حياة مرحة الجزء الثاني
عاصفة في سماء الرياض
بقلم وليد المرح
كانت رياح الصحراء تعصف بحدة، ترفع معها سحبًا كثيفة من الغبار الذهبي، تلفّ مدينة الرياض بجلبابٍ خشنٍ من الرمل. في قلب هذا الهيجان الطبيعي، كانت سيارة "لاند كروزر" سوداء فارهة تشقّ طريقها بسرعة جنونية، لا تبالي بالعواصف الترابية التي تعمي الأبصار وتُزعج الأجواء. خلف عجلة القيادة، كان يجلس "نواف بن خالد"، شابٌ في أواخر العشرينيات، وجهه نحيلٌ يحمل آثار قلقٍ عميق، وعيناه السوداوان تبرقان بتركيزٍ شديد، تراقبان الطريق الذي يكاد أن يختفي تحت وطأة الرمال.
لم تكن هذه السرعة مجرد تهوّرٍ أو رغبةٍ في الوصول إلى وجهته بأسرع وقت. بل كانت هروبًا. هروبًا من ماضٍ يلاحقه، ومن واقعٍ أراد لنفسه أن يكون مختلفًا. كان نواف رجل أعمالٍ ناجح، ورث عن والده إمبراطورية عقارية ضخمة، لكنه لم يكن يسير على دربه. كان يحلم دومًا بعالمٍ آخر، عالمٍ يتجاوز حسابات الربح والخسارة، عالمٍ تتجسد فيه القيم التي كادت أن تندثر في زحمة الحياة المعاصرة.
مرّت بالكاد اللحظات، واقتربت سيارته من مبنى شاهقٍ زجاجي، كان هو نفسه قد ساهم في تشييده. توقفت السيارة بعنفٍ أمام المدخل، وخرج منها نواف بخطواتٍ سريعة، يفتح مظلته الجلدية الفاخرة ليحتمي بها من الرياح التي كانت تصفع وجهه. استقبلته أضواء المدخل الساطعة، وكأنه يدخل إلى عالمٍ آخر، عالمٍ بعيدٍ عن قسوة الصحراء.
"أهلاً بك يا مهندس نواف،" رحّب به حارس الأمن بابتسامةٍ مترددة، يرى في وجه الشاب ما يشي بضيقٍ دفين.
"مساء الخير،" أجاب نواف بصوتٍ خفيض، وهو يسير نحو المصاعد الفاخرة. لم يكن في استقباله أحد، فالكل كان يعرف أن حضوره المفاجئ في هذا الوقت المتأخر يحمل دلالةً خاصة. دخل المصعد، وأغلق الباب خلفه، تاركًا وراءه ضجيج العاصفة وصخب الحياة الخارجية.
وصل إلى الطابق الأخير، حيث مكتبه الفخم، الذي كان أشبه بقلعةٍ من زجاجٍ وفولاذ، يطلّ على المدينة المتلألئة في المساء. كان المكتب مرتبًا بدقةٍ متناهية، كل شيء في مكانه، كأنما لم يمسه أحد. لكن هذا الترتيب الظاهري لم يكن يعكس الهدوء الذي كان ينشده نواف.
جلس خلف مكتبه الكبير المصنوع من خشب الجوز، وأغلق عينيه للحظة، يحاول استجماع أنفاسه. كانت صورةٌ قديمةٌ لا تفارقه، صورةٌ لوالده، الحاج خالد، وهو يقرأ عليه قصص الأنبياء، وحين كان يشدّ على يده ويقول له: "يا بني، المال زينةٌ، لكن الكرامة أثمن." كانت تلك الكلمات تلقي بظلالها على كل ما يفعله الآن.
فتح عينيه، ورأى أمامه كومةً من الأوراق، تقارير مالية، وعقودٌ جديدة، كلها تدور حول توسيع استثمارات الشركة في مشاريع قد لا تتوافق مع قيمه. تنهد بأسف، ثم تناول هاتفه.
"أمينة؟" قال بصوتٍ أقرب إلى الهمس.
"نعم يا مهندس نواف،" جاء الصوت عبر الهاتف، حادٌّ ونبرةٌ قليلةٌ من القلق. أمينة كانت سكرتيرة نواف، امرأةٌ ذات كفاءةٍ عالية، وصاحبة خبرةٍ طويلة في التعامل معه.
"هل حضر الأستاذ فهد؟" سأل نواف.
"نعم، إنه ينتظر في غرفة الاجتماعات،" أجابت أمينة.
"رجاءً، أخبريه أنني سآتي حالًا، وأطلبي له قهوةً عربية،" قال نواف.
قطع الاتصال، وقام من مقعده. كان يشعر بثقلٍ لا يُحتمل، ثقل المسؤولية، وثقل الخيارات الصعبة. في كل مرةٍ كان يتلقى فيها صفقةً جديدة، كان يشعر وكأنه يبتعد أكثر عن الطريق الذي رسمه له والده، الطريق المليء بالنور والرحمة.
فتح باب مكتبه، وسار بخطواتٍ ثابتة نحو غرفة الاجتماعات. كانت الأضواء فيها خافتة، وخلق جوًا من الرسمية والتأمل. كان الأستاذ فهد، شريك والده القديم، يجلس في رأس الطاولة، رجلٌ في الستينيات، ذو شاربٍ كثيفٍ وفمٍ صامتٍ غالبًا. كانت عيناه الحادتان تخترقان نواف، وكأنها تقرأ ما يدور في صدره.
"مساء الخير يا أبا سعيد،" قال نواف، وهو يصافح فهد بقوة.
"مساء النور يا نواف،" أجاب فهد بصوتٍ أجش، "جئتك بالخبر السعيد الذي ينتظره الجميع."
جلس نواف، واضعًا يده على قلبه، يشعر بخفقانٍ متسارع. كان يعرف أن "الخبر السعيد" الذي يتحدث عنه فهد غالبًا ما يكون مرتبطًا بالمال، وبالصفقات التي لا تنتهي.
"تم الانتهاء من صفقة الأرض الجديدة في شمال الرياض،" تابع فهد، "بمبلغٍ ضخم، وسيؤثر بشكلٍ مباشر على أسعار العقارات في المنطقة."
كانت تلك الأخبار كما توقّع. صفقةٌ مربحة، ستزيد من ثروة الشركة، لكنها قد تأتي على حساب أشياء أخرى.
"وهذا ليس كل شيء،" أضاف فهد، وهو يميل نحو نواف، "هناك عرضٌ جديدٌ من شركةٍ أجنبية، يرغبون في شراء حصةٍ كبيرةٍ من أراضي مشروعنا في مدينة جدة. عرضٌ لا يُرفض."
شعر نواف ببرودةٍ تسري في عروقه. مشروع جدة كان له قصةٌ مختلفة، كان هدفه بناء مجمعٍ سكنيٍّ إسلاميٍّ، يوفر سكنًا ميسرًا للعائلات، ومساجد، وحدائق، ومراكز تعليمية. لم يكن هدفًا ربحيًا بحتًا.
"لكن يا أبا سعيد،" قال نواف بتردد، "مشروع جدة كان له رؤيةٌ مختلفة. أردنا أن يكون ملتقى للعائلات، وأن نحافظ على طابعه الإسلامي الأصيل."
ضحك فهد ضحكةً خافتة، "يا نواف، هل ما زلت تعيش في زمن الأساطير؟ العقارات اليوم تُبنى على أساس الربح، لا على أساس الأحلام الوردية. هذا العرض سيضاعف أموالنا، ويمكننا من تنفيذ عشرات المشاريع الأخرى."
كان نواف يستمع إلى كلماته، ويشعر وكأنه في حربٍ داخلية. جزءٌ منه كان يرى الواقع الذي يتحدث عنه فهد، فالشركة بحاجةٍ إلى النمو، وأن يبقى اسم عائلته في المقدمة. والجزء الآخر، كان يتذكر وصية والده، وأن النجاح الحقيقي ليس في تراكم الثروات، بل في فعل الخير.
"لكن قيمة الأرض في جدة، يا أبا سعيد،" قال نواف محاولًا إيجاد حلٍ وسط، "ألم نتعهد بأن تكون تلك المنطقة خالصةً للمسلمين؟"
"هذا تعهدٌ قديم، يا نواف،" قال فهد بنفاد صبر، "والآن تغيرت الظروف. الشركة الأجنبية لا تهتم بالخلفية الدينية، بل بالقيمة السوقية. هم يريدون الأرض، ونحن نريد المال. إنها صفقةٌ مربحةٌ للجميع."
وقف نواف، وبدأ يمشي في الغرفة. كانت أضواء المدينة الخارجية تلقي بظلالٍ متراقصةٍ على الجدران، وكأنها تعكس اضطرابه الداخلي.
"أحتاج إلى وقتٍ للتفكير، يا أبا سعيد،" قال نواف أخيرًا، وصوته يحمل مسحةً من الإرهاق.
"لا وقت للتفكير يا نواف،" قال فهد بجدية، "المستثمرون ينتظرون الرد. إما أن نبيع، أو سنخسر هذه الفرصة الثمينة."
خرج نواف من غرفة الاجتماعات، وترك فهد وحده. عاد إلى مكتبه، وأغلق الباب، واستند بظهره إليه. كانت العاصفة الخارجية قد هدأت قليلًا، لكن العاصفة بداخله كانت في أشدّها. نظر إلى صورته مع والده، تلك الصورة التي التقطت في يوم تخرجه، وكان والده يبتسم بفخر. شعر بدموعه تتجمع في عينيه. هل كان والده سيوافق على ما يحدث الآن؟ هل كان هذا هو الطريق الذي أراده له؟
"يا أبي،" تمتم نواف، "أين أنت لتنير دربي؟"
كان يشعر بالضياع، وبالوحدة. كان يملك كل شيءٍ ماديًا، لكنه كان يفتقد إلى الشيء الأهم، إلى البوصلة الأخلاقية، إلى الشعور بالرضا الداخلي. كانت هذه الصفقة، هي مفترق الطرق الذي لا بد له أن يختار فيه، إما أن يسير مع التيار، أو أن يقاومه.