يوم سعيد
ظلال الماضي تلوح في الأفق
بقلم سعيد الضحكة
بعد لقائه بنور في ميناء جدة، شعر ريان بنوع من الهدوء الداخلي الذي لم يعهده من قبل. كانت تلك الموسيقى، وكلمات نور، قد أزالت قليلاً من الغموض الذي كان يحيط به. لكنه كان يعرف أن هذه مجرد هدنة مؤقتة، وأن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد.
عاد إلى سوق النخاسين، لكنه لم يعد كالسابق. كان يتحرك بحذر أكبر، ويراقب الناس بعينين يقظتين. كان يشعر بأن هناك من يراقبه، وأن تلك العلامة الغريبة التي رآها، والتي ربطها أبو حمزة بـ "عصبة الظلام"، ليست مجرد ذكرى سيئة، بل تهديد حقيقي.
"يا أبا حمزة، هل لك أن تبحث لي عن أي معلومات عن هذه 'العصبة'؟ أريد أن أعرف كل شيء عنهم." قال ريان بصوت جاد.
تنهد أبو حمزة. "الأمر خطير يا بني. هؤلاء القوم أشرار، ولا يكشفون عن أنفسهم بسهولة. إنهم يعملون في الظل. والدك كان يحاول القضاء على نفوذهم في تجارة معينة، ولهذا السبب تعرض للكثير من المضايقات. لم يستطع القضاء عليهم تماماً، لكنه أضعفهم."
"لكنهم الآن يحاولون إضعافي. ولا بد أن هناك سبباً. ربما يريدون استعادة شيء، أو الانتقام."
"المال هو الوقود الذي يحركهم يا بني. إذا كان لديهم مصلحة في عملك، فسوف يحاولون تعطيله. ربما يرون أنك تقتحم مجالهم، أو أنك تقف في طريق صفقاتهم."
كان ريان يفكر. والده كان تاجر جملة كبير، يتعامل مع بضائع كثيرة. هل كانت هناك بضاعة معينة تدر عليهم الكثير من الأرباح، وكان والده ينافسهم فيها؟
"هل تذكر يا أبو حمزة، أي صفقات كانت لوالدي مربحة جداً؟ أو أي تجارة كانت تسبب له بعض المشاكل؟"
فكر أبو حمزة ملياً. "كان والدك مهتماً جداً بتجارة التوابل المستوردة. كان يجلب أجود الأنواع من الهند واليمن، ويبيعها بأسعار معقولة، مما أثر على تجار آخرين كانوا يبيعون توابلاً أقل جودة بأسعار مرتفعة. لكن لم يكن هذا السبب الوحيد لمشاكله. كان هناك أيضاً تجارة الأحجار الكريمة. كان لوالدك عين خبيرة في تمييز الأحجار الأصلية، وكان يرفض شراء الأحجار المغشوشة أو المسروقة، مما أغضب بعض التجار الذين كانوا يعتمدون على هذه الأساليب."
"الأحجار الكريمة..." كرر ريان، وشعر بأن شيئاً ما قد تحرك في ذهنه. هل كان والده قد اكتشف صفقة كبيرة، أو قام بشيء متعلق بتجارة الأحجار الكريمة، جعل "عصبة الظلام" تغضب؟
"هل وجدتم أي شيء غريب في مكتب والدي بعد وفاته؟ أي صناديق مخفية، أو أوراق غير عادية؟" سأل ريان.
"فحصنا كل شيء يا بني. لم نجد شيئاً غير عادي. كل شيء كان يبدو مرتباً ومنظماً."
شعر ريان بالإحباط. كانت الألغاز تتراكم، والإجابات تتباعد.
وفي أثناء ذلك، كانت علاقته بنور تتطور. كانا يلتقيان بين الحين والآخر، يتحدثان عن الحياة، وعن أحلامهما. كانت نور تستلهم من ريان ألحاناً جديدة، مليئة بالشوق والعزم. وكان ريان يشعر بأن نور هي ملاذه الآمن، وأنها تذكره بما يستحق النضال من أجله.
"ما الذي تخبئه يا ريان؟" سألت نور في أحد لقاءاتهما، وقد لاحظت الحزن الذي يرتسم أحياناً على وجهه. "أرى في عينيك صراعاً، وفي صوتك قلقاً."
تردد ريان في البداية، لكنه شعر بأنه يستطيع أن يثق بهذه الفتاة. لقد أصبحت جزءاً من عالمه، وربما كانت هي المفتاح لمساعدته.
"هناك أمر ما في ماضي والدي، يا نور. شيء يتعلق بـ 'عصبة الظلام'، وهي منظمة إجرامية خطيرة. إنهم يهددونني، وأخشى أن يكون هذا بسبب شيء فعله والدي."
شرح ريان لنور كل ما يعرفه، عن العلامة الغريبة، وعن حديث أبو حمزة. استمعت نور بانتباه، ولم تبدِ خوفاً، بل تعاطفاً ودعماً.
"لا تقلق يا ريان. لن تكون وحدك في هذا. سنحاول أن نجد تفسيراً، وأن نواجه هذا الخطر معاً." قالت نور، وقد لمعت عيناها بالإصرار.
في أحد الأيام، وبينما كان ريان يتفحص أوراق والده مرة أخرى، وجد شيئاً صغيراً، مدسوساً بين صفحات كتاب قديم. كانت قطعة صغيرة من الورق المقوى، وعليها رسم دقيق لما يشبه الجبل، وفي قمته شكل نجمة. لم يكن الرسم واضحاً تماماً، لكنه بدا مهماً.
"ما هذا؟" سأل ريان أبو حمزة.
نظر أبو حمزة إلى الرسم. "هذا... هذا يبدو كخريطة. رسم لوادٍ جبلي، وربما... ربما يدل على موقع."
"موقع ماذا؟"
"لا أعرف. لكن والدك كان يحب استكشاف الجبال. ربما كان هناك مكان يزوره، أو كان ينوي زيارته."
شعر ريان بأن هذا الرسم هو الدليل الذي كان يبحث عنه. ربما كان هذا الموقع مرتبطاً بصفقة الأحجار الكريمة، أو بـ "عصبة الظلام".
"علينا أن نذهب إلى هذا المكان." قال ريان بحزم.
"لكن الأمر قد يكون خطيراً يا بني. هذه الجبال وعرة، وقد يكون المكان بعيداً. ومن يدري من قد يتربص بنا هناك."
"لا يهمني. إذا كان هذا هو المفتاح لفهم ما يحدث، فعلينا الذهاب."
وفي أثناء استعدادهم للرحلة، تلقت نور رسالة غامضة. كانت رسالة قصيرة، بدون اسم المرسل، ولكنها تحمل تحذيراً. "ابتعدي عن تاجر البضائع، فهو يحمل لعنة. إذا اقتربتِ منه، فستكونين جزءاً من نهايته."
شعرت نور بالخوف، لكنها لم تستطع أن تتخلى عن ريان. لقد أصبحا مرتبطين بشيء أكبر منهما. كان خوفها على ريان أكبر من خوفها على نفسها.
"يا ريان، أعتقد أن هناك من يريد إبعادنا عن بعضنا البعض. تلقيت رسالة تحذير." قالت نور، وقدمت الرسالة لريان.
قرأ ريان الرسالة، وشعر بالغضب. "هؤلاء الأوغاد! يريدون تفرقتنا. لكنهم لن ينجحوا."
"لا يمكننا أن نكون أغبياء يا ريان. هؤلاء القوم قد يكونون أكثر خطورة مما نعتقد."
"لكنني لا أستطيع أن أترككِ. أنتِ الوحيدة التي تمنحني القوة. أنتِ الأمل في هذا الظلام."
نظر ريان إلى نور، وشعر بحبه لها يتزايد. لقد أصبح كل شيء يتعلق بها، وكل شيء يتعلق بحماية هذه العلاقة.
"سوف نذهب إلى هذا المكان سوياً، يا نور. وسنتعامل مع كل ما يقف في طريقنا. معا." قال ريان، ونظر إليها بعينين مليئتين بالتصميم.
كانت ظلال الماضي تلوح في الأفق، لكن نور وريان، معاً، كانا على استعداد لمواجهتها، ولإضاءة طريقهم نحو "يوم سعيد".