يوم سعيد
إرثٌ ثقيل وندوبٌ خفية
بقلم سعيد الضحكة
استيقظ ريان على صوت همسات قلقة، وضوء خافت يتسلل عبر نافذة مغطاة بستارة سميكة. كان المكان غريباً، رائحة المطهرات تملأ الهواء، وتذكّره بأيام صعبة مرت عليه في طفولته. رفع رأسه بصعوبة، ليجد أبو حمزة جالساً بجانبه، وعلامات الإرهاق بادية على وجهه.
"الحمد لله على سلامتك يا بني. لقد اختفيت طويلاً." قال أبو حمزة بصوت حنون، وأمسك بيد ريان.
"ماذا حدث؟ أين أنا؟" سأل ريان بصوت ضعيف، وما زال يشعر ببعض الدوار.
"أنت في عيادة الطبيب أحمد. لقد نقلوك هنا بعد أن فقدت وعيك. كان الأمر مخيفاً يا ريان. اختفى الرجلان في لمح البصر."
تذكر ريان ما حدث في السوق، الرجلان، اللكمة، ذلك الشيء الأسود. فتح يده، لكنها كانت فارغة. "هل وجدتم... الشيء الذي أعطوني إياه؟"
"لم نجد شيئاً يا بني. بحثنا في كل مكان. ظننا أنك قد تخيلت الأمر بسبب شدة الخوف."
شعر ريان بخيبة أمل. كان يعلم أنه لم يتخيل. كان يعلم أن هناك من يريد إيذائه. لكن لماذا؟ ومن يكون هذا "الشخص" الذي يرسل رسائل كهذه؟
"لم يكن تخييلاً يا أبو حمزة. كان شيئاً حقيقياً. قطعة قماش سوداء، وعليها علامة غريبة."
نظر أبو حمزة إليه بتمعن. "لا تقلق يا بني. ما دام الله معنا، فلا نخف شيئاً. ربما كان مجرد حادث غريب."
لكن ريان لم يكن مقتنعاً. لقد كانت تلك النظرات، وتلك السرعة في الاختفاء، وذلك الأسلوب المباشر في الإيصال، كلها تشي بأن الأمر أكبر من مجرد حادث. لقد كان إلهاءً، أو تحذيراً.
قضى ريان الأيام التالية يتعافى ببطء، لكن ذهنه ظل مشغولاً بما حدث. لم يعد يستطيع أن ينظر إلى سوق النخاسين بنفس الروح. كل زاوية، كل وجه غريب، كان يثير لديه شكوكاً. كان يشعر بأن هناك عيناً تراقبه، وأن هناك خطراً يتربص به.
كانت عائلته، رغم بعدهم عنه، تمنحه الدعم. كانت والدته، السيدة فاطمة، وهي امرأة صابرة وقوية، تزوره كل يوم، تحمل له الأطعمة الطيبة، وتلقي عليه كلمات الطمأنينة. كانت شقيقته الصغرى، "سارة"، طفلة بريئة بعينين واسعتين، ترسم له رسومات ملونة، وتتحدث إليه عن مغامرات خيالية، محاولةً إخراجه من عالمه المظلم.
"يا أخي، هل تتذكر عندما ذهبنا إلى الحديقة ورأينا الفراشة الملونة؟ كانت بألوان قوس قزح. أتمنى أن تأتي الألوان إلى حياتك مرة أخرى." قالت سارة وهي تبتسم له.
ابتسم ريان ابتسامة باهتة. "أتمنى ذلك يا صغيرتي."
في إحدى الأمسيات، وبينما كان يقلب في صندوق أوراق والده الراحل، وجد وثيقة قديمة. كانت مكتوبة بخط يد والده، وهي توصية لبيع قطعة أرض معينة في مكان ناءٍ. لم تكن الوثيقة مهمة بحد ذاتها، لكنه لاحظ شيئاً غريباً. كانت مثبتة بعلامة مشابهة للعلامة التي رآها على قطعة القماش السوداء.
"علامة غريبة..." همس لنفسه، وشعر بقشعريرة تسري في جسده. هل لهذه العلامة علاقة بما حدث له؟
في اليوم الذي عاد فيه إلى السوق، كان رجاله يجرون خلفه. لم يكن الأمر مجرد عمل، بل كان واجباً. كان يعيش ليكون سنداً لعائلته، ولأبو حمزة، وللكثيرين ممن اعتمدوا عليه. لم يكن يسمح للخوف بأن يمنعه من مسؤولياته.
"يا أبا حمزة، ألم تلاحظ شيئاً غريباً في الأيام القليلة الماضية؟" سأل ريان وهو يتفحص البضائع.
"ماذا تقصد يا بني؟"
"بعض الوجوه الجديدة، بعض الأسئلة الغريبة عن بضاعتنا، وعن عملائنا. هل أتخيل؟"
تنهد أبو حمزة. "الحياة في السوق لها أسرارها يا بني. أناس يأتون ويذهبون. لكن ما حدث لك كان غير عادي. أخشى أن تكون قد أغضبت أحداً. والدك كان رجلاً مهذباً، لكنه لم يكن يخشى أحداً في الحق. ربما يحاولون استعادة شيء ما، أو إضعافك."
"إعادة شيء؟ ماذا يمكن أن يكون؟"
"لا أعرف يا بني. لكن والدك كان لديه بعض المنافسين القدامى. بعضهم كان يعتمد على طرق غير مشروعة في التجارة. عندما جاء والدك، وفضل الأمانة والرزق الحلال، أغضب الكثيرين. ربما يرون فيك امتداداً له، ويريدون القضاء عليك قبل أن تشتد شوكتك."
"ولكن ما علاقة هذه العلامة بذلك؟" سأل ريان وهو يخرج صورة للعلامة من محفظته.
شعر أبو حمزة بشيء من التردد. "هذه العلامة... رأيتها من قبل. في زمن بعيد. كانت تستخدمها جماعة... جماعة خارجة عن القانون. كانوا يسمون أنفسهم 'عصبة الظلام'. كانوا تجار سلاح، وسفاحين، وربما... ربما كانوا يتاجرون بالبشر أيضاً."
ارتعش جسد ريان. تجارة البشر؟ هل كان والده يتعامل مع هؤلاء؟ لا، والده كان رجلاً صالحاً، يخشى الله.
"لا يمكن أن يكون والدي قد تعامل معهم." قال ريان بحزم.
"بالتأكيد لا. لكن ربما... ربما كان هناك صراع بينهم وبينه في السابق. ربما حدث شيء جعله يتدخل، أو يمنعهم من شيء. هؤلاء الناس لا ينسون أبداً. وإذا وجدوا فرصة للانتقام، فلن يترددوا."
بدأت الصورة تتضح تدريجياً، لكنها كانت صورة مرعبة. لقد أصبحت حياته، التي كانت مجرد عمل وربح، مليئة بالخطر والغموض. لم يكن الأمر متعلقاً بالمال فقط، بل كان متعلقاً بسمعة عائلته، وإرث والده، وربما بحياته نفسها.
"علينا أن نكون أكثر حذراً يا أبو حمزة. وأن نحاول أن نفهم سر هذه العلامة، ومن يقف وراءها." قال ريان، وعيناه تلمعان بتصميم جديد. كان يعرف أن طريقه لن يكون سهلاً، لكنه كان مستعداً لمواجهة أي شيء، لحماية كل ما يحب.