الفصل 9 / 25

يوم سعيد

صلحٌ مؤجلٌ

بقلم سعيد الضحكة

في قاعةِ الاجتماعاتِ التي شهدتْ بالأمسِ صداماً مريراً، وقفَ أحمدُ وخالدٌ وجهاً لوجهٍ مجدداً. لكنَّ هذهِ المرةَ، لم تكنْ هناكَ حدةٌ في النظراتِ، بل كانَ هناكَ صمتٌ ثقيلٌ، صمتٌ يسبقُ العاصفةَ، أو ربما صمتٌ يحملُ رغبةً دفينةً في الصلحِ. جلستْ الشيخةُ فاطمةُ في ركنٍ من الغرفةِ، وعلى وجهها تعابيرُ الترقبِ والألمِ. كانتْ سارةُ تقفُ بجوارِ أحمدَ، وقد مدتْ يدها بلطفٍ وأمسكتْ بذراعهِ، كأنها تمنحهُ الدعمَ والقوةَ.

"خالدٌ." بدأَ أحمدُ بصوتٍ فيهِ نبرةُ إلحاحٍ خفيفةٌ. "لقد تحدثتُ مع طارقٍ اليومَ."

تصلَّبَ خالدٌ للحظةٍ، وبدا وكأنَّهُ حاولَ أنْ يخفيَ ردةَ فعلهِ، لكنَّ عينيهِ فضحتْ اضطرابهُ. "وماذا قالَ لكَ طارقٌ؟"

"قالَ كلَّ شيءٍ." قالَ أحمدُ، وقد زادتْ حدةُ نظرهُ. "قالَ عن ديونكَ، وعن خسائرِكَ، وعن… عن مقامرتكَ."

ارتعشَ وجهُ خالدٍ، وقد شعرَ بأنَّ جدارَ الإنكارِ الذي بناهُ حولَ نفسه بدأَ ينهارُ. نظرَ إلى والدتهِ، ورأى في عينيها خيبةَ الأملِ والألمِ. نظرَ إلى سارةَ، ورأى فيها مزيجاً من الشفقةِ والحزمِ.

"لم تكنْ الأمورُ بهذا السوءِ يا أحمد." تمتمَ خالدٌ بصوتٍ بالكادِ يُسمعُ. "كنتُ أحاولُ إصلاحَ الأمورِ."

"إصلاحُ الأمورِ؟" كررتْ سارةُ بصوتٍ فيهِ نبرةُ عتابٍ. "هل تظنُّ أنَّ ما تفعلهُ هوَ إصلاحٌ؟ لقد وضعتَ عائلتكَ بأكملها في خطرٍ."

"لقد كنتُ أحاولُ أنْ أجدَ حلاً سحرياً." قالَ خالدٌ، وقد ارتفعتْ نبرةُ صوتهُ قليلاً، وكأنهُ يدافعُ عن نفسه. "كنتُ أراهنُ على صفقاتٍ كبيرةٍ لتعويضِ كلِّ ما خسرناهُ."

"وهل نجحتْ رهاناتُكَ؟" سألَ أحمدُ بأسى. "أم أنكَ زدتَ الطينَ بلةً؟"

صمتَ خالدٌ. لم يستطعْ الإجابةَ. لقد كانتْ عواقبُ رهاناتهِ تلاحقُه كالظلِّ.

"خالدٌ يا ولدي." قالتْ الشيخةُ فاطمةُ بصوتٍ حنونٍ لكنهُ يحملُ قوةَ الحكماءِ. "قلبُ الأمِ لا يرى إلا أبناءها. وأنا أرى أنكَ تتألمُ. لكنَّ هذا الألمَ لا يبررُ لكَ أنْ تضعَ نفسكِ وعائلتكَ في هذهِ الورطةِ."

"أنا… أنا آسفٌ." قالَ خالدٌ، وقد بدأتْ دموعٌ تتجمعُ في عينيهِ. "لم أقصدْ أنْ أصلَ إلى هذا الحدِّ. لكنَّني… كنتُ أشعرُ بالضغطِ، وبالإحباطِ. وكنتُ أبحثُ عن طريقةٍ لأنسى، لأتجاوزَ."

"النسيانُ لا يأتي بالهروبِ يا خالدٌ." قالَ أحمدُ. "النسيانُ يأتي بالتعاملِ مع المشاكلِ، وليسَ بالقفزِ منها."

"والآنَ، ما هيَ خطتُكَ؟" سألتْ سارةُ. "هل ستعترفُ بالمشكلةِ وتقبلُ المساعدةَ؟"

ترددَ خالدٌ. كانتْ فكرةُ الاعترافِ صعبةً عليهِ. كانتْ جزءاً من كبريائهِ، من صورتهِ الذاتيةِ. لكنَّ نظراتِ عائلتهِ، وحبهم الذي كانَ يراهُ في عيونهم، بدأتْ تلينُ قساوتهُ.

"أنا… أنا أحتاجُ للمساعدةِ." قالَ خالدٌ، وقد ارتجفَ صوتهُ. "لا أعرفُ كيفَ خرجتُ من هذا المأزقِ. الديونُ كبيرةٌ، وهؤلاءِ الناسُ… إنهم يضغطونَ عليَّ."

"لن نتخلى عنكَ." قالَ أحمدُ، وتقدمَ نحو أخيهِ، وربتَ على كتفهِ. "سنواجهُ هذا معاً. سنبحثُ عن حلٍّ لهذهِ الديونِ، وسنجدُ لكَ المساعدةَ التي تحتاجها لتجاوزِ هذا الإدمانِ."

"هل أنتَ جادٌ يا أحمد؟" سألَ خالدٌ، وقد بدا وكأنَّهُ لا يصدقُ.

"بالطبعِ." قالَ أحمدُ. "أنتَ أخي. ولا يمكنُني أنْ أتركَكَ تسقطُ."

"وأنا أيضاً." قالتْ سارةُ، وقد ابتسمتْ لهُ ابتسامةً تشجعُه. "سنقفُ معكِ."

"وسأدعو لكَ بالشفاءِ والصلاحِ يا ولدي." قالتْ الشيخةُ فاطمةُ، وقد احتضنتْ خالدَ بقوةٍ.

كانتْ هذهِ اللحظةُ لحظةَ تخفيفٍ، لحظةَ استراحةٍ من عاصفةِ الصراعِ. لكنَّها لم تكنْ نهايةَ المطافِ. كانتْ مجردَ بدايةٍ لمرحلةٍ جديدةٍ، مرحلةٍ تتطلبُ جهوداً مضاعفةً، وتضحياتٍ، وعزيمةً قويةً.

"ماذا سنفعلُ بالديونِ؟" سألَ خالدٌ، وقد استجمعَ بعضَ قوتهِ.

"سنبدأُ بحصرِ كلِّ الديونِ بشكلٍ دقيقٍ." قالَ أحمدُ. "وسنتواصلُ مع الجهاتِ المختصةِ، ونرى كيفَ يمكنُنا التفاوضُ مع الدائنينَ. قد نحتاجُ إلى بيعِ بعضِ الأصولِ، أو إلى إعادةِ هيكلةِ الشركةِ."

"وأنا سأبحثُ عن أفضلِ المراكزِ المتخصصةِ لمساعدتكَ في التغلبِ على إدمانكَ." قالتْ سارةُ. "هذهِ رحلةٌ طويلةٌ، لكنَّك لستَ وحدكَ."

شعرَ خالدٌ ببعضِ الراحةِ، لكنَّ الحزنَ والألمَ لم يفارقاهُ. لقد رأى بنفسهِ مدى الضررِ الذي ألحقهُ بنفسهِ وبمن يحبونَ. كانَ يعرفُ أنَّ الطريقَ سيكونُ صعباً، لكنَّ وجودَ عائلتهِ بجانبهِ قد أعطاهُ بصيصَ أملٍ.

بعدَ انتهاءِ الاجتماعِ، استمرَّ أحمدُ وسارةُ في التخطيطِ. كانا يعملانِ معاً، يتشاركانِ الأفكارَ، ويوزعانِ المهامَّ. كانتْ علاقتهما، التي كانتْ قد مرتْ بفتراتٍ من الشكِّ بسببِ ظروفِ الحياةِ، قد تعمقتْ بفضلِ هذا التحديِّ المشتركِ. كانا يستمدانِ القوةَ من بعضهما البعضِ، ومن حبهما العميقِ.

كانَ الصلحُ مؤجلاً، لكنَّ البذورَ قد زُرعتْ. كانتْ هناكَ رغبةٌ في التغييرِ، ورغبةٌ في الاستعادةِ. لكنَّ الطريقَ نحو الشفاءِ والتعافي لم يكنْ مفروشاً بالورودِ. كانتْ هناكَ عقباتٌ كثيرةٌ تنتظرهم، لكنَّ العزيمةَ الصادقةَ، والوحدةَ العائليةَ، كانتْ أقوى سلاحٍ قد يواجهونَ بهِ كلَّ هذهِ الصعابِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%