الفصل 7 / 25

يوم سعيد

غوايةُ السرابِ

بقلم سعيد الضحكة

كانتْ نسائمُ المساءِ الباردةُ تتسللُ من نافذةِ غرفةِ المكتبِ، حاملةً معها رائحةَ الياسمينِ الممزوجةَ بنفحاتِ دخانِ المدينةِ. جلستْ سارةُ، زوجةُ أحمد، على مقعدٍ بجوارِ النافذةِ، تراقبُ الأضواءَ المتلألئةَ في الأفقِ، وكلُّ ضوءٍ منها يبدو وكأنهُ قصةٌ لم تُروَ بعد، أو سرٌّ لم يُكشفْ. كانتْ تحاولُ جاهدةً أنْ تستجمعَ أفكارها، وأنْ تبنيَ جسراً من المنطقِ فوقَ بحرٍ من القلقِ الذي اجتاحَ قلبها.

منذُ عودتهِ المتأخرةِ، بدا أحمدُ مختلفاً. لم يكنْ مجردَ تعبِ يومٍ طويلٍ، بل كانَ هناكَ شيءٌ أعمقُ، شيءٌ يثقلُ روحهُ كصخرةٍ. رأتهُ يتحدثُ مع خالدٍ في المكتبِ، ورغمَ أنَّهُ لم تستطعْ سماعَ ما دارَ بينهما بوضوحٍ، إلا أنَّ لغةَ جسدِهما، وشدةَ الانفعالِ الذي بدا على أحمدَ، قد زَرعَ بذورَ الخوفِ في نفسها.

"ما بكَ يا حبيبي؟" سألتْ سارةُ بصوتٍ ناعمٍ، وهيَ تضعُ يدها الحانيةَ على ذراعِ أحمدَ، الذي كانَ يقفُ متأملاً النافذةَ، وقد غابتْ عيناهُ في سكونٍ مطبقٍ.

التفتَ أحمدُ إليها، وابتسامةٌ مرهقةٌ ارتسمتْ على وجههِ. "لا شيءَ يا غاليتي، مجردُ بعضُ ضغوطِ العملِ."

لكنَّ سارةَ لم تكنْ لتخدعَ. لقد عاشتْ مع أحمدَ سنواتٍ طويلةً، وعرفتْ كيفَ تقرأُ ما وراءَ كلماته. "أحمد، أنتَ تعرفُ أنني أرى ما تشعرُ بهِ. هل حدثَ شيءٌ بينكَ وبينَ خالد؟"

تنهدَ أحمدُ، وشعرَ بثقلِ الكتمانِ يزدادُ. لم يكنْ يريدُ أنْ يقلقَ سارةَ، لكنَّه لم يستطعْ أنْ يبقيَ كلَّ هذهِ الحقائقِ السوداءِ حبيسةَ صدرهِ. "خالد… لديهِ بعضُ المشاكلِ الماليةِ يا سارة. مشاكلُ كبيرةٌ."

اتسعتْ عينا سارةَ بصدمةٍ، وارتعشتْ يدها قليلاً. "مشاكلٌ ماليةٌ؟ أيُّ نوعٍ من المشاكل؟ هل هيَ خسائرُ في الشركةِ؟"

أومأَ أحمدُ ببطءٍ، وشعرَ بحرارةٍ تصعدُ إلى وجنتيهِ. "أكبرُ من ذلكَ. يبدو أنَّ هناكَ ديوناً كبيرةً، وربما… ربما يتجاوزُ الأمرُ مجردَ سوءِ تقديرٍ."

بدأتْ سارةُ تشعرُ بأنَّ الأرضَ تميدُ بها. لقد كانتْ تثقُ بخالدٍ، وتراهُ الرجلَ القويَّ الذي يعتمدُ عليهِ أخوهُ. كيفَ يمكنُ أنْ يكونَ قد أوصلَ نفسه وعائلتهم إلى هذا الحدِّ؟ "ماذا تقصدُ بقولكَ 'يتجاوزُ الأمرُ' يا أحمد؟"

ترددَ أحمدُ قليلاً، ثمَّ همسَ بكلماتٍ كادتْ أنْ تقتلَها. "أتحدثُ عن المقامرةِ يا سارة. عن إدمانٍ قد يكونُ قد استولى على خالدٍ."

كانتْ الكلمةُ كالصاعقةِ. صمتتْ سارةُ للحظةٍ، وعقلها يحاولُ استيعابَ هذهِ الحقيقةَ المفزعة. تخيلتْ أخاها، أخا أحمدَ، الرجلَ الذي لطالما كانَ مصدرَ فخرٍ لأسرتهما، يتخبطُ في وحلِ الإدمانِ. "لا… لا يمكنُ أنْ يكونَ ذلكَ صحيحاً. خالدٌ ليسَ من هذا النوعِ."

"هذا ما كنتُ أقولُهُ لنفسي." قالَ أحمدُ بأسى. "لكنَّ الحقائقَ أمامي. خسائرُ فادحةٌ، وديونٌ تتراكمُ. وهوَ… يهربُ من الواقعِ."

جلستْ سارةُ على طرفِ السريرِ، وغطتْ وجهها بيديها. شعرتْ بأنَّ كلَّ شيءٍ كانَ يبدو هادئاً ومستقراً، لكنَّ القناعَ قد سقطَ، وكشفتْ لنا الحياةُ عن وجهها الحقيقيِّ القاسي. تذكرتْ والدتها، وكيفَ كانتْ تتحدثُ عن صعوبةِ الحياةِ، وعن أهميةِ التماسكِ في وجهِ المصائبِ.

"يجبُ أنْ نفعلَ شيئاً يا أحمد." قالتْ سارةُ بصوتٍ مكتومٍ. "لا يمكنُ أنْ نتركَ خالدَ يغرقُ هكذا. ولا يمكنُ أنْ نتركَ مستقبلَنا يضيعُ."

نظرَ إليها أحمدُ، ورأى في عينيها تصميمَ امرأةٍ قويةٍ، امرأةٍ لن تستسلمَ بسهولة. "أعلمُ يا حبيبتي. لكنَّ الأمرَ ليسَ بالسهولةِ التي تتخيلينها. خالدٌ عنيدٌ، وقد يكونُ في حالةِ إنكارٍ شديدٍ."

"لكنَّنا يجبُ أنْ نحاولَ." أصرتْ سارةُ. "يجبُ أنْ نرى كيفَ يمكنُ أنْ نساعدهُ. وأنْ نجدَ حلاً لهذهِ الديونِ. لا يمكنُ أنْ نعيشَ في خوفٍ وقلقٍ دائمٍ."

فكرَ أحمدُ في كلماتِ سارةَ. كانتْ على حقٍّ. لا يمكنُ لهُ أنْ يستسلمَ. لقد كانَ لديهِ عائلةٌ، و مسؤولياتٌ. لم يكنْ مجردَ رجلٍ، بل كانَ جزءاً من نسيجٍ أكبرَ، نسيجٍ يمتدُّ إلى الماضي والحاضرِ والمستقبلِ.

"سنحاولُ يا سارة. سنفعلُ كلَّ ما في وسعنا." قالَ أحمدُ، وقد شعرَ بقوةٍ تتجددُ فيهِ، قوةٌ مستمدةٌ من حبِّه لسارةَ، ومن إيمانهِ بأنَّ العائلةَ هيَ أقوى سلاحٍ في مواجهةِ أيِّ مصيبةٍ.

في تلكَ الليلةِ، لم ينمْ أحمدُ وسارةُ كثيراً. كانا يتحدثانِ في همساتٍ، يضعانِ الخططَ، ويحاولانِ إيجادَ حلولٍ لمشاكلَ تبدو أحياناً عصيةً على الحلِّ. كانتْ غوايةُ السرابِ التي وقعَ فيها خالدٌ قد جلبتْ معها ظلالاً من الخطرِ، لكنَّ نورَ الحبِّ والتماسكِ العائليِّ كانَ ما زالَ يتألقُ في قلبِ بيتهم، واعداً بمحاولةٍ أخيرةٍ لإنقاذِ ما يمكنُ إنقاذهُ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%