الفصل 3 / 25

يوم سعيد

لحنٌ يتردد في سماء جدة

بقلم سعيد الضحكة

كانت جدة، تلك المدينة العريقة التي تعانق البحر الأحمر، تمتلك سحراً خاصاً. شوارعها الضيقة تتلوى كالأفاعي، تفضي إلى بيوت تاريخية تعبق برائحة الماضي، وحمير البيوت تتفتح على قصص أجيال. كانت نسائم البحر الباردة تتسلل بين المباني، حاملة معها أصوات الباعة، وصخب الحياة.

في أحد تلك الأحياء القديمة، حيث تتنافس المباني الأثرية في إبراز جمالها، كانت تعيش "نور". شابة في الثانية والعشرين من عمرها، ذات شعر أسود حالك كليل، وعينين واسعتين بلون القهوة، تعكسان ذكاءً حاداً وشغفاً لا ينطفئ. كانت نور فنانة، موسيقية بالدرجة الأولى. كانت أصابعها ترقص على أوتار العود، لتنسج منه ألحاناً تعبر عن روحها، وعن كل ما تراه من جمال وروعة في عالمها.

كانت نور تعيش مع جدتها، السيدة عائشة، وهي امرأة تجاوزت الستين، ذات وجه طيب، وابتسامة دافئة، تحكي قصص الماضي وتزرع الحكمة في قلب حفيدتها. كانت جدتها هي العالم كله بالنسبة لنور، وهي من شجعتها على موهبتها، وساعدتها على تطويرها.

في هذا اليوم، كانت نور جالسة في غرفة جلوس صغيرة، تغمرها أشعة الشمس الذهبية. أمامها، عودها العتيق، الذي ورثته عن والدتها الراحلة. كانت أصابعها تتحرك بخفة، تتلمس الأوتار، ثم تبدأ في عزف لحن شجي. كان اللحن يبدأ هادئاً، كشوقٍ دفين، ثم يتصاعد تدريجياً، مليئاً بالحيوية والأمل، وكأنه يعبر عن رغبة جامحة في الحياة.

"يا جدتي، هل تذكرين هذه الأغنية؟" سألت نور، وصوتها يختلط بأنغام العود.

ابتسمت السيدة عائشة، وهي تغزل الصوف بيدها. "بالطبع يا حبيبتي. هذه الأغنية غنتها والدتكِ دائماً عندما كانت سعيدة. تقولين إنها تذكركِ بها."

"نعم، عندما أعزفها، أشعر وكأنها بجانبي. وكأنها تبتسم لي."

توقفت نور عن العزف للحظة، وأخذت نفساً عميقاً. كانت والدتها قد رحلت مبكراً، تاركةً فراغاً كبيراً في حياتها. لكنها تركت لها هذا الإرث الموسيقي، وهذه الروح الشغوفة بالحياة.

"اليوم، أود أن أذهب إلى الميناء. أريد أن أستمع إلى صوت الأمواج، وألتقط بعض الصور. ربما أجد إلهاماً جديداً لألحاني." قالت نور.

"بالتأكيد يا ابنتي. لكن كوني حذرة. البحر واسع، وقد يخفي أسراراً."

"لا تقلقي يا جدتي. سأكون بخير."

توجهت نور إلى الميناء، وهي تحمل حقيبة جلدية فيها كاميرتها، ودفتر ملاحظاتها. كان الميناء يعج بالحياة. قوارب الصيد ترسو على الشاطئ، والعمال ينقلون البضائع، والباعة يعرضون ما لديهم من أسماك طازجة. كانت رائحة الملح والبحر تختلط برائحة السمك، وتشكل مزيجاً فريداً.

جلست نور على أحد الأرصفة، وهي تشاهد السفن وهي تبحر وتعود. كانت تلتقط الصور، وتسجل ملاحظات عن الألوان، والأصوات، والحركة. كان كل شيء يبدو وكأنه لوحة فنية حية.

وبينما كانت تتجول بين الأرصفة، لمحت شيئاً غريباً. كان هناك رجل يقف وحيداً، ينظر إلى الأفق، وبيده كتاب قديم. لم يكن يشبه البحارة، ولم يكن يشبه التجار. كان يبدو وكأنه غريب عن هذا المكان.

بدأت نور تشعر بالفضول. اقتربت منه ببطء، وشعرت بأن هناك شيئاً ما غير عادي في هذا الرجل. لم يكن متعباً، ولا يبدو عليه الضجر. كان هادئاً، لكن في هدوئه قوة غريبة.

"مساء الخير." قالت نور بصوت لطيف.

التفت الرجل إليها. كانت عيناه بلون العسل، تحملان عمقاً وغموضاً. شعر ريان بشيء من الارتباك. لم يكن يتوقع أن يتحدث إليه أحد.

"مساء النور." أجاب ريان بصوت هادئ.

"هل تبحث عن شيء معين؟" سألت نور، وهي تحاول أن تبدو طبيعية.

"أبحث عن... عن إجابات." قال ريان.

"إجابات؟ هل تقصد أنك ضائع؟"

ابتسم ريان ابتسامة خفيفة. "لست ضائعاً جسدياً، بل... روحياً. أشعر بأن هناك شيئاً مفقوداً في حياتي، وأنني أسعى للعثور عليه."

كانت كلمات ريان غريبة، لكنها لامست وتراً حساساً لدى نور. هي أيضاً كانت تبحث عن شيء ما، عن معنى أعمق، عن إلهام يجعل لحن حياتها أكثر جمالاً.

"أنا أيضاً أشعر بذلك أحياناً." قالت نور. "الحياة مليئة بالأسئلة، وأحياناً تكون الإجابات في أماكن غير متوقعة."

"هل لديكِ عود؟" سأل ريان فجأة.

تفاجأت نور بالسؤال. "نعم، لدي. لماذا تسأل؟"

"أشعر بأن الموسيقى قد تحتوي على بعض الإجابات. أشعر بأن الألحان قادرة على التحدث بلغة لا يفهمها إلا القلب."

"هذا صحيح." وافقت نور. "أنا أعزف الموسيقى. إنها عالمي."

"هل يمكنكِ أن تعزفي شيئاً؟ شيئاً يعبر عن الشوق، أو الأمل؟"

نظرت نور إلى ريان، ثم إلى عودها في الحقيبة. شعرت برغبة مفاجئة في فعل ذلك. ربما كان هذا الرجل، رغم غرابة حديثه، هو الشخص الذي سيلهمها.

"حسناً." قالت نور، وفتحت حقيبتها، وأخرجت عودها.

جلست على الرصيف، وبدأت تعزف. كان اللحن يبدأ هادئاً، حزيناً قليلاً، يعبر عن الشوق. ثم بدأ يتحول تدريجياً، يصبح أقوى، وأكثر أملاً، وكأنه يفتح الأبواب نحو المستقبل.

كان ريان ينصت باهتمام شديد، مغمض العينين. شعر بأن الموسيقى تلامس روحه، وأنها تخاطبه مباشرة. كان يشعر بأن هذه الفتاة، بهذه الموسيقى، تحمل شيئاً من النور الذي يبحث عنه.

عندما انتهت نور من العزف، فتح ريان عينيه. كانت هناك دمعة تتلألأ على خده.

"شكراً لكِ." قال ريان بصوت مؤثر. "لقد شعرت بأنني استمعت إلى جزء من روحي."

ابتسمت نور. "هذا واجبي. الموسيقى للجميع."

"اسمي ريان." قدم ريان نفسه.

"وأنا نور."

"لقد التقيت اليوم بشخصية فريدة، يا نور. شخص يحمل في قلبه ألحاناً جميلة، وفي روحه نوراً."

شعر ريان بأن اللقاء بهذه الفتاة كان نقطة تحول. لقد نسي مؤقتاً ما كان يطارده، ووجد في حديثها، وفي موسيقاها، بعض الراحة. هل يمكن أن تكون هذه الفتاة، بهذا النقاء والجمال، مفتاحاً لحل ألغازه؟

"ربما يجب أن نلتقي مرة أخرى." قال ريان. "لدي الكثير لأخبركِ به، والكثير لأتعلمه منكِ."

"بالتأكيد." وافقت نور، وهي تشعر بالفضول تجاه هذا الرجل الغامض.

عندما غادر ريان، شعرت نور بشعور غريب. شعرت بأن هناك شيئاً قد بدأ. شعرت بأن لحن حياتها قد اكتسب نغمة جديدة، نغمة تحمل وعداً بالأمل، وبـ "يوم سعيد" قد يكون قريباً.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%