يوم سعيد
بوحٌ مؤلمٌ وهمسٌ خائف
بقلم سعيد الضحكة
انزوت زينب في غرفتها، تحتضن ركبتيها، وتستمع إلى أنفاسها المتسارعة. كل كلمة قالها عبد الرحمن كانت تتردد في أذنيها كوقع مطرقة ثقيلة على سندان. لم تكن تتوقع منه هذه الصلابة، هذه القطعية. لقد رأت فيه دائمًا الحكمة واللين، لكن تلك الليلة، بدت الحكمة متحجرة، واللين مختفيًا تحت قشرة من القلق المبرر، ولكنه مبالغ فيه. شعرت بغصة في حلقها، وبضيق شديد في صدرها. كيف يمكن أن يتحول أقرب الناس إليها إلى سجان؟
بقيت هكذا لساعات، لا تتحرك، لا تتكلم، لا تفعل شيئًا سوى استرجاع المحادثة، محاولة فهم ما حدث، وما الذي قادهم إلى هذا المنعطف الحاد. كانت تعلم أن عبد الرحمن يحبها، وأن قلقه عليها نابع من حرصه، ولكن هل كان هذا الحرص مبررًا لهذه الدرجة؟ هل كانت أفكار فهد حقًا بهذا القدر من الخطورة؟ لقد تحدثت معه عن بعض أفكاره، وعن رؤيته للحياة، وعن أهمية بناء علاقة صحيحة، قائمة على الاحترام المتبادل والتفاهم قبل الزواج. ألم يكن هذا ما يسعى إليه أي رجل عاقل؟
تذكرت لمسة يد فهد عندما كان يتحدث عن أحلامه، وعن رؤيته لمستقبل يجمع بين التقاليد الأصيلة والروح المعاصرة. تذكرت تلك النظرة الصادقة في عينيه، التي كانت تحمل وعدًا بالوفاء والشراكة. لقد أحبته، زينب. أحبته في صمت، وأحبته في خوف، وأحبته في رجاء. كان يمثل لها ذلك الرجل الذي لطالما حلمت به، الرجل الذي يفهما، ويدعمها، ويراها كإنسانة لها كيانها الخاص.
لكن عبد الرحمن لم يرَ هذا. رأى في لقاءاتهما، وفي حديثهما، تمردًا على القيم، وخروجًا عن المألوف. لقد ربى على أن الزواج تقليد اجتماعي، يعقده الأهل، ثم ينمو الحب بعده، أو لا ينمو. فكرة أن الحب يمكن أن يكون أساسًا، وأن الشاب والفتاة يمكن أن يتواصلا ويتفاهما قبل الزواج، كانت فكرة غريبة، بل وربما خطيرة في نظره.
"يجب أن أرى فهدًا." تمتمت زينب لنفسها، وهي تشعر بنار الشوق والحاجة إليه تتأجج في صدرها. لابد أن يفهما الموقف، لابد أن يحدثا معا. ولكن كيف؟ هل تستطيع أن تعصي أخاها؟ ألم يقل بوضوح إنه سيمنعها؟
تذكرت كلمات والدتها، التي كانت دائمًا ما تقول لها: "يا ابنتي، الزواج قسمة ونصيب، ولكن قبل ذلك، هناك اختيار. اختاري الرجل الذي ترى فيه الأمان، ترى فيه السند، وترى فيه من يشارككِ الحياة بكل ما فيها. لا تبيعي نفسكِ لمن لا تكنين له ودًا." هل كانت كلمات والدتها نصيحة أم تحذير؟
بدأت تراودها فكرة جريئة، بل وربما متهورة. إذا منعها أخوها من رؤية فهد، وإذا رفض فكرة الخطبة، فربما كان عليها أن تتخذ قرارًا حاسمًا. قد يكون الوقت قد حان لكي تتحدث بصوتها الخاص، ولكي تدافع عن حقها في اختيار شريك حياتها.
في هذه الأثناء، في مكتب فهد، كان يجلس وحيدًا، يحدق في هاتف يبدو كأنه يخفي بين ثناياه أخبارًا لا يريد سماعها. لقد مرت ساعات منذ لقائه الأخير مع زينب، وكان قلبه يتساءل عن مصير محادثتهما. لقد عبر لها عن مشاعره بصدق، وعن رغبته في التقدم لخطبتها، وكان ينتظر منها إشارة، أي إشارة، تدل على موافقتها. ولكنه لم يتلق شيئًا.
اتصل بوالدته، السيدة آمنة، التي كانت دائمًا صوته العاقل، ومرشدته في الحياة. "أمي،" قال بنبرة قلقة، "هل لديكِ أخبار عن زينب؟"
"لا يا بني،" قالت السيدة آمنة بصوت هادئ، "لم أتحدث معها منذ الأمس. ولكنني أشعر بشيء غريب. أشعر بأن هناك ما يقلقها."
"أنا أيضًا أشعر بذلك،" قال فهد. "لقد تحدثت معها أمس، وعبرت لها عن رغبتي في التقدم لخطبتها. ولم تكن ردة فعلها ما توقعت. لقد بدت مرتبكة، بل وخائفة."
"مماذا تخاف؟" سألت السيدة آمنة، وقد تزايد قلقها. "هل هناك من يعارض؟"
"لا أعلم،" قال فهد. "ولكنني أتوقع أن عائلتها قد لا توافق بسهولة. خاصة أنني لست من نفس بيئتها تمامًا، وأفكاري قد تبدو مختلفة عن أفكارهم."
"يا بني،" قالت السيدة آمنة، وقد غمرها شعور بالتعاطف مع ابنها، "الحياة ليست دائمًا سهلة. ولكن إذا كان قلبكما معًا، وإذا كانت نواياكما صافية، فالله معكما. استمر في محاولة الوصول إليها. لابد أن هناك سببًا لهذا الصمت."
"سأفعل، أمي،" قال فهد. "سأحاول. ولكني لا أريد أن أضغط عليها. أريد أن تكون سعيدة. وأن تشعر بالأمان."
بعد مكالمته لوالدته، شعر فهد بتصميم أكبر. مهما كانت العقبات، فهو مستعد لمواجهتها. لقد رأى في زينب ما لم يره في غيرها، ورأى فيها شريكة الحياة التي يتمناها.
في زقاق ضيق، تحت ضوء مصباح شارع خافت، كان يقف شاب نحيل، يرتدي ملابس رثة، ويتلفت حوله بقلق. كان هذا الشاب هو طارق، صديق زينب القديم، والشخص الذي لم تفارقه في محنتها. لقد علم بما حدث، أو على الأقل، علم بأن زينب في وضع حرج.
"يجب أن أرى زينب،" قال طارق لنفسه، وهو يشد على قبضته. "لابد أن أعرف ما الذي يجري. هي لا تستطيع أن تواجه هذا وحدها."
كان طارق يشعر بشيء من الشك تجاه فهد، الرجل الجديد في حياة زينب. ولكنه كان يثق بزينب، وبقدرتها على اختيار الأفضل لها. لقد عرف زينب منذ طفولته، ويعرف قلبها الطيب، وعقلها الراجح.
قرر طارق أن يتصل بزينب، ولكنه تردد. ربما تكون في وضع لا يسمح لها بالحديث. فكر للحظة، ثم اتخذ قراره. سيتجه إلى منزلهم، وسيستدعيها، أو يحاول التحدث إلى والدتها، ليعرف منها ما الذي يحدث.
في هذا الوقت، كانت زينب قد قررت أن تتخذ خطوة. لم تستطع أن تظل حبيسة غرفتها، تشعر بالعجز. جمعت شجاعتها، ونزلت إلى غرفة المعيشة، حيث كانت والدتها تجلس تقرأ في مصحفها.
"أمي،" قالت زينب بصوت هادئ، ولكن فيه نبرة تصميم. "أريد أن أتحدث معكِ."
رفعت والدتها بصرها عن المصحف، ونظرت إليها بتفاجؤ. "ما بكِ يا ابنتي؟ وجهكِ شاحب."
"أنا... أنا أحب فهد، يا أمي،" قالت زينب، والكلمات تخرج منها بصعوبة. "وأريده أن يتقدم لخطبتي."
صدمت والدتها. لم تكن تتوقع هذه الجرأة، هذه المبادرة. "فهد؟ ولكن... عبد الرحمن قال..."
"لقد تحدثت مع عبد الرحمن،" قاطعتها زينب، وقد بدأت الدموع تتساقط من عينيها. "ولكنه رفض. رفض تمامًا. وقال إنه لن يسمح بذلك."
"رفض؟" تنهدت والدتها، وقد بدت عليها علامات الحزن. "ولماذا؟"
"لأنه يخاف. يخاف على سمعتنا. ويخاف من أفكاره المختلفة. ولكنه لا يفهم، يا أمي. إنه لا يفهم أنني أريد أن أبني حياتي مع من أحب. مع من أشعر معه بالأمان."
جلست والدتها بجانبها، وربتت على كتفها. "يا ابنتي، أعرف أن قلبكِ الطيب لا يريد إلا الخير. ولكن عبد الرحمن أخوكِ، وهو مسؤول عنكِ. ربما كان لديه ما يبرر خوفه."
"هل يجب أن أعيش حياتي وفقًا لخوف الآخرين؟" سألت زينب، وقد اشتدت نبرتها. "هل يجب أن أضحي بسعادتي لكي أرضي عادات وتقاليد لم أعد أشعر بأنها تناسبني؟"
نظرت الأم إلى ابنتها، ورأت فيها مزيجًا من الألم والعزم. "يا زينب، الأمور ليست بهذه البساطة. ولكنني سأتحدث مع عبد الرحمن. سأحاول أن أفهم ما الذي يقلقه حقًا. ولكن عليكِ أن تكوني مستعدة لكل الاحتمالات. فالمسار الذي اخترتيه ليس سهلاً."
لم تستطع زينب أن تنام تلك الليلة. كانت الأفكار تدور في رأسها كالأشباح. هل ستنجح والدتها في إقناع عبد الرحمن؟ هل سيفهم فهد وضعها؟ هل سينجح هذا الحب أم سيتحطم على صخور التقاليد؟ كانت تشعر بأنها تقف على حافة الهاوية، وأن الغد سيحمل معه إما الخلاص أو الهلاك.