أن أباها، رحمه الله، كان يشدد على الحفاظ على العرض والشرف، وأن أباها كان يضع سمعة الأسرة فوق كل اعتبار. لقد حملت هذه المسؤولية طوال حياتها، وكان شقيقها خير معين لها في ذلك. لكن الآن، شعرت بأنها قد خذلته، وخذلت والدها، وخذلت نفسها.
"لم أقصد الإساءة،" قالت وهي تمسح دموعها بكم ثوبها. "ولكن، الأمر معقد. فهد... فهد شخص مختلف. لديه أفكار... مختلفة."
"أفكار مختلفة؟" سأل عبد الرحمن، وقد بدت الدهشة بادية على وجهه. "ما هي هذه الأفكار التي تجعل أخاكي يقلق؟ هل هي أفكار تتعارض مع ديننا وقيمنا؟"
"لا، ليست كذلك بالضرورة،" قالت زينب بحذر. "لكنه... يتحدث عن الحرية، وعن الاختيارات، وعن أن الحب هو أساس الزواج، وليس مجرد توافق عائلي أو اجتماعي."
"الحب!" ضحك عبد الرحمن مرة أخرى، هذه المرة بنبرة سخرية لاذعة. "هل الحب هو ما يجعلكِ تخالفين أوامر أهلِكِ، وتخفين أمورًا عن أخيكِ الذي يسعى لخيركِ؟ هل الحب هو ما يجعلكِ في لقاءات مشبوهة؟"
"لم تكن مشبوهة!" احتجت زينب، وقد بدأت غضبة طفيفة تستشري في صوتها، ممزوجة باليأس. "لقد كان يريد أن يتحدث معي عن أمر مهم. عن... عن عرض الزواج."
صمت عبد الرحمن للحظة، وكأن الكلمات قد اخترقت كل دفاعاته. اتسعت عيناه، وتجمد في مكانه. "عرض الزواج؟ يقول إنه يريد التقدم لكِ؟"
"نعم،" أجابت زينب، وقد استعادت بعضًا من رباطة جأشها، وهي ترى أثر المفاجأة يرتسم على وجه أخيها. "ولكنني... لم أستطع الموافقة. لم أستطع أن أقول له نعم، وأنا أعرف أن عائلتنا لن تقبل. وأنك أنت بالذات... لن توافق."
"لن أوافق؟" أعاد عبد الرحمن كلماتها، وقد استعادت عينيه تلك الحدة التي تثير القلق. "لماذا؟ هل تزوجتِ من شخص آخر دون علمي؟ هل هناك سر آخر تخفينه عني؟"
"لا، ليس سرًا،" قالت زينب، وهي تشعر بأنها تدور في حلقة مفرغة. "ولكنني... لم أشأ أن أخبرك منذ البداية. كنت أريد أن أرى رد فعلك. أن أرى إن كنت ستفهم. لقد تحدثت معه، وقلت له إنني أحتاج وقتًا. وقلت له إنني يجب أن أتحدث مع عائلتي أولاً."
"وها أنتِ تتحدثين الآن،" قال عبد الرحمن ببرود، وهو ينهض من مقعده. "وماذا ترين؟ ترين قلقًا، وترين رفضًا. لا يمكننا القبول بزواج يعتمد على أفكار كهذه، زينب. لا يمكننا أن نفتح بابًا للمشاكل. هذه ليست عاداتنا، وهذه ليست تقاليدنا."
"ولكن، يا أخي،" قالت زينب، وقد تجمعت الدموع مرة أخرى في عينيها، "ماذا عن مشاعري؟ هل لمشاعري أي قيمة؟ هل يجب أن أتزوج لمن لا أحب، فقط لأن العادات تقتضي ذلك؟"
"مشاعرك؟" تنهد عبد الرحمن بعمق. "مشاعرك يجب أن تكون في إطار الشرع والعرف. ولتكن هذه نهاية هذا الحديث. لن أتحدث عن الأستاذ فهد مرة أخرى. ولن أسمح لكِ باللقاء به مجددًا. وسنبحث لكِ عن زوج مناسب، شخص من عائلة كريمة، وشخص يدرك قيمة هذه الأسرة."
نهضت زينب من مكانها، وشعرت بأن الدنيا تدور بها. "لن تسمح لي؟" هتفت بصوت مكتوم. "أنت لا تستطيع أن تتحكم في حياتي هكذا!"
"بل أستطيع،" قال عبد الرحمن، وقد ارتفعت نبرته قليلاً. "وأنا مسؤول عنكِ. هذه هي الحقيقة، زينب. ولن أتراجع عن قراري."
كانت تلك الكلمات سكينًا في قلبها. شعرت بأنها محاصرة، وأنها لا تملك أي خيارات. نظرت إلى أخيها، ولم تر فيه الرجل الحنون الذي عرفته، بل رأته ممثلاً لسلطة صارمة، سلطة لا تعرف الرحمة. خرجت من الغرفة مسرعة، تاركة إياه واقفًا في مكانه، والصمت المطبق يخيم على المكان. توجهت نحو غرفتها، وأغلقت الباب خلفها، ثم انكمشت على نفسها، تشعر بأنها وحيدة، تمامًا، في هذا العالم. غيمٌ عابرٌ على سماء صافية، لم يكن سوى بداية لعاصفة أشد وأقوى.