حياة مرحة الجزء الثاني

لقاءٌ جديدٌ تحت قمرٍ خجول

بقلم وليد المرح

بعد مرور يومين على أحداث سوق العطارين، كان القلق يسيطر على منزل يوسف. العم خالد، الذي كان عادةً ما يملأ المكان بضحكاته وصوته الجهوري، أصبح هادئاً ومنزوياً. كان يتلقى الأخبار السيئة تلو الأخرى، وتزداد الضغوط عليه.

في هذه الأثناء، كانت ليلى تراقب الوضع بحذر. لم تستطع أن تنسى الرجل الغريب. شعرت بأن لقاءه لم يكن صدفة، وأن البحث عن خلطة "أسرار الشرق" ربما كان مجرد ذريعة. قررت أن تبحث بنفسها عن أي معلومة قد تربط هذا الرجل بعم خالد.

"عادل،" قالت ليلى لوالدها، "أعتقد أن علينا محاولة اللقاء بهذا الرجل مرةً أخرى. ربما إذا تحدثنا معه مباشرة، نستطيع أن نفهم شيئاً."

نظر عادل إليها بتردد. "هل أنت متأكدةٌ من ذلك يا ليلى؟ قد يكون الأمر خطيراً."

"أعلم،" أجابت ليلى. "لكنني لا أستطيع أن أجلس مكتوفة الأيدي. إذا كان لديه أيُّ معلومة، أو إذا كان هو نفسه المتورط، فيجب أن نعرف."

"حسناً،" قال عادل بعد تفكير. "سنحاول. لكن بحذرٍ شديد. وأنا من سيذهب للقائه، وأنتِ ستكونين بالقرب، لكن في مكانٍ آمن."

في تلك الليلة، عندما غابت الشمس وأسدلت خيوطها الأخيرة على القاهرة، اختار عادل مكاناً هادئاً بالقرب من حديقة الأزهر، حيث يمكن رؤية منظر المدينة وهي تتلألأ تحت قمرٍ خجول. كان المكان قليل الرواد، ومناسباً لمثل هذه اللقاءات السرية.

وصل عادل إلى المكان المحدد، وجلس على أحد المقاعد الحجرية. مرت دقائقٌ طويلة، شعر خلالها بالتوتر يتزايد. هل سيأتي الرجل؟ هل يعرف أنه ينتظره؟

وفجأة، رأى عادل ظلاً يقترب. كان الرجل نفسه الذي رأته ليلى في سوق العطارين. اقترب منه بهدوء، وكانت عيناه الداكنتان لا تزالان تحملان ذلك الغموض.

"هل أنت السيد عادل؟" سأل الرجل بصوتٍ هادئ.

"نعم، وأنت...؟" أجاب عادل، متظاهراً بعدم معرفته.

"اسمي "فؤاد". وكنت أنتظر هذه المقابلة بفارغ الصبر." قال فؤاد، وجلس بجانب عادل.

"ما الذي يجعلك تنتظر هذه المقابلة؟ وما علاقتك بـ... بخلطة "أسرار الشرق"؟" سأل عادل، محاولاً استنباط المعلومات.

ابتسم فؤاد ابتسامةً باهتة. "خلطة "أسرار الشرق" هي مجرد رمز. أنا أبحث عن شيءٍ أعمق من ذلك. أبحث عن... عن حقيقةٍ غابت عني منذ زمنٍ طويل."

"وما هي هذه الحقيقة؟" سأل عادل، وقد شعر بأن هذا الرجل لا يتحدث عن صفقاتٍ تجارية.

"أنا أبحث عن والدي،" قال فؤاد، وبدأت نبرته تعلوها الحسرة. "لقد اختفى منذ سنواتٍ طويلة، ولم أجد له أيَّ أثر. كل ما تركته لي هو بعض الوصايا، وبعض الذكريات، ورغبةٌ جامحةٌ في معرفة ما حدث له."

"ومن هو والدك؟" سأل عادل، وشعر بأن الأمور تأخذ منحىً جديداً تماماً.

"والدي كان رجلاً معروفاً في مجال التجارة،" قال فؤاد، وهو ينظر إلى أضواء المدينة. "كان لديه أعداءٌ كثر، لكنه كان أيضاً محبوباً من قبل الكثيرين. لقد كان يمتلك أسراراً، ولم يكشفها لأحدٍ قبل اختفائه."

"هل اسم والده "خالد"؟" سأل عادل، مستعيداً لصورته في ذاكرته.

توقف فؤاد للحظة، وكانت نظراته تتغير. "لم يكن اسمه خالد. لكنه كان يعمل مع رجلٍ يدعى خالد، وكانوا شركاء في البداية."

"أنت تقصد العم خالد؟" سأل عادل، وقد بدأ يشعر بأن خيوط الحقيقة تتجمع.

"ربما،" أجاب فؤاد. "لقد كان والدي يتحدث عنه كثيراً، وعن شراكتهم. لكن العلاقة بينهما تدهورت في السنوات الأخيرة قبل اختفائه."

"وما الذي تعتقد أنه حدث لوالدك؟" سأل عادل.

"أعتقد أن هناك من تآمر عليه،" قال فؤاد بحزم. "ربما بسبب صفقاته، أو بسبب أسراره. ولم أجد أيَّ أثرٍ له، سوى بعض الرسائل القديمة التي تشير إلى أن هناك من يريد إخفاء الحقيقة."

"وهل تعتقد أن العم خالد له علاقةٌ بما حدث لوالدك؟" سأل عادل، وهو يحاول أن يكون محايداً.

"لا أستطيع الجزم بذلك،" قال فؤاد. "لكني أبحث عن أيِّ معلومةٍ قد تقودني إلى الحقيقة. وأعتقد أن خلطة "أسرار الشرق" التي سألت عنها، كانت شيئاً خاصاً بوالدي. ربما تحتوي على بعض المفاتيح."

"إذاً، أنت لست هنا لمجرد شراء البخور،" قال عادل.

"بالتأكيد لا،" أجاب فؤاد. "لقد سمعت عن سمعة عائلتكم الطيبة، وعن طيبة قلبكم. لذلك، اعتقدت أنني قد أجد لديكم بعض المساعدة، أو على الأقل بعض المعلومات."

"نحن لا نحب أن نرى أحداً يتألم،" قال عادل. "خاصةً عندما يتعلق الأمر بالماضي والحقائق المخفية. إذا كنت تبحث عن الحقيقة، فربما نكون قادرين على مساعدتك."

"أشكرك جزيل الشكر،" قال فؤاد، وبدت على وجهه علامات الامتنان. "لقد كنت أبحث عن أملٍ منذ زمنٍ طويل."

"لكن يجب أن نتفق على شيءٍ واحد،" قال عادل. "إذا كانت هناك أيُّ معلوماتٍ قد تؤذي عائلتنا، أو تضر بسمعتها، فيجب أن تكون واضحةً وصريحةً معنا."

"أتعهد بذلك،" قال فؤاد. "أنا أبحث عن الحقيقة، وليس عن الانتقام."

بعد هذا اللقاء، عاد عادل إلى المنزل، والقصة كلها تدور في رأسه. لقد فهم الآن دوافع فؤاد، وأدرك أن لديه علاقةً قويةً بالماضي. لكن هل هذا الرجل هو نفسه الذي يحاول إيذاء عم خالد؟ أم أن كل هذا مجرد صدفة؟

عندما رأى عادل ليلى، أخبرها بكل شيء. كانت ليلى تنصت بعناية، وقد زاد قلقها.

"إذاً، هو يبحث عن والده،" قالت ليلى. "والده كان شريكاً لعم خالد. وقد يكون هناك صراعٌ قديمٌ بينهما."

"هذا ما يبدو،" قال عادل. "لكن يجب أن ندرك أننا نتعامل مع ماضٍ معقد. قد تكون هناك أسرارٌ كبيرةٌ لم نكن نعرفها."

"لكن إذا كان فؤاد يبحث عن الحقيقة، فربما يكون هو نفسه من يساعد عم خالد. ربما يمكن أن يساعدنا في كشف من يحاول إيذاءه." اقترحت ليلى.

"هذا احتمالٌ جيد،" قال عادل. "لكن يجب أن نكون حذرين. يجب أن نتأكد من نواياه، وأن لا ننكشف لأيِّ خطر."

في تلك الليلة، لم تستطع ليلى أن تنام. كانت تفكر في فؤاد، وفي قصة اختفاء والده. كانت تشعر بأنها على وشك اكتشاف سرٍّ كبير، سرٍّ قد يغير مجرى حياتهم جميعاً. في عالم "حياة مرحة"، بدأت الأقنعة تتساقط، وبدأت الحقائق المخفية تتكشف، تحت قمرٍ خجول، شاهدٍ على هذه اللقاءات الغامضة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%