حياة مرحة الجزء الثاني
لقاءٌ على ضفافِ الذكريات
بقلم وليد المرح
عادتْ "فرح" إلى منزلِها بعدَ زيارةِ جدتِها، تحملُ معَها بعضَ السلوى، لكنَّ ظلَّ الحزنِ لمْ يُفارقْ قلبَها. جلستْ في غرفتِها، تتأملُ صورَ الماضي، صورَها معَ "خالدٍ" قبلَ أنْ ينكشفَ وجهُهُ الحقيقيُّ. شعرتْ بغصةٍ في حلقِها، لمْ تفهمْ كيفَ استطاعَ أنْ يُخادعَها بهذهِ الطريقةِ.
في تلكَ الأثناءِ، كانَ "يوسف" مُتحمّسًا لزيارةِ "ليلى" مرةً أخرى. أحضرَ معَهُ كتابًا جديدًا، وبعضَ الفواكهِ التي تُحبُّها. أثناءَ طريقِهِ، مرَّ بمتجرٍ لبيعِ الزهورِ، توقفَ أمامَ واجهةِ المتجرِ، واختارَ باقةً منَ الوردِ الأحمرِ، ليُضفيَ على زيارتِهِ لمسةً منَ البهجةِ.
وصلَ إلى منزلِ "ليلى"، وجدَها جالسةً في حديقةِ المنزلِ، تتنفسُ الهواءَ الطلقَ. استقبلتهُ بابتسامةٍ خفيفةٍ، لكنَّ عينيها بدتا أكثرَ حزنًا منْ ذي قبلَ.
"كيفَ حالُكِ اليومَ يا "ليلى"؟" سألَ "يوسف" وهوَ يُقدمُ لها باقةَ الوردِ.
"الحمدُ للهِ، أشعرُ ببعضِ الضعفِ، لكنَّ وجودَكَ يُنعشُ روحي." أجابتْ وهيَ تأخذُ الوردَ.
"لقدْ أحضرتُ لكِ هذا الكتابَ، ظننتُ أنَّهُ قدْ يُسعدُكِ." قالَ "يوسف" وهوَ يُقدمُ الكتابَ.
"شكرًا لكَ يا "يوسف"، أنتَ تعرفُ دائمًا كيفَ تُسعدُني. أتمنى أنْ أكونَ قادرةً على الخروجِ قريبًا، وأنْ نذهبَ معًا إلى البحرِ، كما كنا نفعلُ في صغرِنا." قالتْ "ليلى" وعيناها تتطلعانِ إلى الأفقِ.
"بالطبعِ يا "ليلى"، عندما تتحسنُ أحوالُكِ، سنذهبُ إلى البحرِ. سنُحضرُ معكِ الشايَ الدافئَ، ونستمعُ إلى صوتِ الأمواجِ." قالَ "يوسف" بابتسامةٍ دافئةٍ.
في تلكَ اللحظةِ، وصلَ "خالدٌ" إلى القريةِ، وكانَ يبحثُ عنْ "فرح". علمَ أنَّها غالبًا ما تكونُ عندَ جدتِها، أوْ تزورُ "ليلى".
ذهبَ إلى منزلِ "ليلى"، وجدَ "يوسف" معَها. شعرَ بالغيرةِ، لكنَّهُ حاولَ أنْ يُخفيَ مشاعرَهُ.
"مساءُ الخيرِ، كيفَ حالُكم؟" قالَ "خالدٌ" بصوتٍ مُتصنعٍ.
"أهلًا بكَ يا "خالدٌ"، تفضلْ بالجلوسِ." قالتْ "ليلى" ببرودٍ.
جلسَ "خالدٌ" على كرسيٍ فارغٍ، وبدأَ يتحدثُ عنْ أمورٍ عامةٍ. كانَ يُحاولُ أنْ يلفتَ انتباهَ "فرح"، لكنَّها لمْ تكنْ موجودةً.
في غضونِ ذلكَ، كانتْ "فرح" في منزلِ جدتِها، تُساعدُها في ترتيبِ بعضِ الأشياءِ القديمةِ. وجدتْ صندوقًا خشبيًا قديمًا، فتحتهُ لتجدَ فيهِ رسائلَ قديمةً، صورًا، ومذكراتٍ لوالدتِها. شعرتْ بحنينٍ قويٍّ، وأمْسكتْ بيدِها بمذكراتِ والدتِها، بدأتْ تقرأُ فيها.
كانتْ والدتُها تكتبُ عنْ حبِّها الكبيرِ لوالدِ "فرح"، عنْ أحلامِها المشتركةِ، وعنْ كيفَ أنَّ الحبَّ الحقيقيَّ يتجاوزُ كلَّ الصعابِ. في إحدى الصفحاتِ، كتبتْ والدتُها: "الحياةُ رحلةٌ مليئةٌ بالمفاجآتِ، فيها أفراحٌ وأحزانٌ، لكنَّ الأهمَّ هوَ أنْ نُؤمنَ بقيمةِ الحبِّ، وأنْ لا نستسلمَ لليأسِ."
شعرتْ "فرح" بأنَّ كلماتِ والدتِها تُلامسُ قلبَها، وأنَّها بحاجةٍ إلى هذا النوعِ منَ الأملِ.
بعدَ فترةٍ، قررتْ "فرح" أنْ تزورَ "ليلى"، لعلَّها تجدُ عندها بعضَ السلوى. عندما وصلتْ إلى منزلِ "ليلى"، فوجئتْ بوجودِ "خالدٍ". شعرتْ ببرودةٍ تسري في عروقِها.
"مساءُ الخيرِ يا "فرح"." قالَ "خالدٌ" وهوَ يبتسمُ ابتسامةً عريضةً.
"مساءُ النورِ." أجابتْ "فرح" بفتورٍ، وتجاهلتهُ تقريبًا، وتوجهتْ نحو "ليلى".
"كيفَ حالُكِ يا "ليلى"؟" سألتْ "فرح" وهيَ تحتضنُها.
"أنا بخيرٍ، أشعرُ بتحسنٍ." أجابتْ "ليلى".
قضتْ "فرح" وقتًا معَ "ليلى"، تتحدثانِ وتضحكانِ. كانَ "خالدٌ" يحاولُ التقربَ منْ "فرح"، لكنَّها كانتْ تتجنبُهُ. شعرَ "يوسف" بأنَّ هناكَ شيئًا غريبًا يحدثُ. لاحظَ أنَّ "فرح" تتجنبُ "خالدًا"، وأنَّ "خالدًا" يبدو مُنزعجًا.
بعدَ فترةٍ، جاءَ وقتُ انصرافِ "فرح". ودعتْ "ليلى"، ومرَّتْ بجانبِ "خالدٍ" دونَ أنْ تنظرَ إليهِ.
"فرح"، نادى "خالدٌ" بصوتٍ عالٍ.
توقفتْ "فرح" والتفتتْ إليهِ. "ماذا تريدُ؟" سألتْ بحدةٍ.
"أريدُ أنْ أتحدثَ معكِ." قالَ "خالدٌ".
"لا يوجدُ شيءٌ لنتحدثَ فيهِ." قالتْ "فرح" بصرامةٍ، وغادرتْ.
نظرَ "خالدٌ" إليها وهيَ تبتعدُ، شعرَ بغضبٍ دفينٍ. لمْ يكنْ يتوقعُ أنْ تتعاملَ معهُ بهذهِ الطريقةِ.
في طريقِ عودتِها، التقتْ "فرح" بـ "يوسف".
"هلْ كلُّ شيءٍ على ما يرامٍ يا "فرح"؟" سألَ "يوسف" بقلقٍ.
"نعم، كلُّ شيءٍ على ما يرامٍ." أجابتْ "فرح" بابتسامةٍ مصطنعةٍ.
"لمْ تبدو كذلكَ عندما كنتِ معَ "خالدٍ"." قالَ "يوسف" مباشرةً.
توقفتْ "فرح" ونظرتْ إليهِ. شعرتْ بالراحةِ للتحدثِ معَهُ. "لقدْ اكتشفتُ أنَّهُ كانَ يُخادعُني." قالتْ بصوتٍ مُرتجفٍ.
"أعلمُ." قالَ "يوسف" بهدوءٍ. "لقدْ سمعتُ بعضَ الأمورِ."
"ولماذا لمْ تُخبرني؟" سألتْ "فرح" بدهشةٍ.
"لمْ أكنْ متأكدًا، ولمْ أردْ أنْ أُزعجَكِ. لكنْ، كنتُ دائمًا هنا منْ أجلكِ." قالَ "يوسف" بصدقٍ.
شعرتْ "فرح" بامتنانٍ كبيرٍ لـ "يوسف". لأولِ مرةٍ منذُ فترةٍ طويلةٍ، شعرتْ بأنَّ هناكَ شخصًا يفهمُها.
"شكرًا لكَ يا "يوسف"." قالتْ "فرح" بعيونٍ دامعةٍ.
"لا شكرَ على واجبٍ. أنتِ تستحقينَ الأفضلَ." قالَ "يوسف" وهوَ يبتسمُ.
بينما كانا يقفانِ، نظرتْ "فرح" إلى السماءِ، ورأتْ نجمةً ساطعةً. شعرتْ بأنَّها بدايةُ شيءٍ جديدٍ. ربما، ليسَ كلُّ ماضٍ يجبُ أنْ يُعكرَ صفوَ المستقبلِ.
ما زالتْ المعركةُ الداخليةُ لـ "فرح" مستمرةً، لكنَّ لقاءَها معَ "يوسف" أعطاها دفعةً قويةً. هلْ ستتمكنُ منْ نسيانِ الماضي؟ وهلْ ستُفسحُ المجالَ لقلبِها ليُحبَّ مرةً أخرى؟ القادمُ سيُبينُ.