يوم سعيد
خيوطٌ متشابكةٌ
بقلم سعيد الضحكة
تسللتْ خيوطُ الشمسِ الذهبيةِ من ثغراتِ الشيشِ الخشبيِّ، راسمةً خطوطاً دافئةً على أرضيةِ غرفةِ الجلوسِ. اجتمعتْ العائلةُ في صباحِ يومٍ جديدٍ، لكنَّ الهواءَ كانَ مشبعاً بثقلِ الأمسِ. جلستْ أمُ أحمدَ، الشيخةَ فاطمةَ، في صدرِ المجلسِ، وعلى وجهها علاماتُ الحكمةِ والقلقِ التي لا تخفى. بجانبها جلستْ سارةُ، وقد بدتْ عيناها تحملانِ بقايا سهرٍ طويلٍ، لكنَّ صلابتها ظلتْ واضحةً.
بدأَ أحمدُ الحديثَ، وصوتهُ هادئٌ لكنهُ يحملُ ثقلَ المسؤوليةِ. "أمي، سارة، أردتُ أنْ أتحدثَ معكما بصراحةٍ حولَ ما نواجههُ. الأمورُ ليستْ على ما يرامٍ مع خالدٍ."
نظرتْ الشيخةُ فاطمةُ إليهِ بعينينِ دامعتينِ، لكنَّها حافظتْ على رباطةِ جأشها. "أعلمُ أنَّ قلبكَ يتألمُ يا ولدي. وماذا اكتشفتَ؟"
تلا أحمدُ عليها ما اكتشفهُ في اليومِ السابقِ، مسترسلاً في وصفِ الديونِ المتراكمةِ، واحتماليةِ تورطِ خالدٍ في المقامرةِ. كانتْ سارةُ تسمعُ بانتباهٍ، وتراقبُ ردةَ فعلِ حماتها.
تنهدتْ الشيخةُ فاطمةُ تنهيدةً عميقةً، وكأنها تحملُ كلَّ أحزانِ الدنيا. "لقد حذرتُه مراراً من هذهِ السهراتِ المتأخرةِ، ومن هذهِ الصحبةِ التي لا خيرَ فيها. لكنَّهُ كانَ يصرُّ على أنَّهُ رجلٌ يعرفُ ما يفعلُ."
"لكنَّ الأمرَ تجاوزَ مجردَ سوءِ اختيارِ الأصدقاءِ يا أمي." قالتْ سارةُ بصوتٍ حازمٍ. "نحنُ نتحدثُ عن مخاطرةٍ قد تدمرُ مستقبلَنا. وأحمدُ قررَ أنْ يحاولَ التدخلَ، لكنَّ خالدَ يرفضُ الاعترافَ."
"وهذا ما يؤلمني أكثرَ." قالتْ الشيخةُ فاطمةُ. "أخيُكَ لم يكنْ هكذا. كانَ دائماً قوياً، واعياً. ماذا حدثَ لهُ؟"
"ربما هوَ يحاولُ الهروبَ من ضغوطٍ لا نفهمها." قالَ أحمدُ. "لكنَّ هذا الهروبَ يدفعنا جميعاً إلى حافةِ الهاويةِ. ولقد أخبرتني سارةُ بأنَّها تلقتْ اتصالاً من أحدِ أصدقاءِ خالدَ القدامى، شخصٌ يدعى "طارق"، يبدو أنهُ يريدُ مقابلتها لمناقشةِ أمرٍ هامٍّ يتعلقُ بخالدٍ."
اتسعتْ عينا سارةَ. "طارق؟ لقد ذكرَ لي خالدٌ اسمهُ مرةً، لكنهُ لم يقلْ لي الكثيرَ عنه. قالَ أنهُ كانَ شريكاً لهُ في بعضِ المشاريعِ القديمةِ."
"ربما هذا طارقٌ لديهِ مفتاحٌ لفهمِ ما يحدثُ." قالتْ الشيخةُ فاطمةُ. "اذهبي للقائهِ يا سارة، لكنْ كوني حذرةً. لا تثقي بأحدٍ لم تثبتْ الأيامُ صدقَهُ."
في وقتٍ لاحقٍ من ذلكَ اليومِ، التقتْ سارةُ بطارقٍ في مقهى هادئٍ يقعُ في منطقةٍ راقيةٍ من المدينةِ. كانَ طارقٌ رجلاً في منتصفِ العمرِ، يرتدي ملابسَ أنيقةً، ويبدو عليهِ بعضُ الارتباكِ.
"أهلاً بكِ يا سيدةَ سارة." قالَ طارقٌ بابتسامةٍ متعثرةٍ. "أشكركِ على مجيئكِ."
"قالَ أحمدُ أنكَ تريدُ التحدثَ عن خالدٍ." قالتْ سارةُ بصراحةٍ. "هل الأمرُ خطيرٌ؟"
تنهدَ طارقٌ، وبدا وكأنَّهُ يبحثُ عن الكلماتِ المناسبةِ. "في الحقيقةِ، الأمرُ معقدٌ. لقد عملتُ مع خالدٍ منذُ سنواتٍ، ورأيتهُ يمرُّ بفتراتٍ صعبةٍ. لكنَّ هذهِ المرةَ مختلفةٌ."
"مختلفةٌ كيفَ؟" سألتْ سارةُ، وشعرتْ بأنَّ قلبها يخفقُ بقوةٍ.
"خالدٌ… لديهِ مشكلةٌ حقيقيةٌ مع المقامرةِ." قالَ طارقٌ بصوتٍ منخفضٍ. "لقد حاولتُ كثيراً أنْ أنصحهُ، أنْ أساعدهُ، لكنَّهُ في حالةِ إنكارٍ تامٍّ. إنهُ يراهنُ بمبالغَ طائلةٍ، ويخسرُ أكثرَ مما يربحُ."
شعرتْ سارةُ وكأنَّ الأرضَ تتشققُ تحتَ قدميها. كانتْ هذهِ الحقيقةُ أقسى مما تخيلتْ. "لكنَّهُ يقولُ أنَّهُ يحاولُ تعويضَ خسائرِ الشركةِ."
"هذهِ مجردُ ذريعةٍ." قالَ طارقٌ بأسى. "إنهُ مدمنٌ، يا سارة. إنهُ مدمنٌ على المخاطرةِ، على الإثارةِ. وهوَ الآنَ مدينٌ لأشخاصٍ… قد يكونونُ خطيرينَ."
اختنقتْ سارةُ بالعبرةِ. "أشخاصٌ خطيرونَ؟"
"نعم." أكدَ طارقٌ. "أشخاصٌ لا يعرفونَ الرحمةَ. وقد يضغطونَ عليهِ بشدةٍ."
"ماذا يمكنُنا أنْ نفعلَ؟" سألتْ سارةُ، وقد غمرتها مشاعرُ العجزِ واليأسِ.
"يجبُ أنْ يرى خالدٌ أنَّهُ في ورطةٍ حقيقيةٍ." قالَ طارقٌ. "وأنَّهُ يحتاجُ للمساعدةِ. لم أعدْ أحتملُ رؤيتهُ يدمرُ نفسه هكذا. لديَّ بعضُ المعلوماتِ التي قد تفيدُنا في فهمِ حجمِ ديونهِ، ومن همُ الدائنونَ."
بعدَ لقائهِ بطارقٍ، عادتْ سارةُ إلى المنزلِ، وقد استقبلها أحمدُ والشيخةُ فاطمةُ بلهفةٍ. روتْ لهم ما سمعتهُ، وقد ارتسمَ على وجوههم مزيجٌ من الحزنِ والغضبِ والقلقِ.
"لقد أصبحَ الوضعُ أخطرَ مما كنا نتوقعُ." قالَ أحمدُ، وقد ازدادتْ حدةُ النظرِ في عينيهِ. "يجبُ أنْ نواجهَ خالدَ الآنَ بكلِّ الحقائقِ."
"لكنْ كيفَ؟" سألتْ الشيخةُ فاطمةُ. "إذا كانَ في حالةِ إنكارٍ، فقد يزيدُ الأمرُ سوءاً."
"سنجدُ طريقةً." قالتْ سارةُ، وقد استجمعتْ كلَّ قوتها. "يجبُ أنْ نجعلَهُ يرى الصورةَ كاملةً. وأنْ نُظهرَ لهُ أننا معه، وأننا لن نتخلى عنه. لكنْ يجبُ أنْ يعترفَ بمشكلتهِ أولاً."
كانتْ خيوطُ المشكلةِ تتشابكُ، وتزدادُ تعقيداً. لم تعدِ القضيةُ مجردَ ديونٍ ماليةٍ، بل كانتْ معركةً ضدَّ إدمانٍ خبيثٍ، ومعركةً للحفاظِ على مستقبلِ عائلةٍ بأكملها. كانَ عليهم أنْ يجدوا طريقةً لفكِّ هذهِ الخيوطِ المتشابكةِ، وأنْ ينقذوا خالدَ قبلَ أنْ يغرقَ تماماً في بحرِ السرابِ.