حياة مرحة الجزء الثاني

خطوات نحو المواجهة ومرارة الحقيقة

بقلم وليد المرح

ارتعش قلب فاطمة وهي تتأمل عيني ياسين المليئتين بالعزم. لم تعد تلك الفتاة الشابة التي اعتادت الضحك واللعب، بل أصبحت امرأةً تحمل على عاتقها مسؤوليةً كبيرةً، مسؤوليةَ كشفِ ماضي والدها، والدفاع عن سمعة عائلتها. كانت فكرة التواصل مع العم سالم تبدو خطرةً، لكنها في نفس الوقت، كانت الأمل الوحيد لديهم.

"سأتصل بالعم سالم غدًا." قالت فاطمة، وصوتها يحمل ثباتًا لم يعهده ياسين فيها من قبل. "لكن يجب أن نكون حذرين. لا نعرف إلى أي مدى يمكننا الوثوق به."

في صباح اليوم التالي، حملت فاطمة هاتفها، وتوجهت إلى حديقة المنزل الخلفية، حيث الأشجار الوارفة توفر بعض الخصوصية. اتصلت برقم العم سالم، الذي كان يعيش في مزرعةٍ صغيرةٍ في ضواحي المدينة. كان العم سالم، صديق أحمد المقرب، رجلًا طيب القلب، ولكنه كان غريب الأطوار بعض الشيء، ويميل إلى الانعزال منذ وفاة أحمد.

"السلام عليكم، العم سالم." قالت فاطمة، وصوتها هادئٌ. "وعليكم السلام ورحمة الله. من المتحدث؟" جاء صوتٌ أجش، مليءٌ بالتردد. "أنا فاطمة، زوجة المرحوم أحمد الأصفهاني." ساد صمتٌ طويلٌ. ثم قال العم سالم بصوتٍ مختنقٍ، "فاطمة؟ أهلاً بكِ. لم أتوقع اتصالكِ." "أعلم أنني مقصرةٌ في التواصل، العم سالم، لكن هناك أمرٌ جللٌ دفعني للاتصال. أمرٌ يتعلق بأحمد."

بدأت فاطمة تشرح، بكلماتٍ موجزةٍ وحذرةٍ، عن اكتشاف الرسالة، وعن الشكوك التي بدأت تتراكم. لم تذكر اسم "الظل" مباشرةً، بل أشارت إلى شخصٍ مجهولٍ، يهدد عائلتهم، ويحاول إخفاء حقائق تتعلق بأحمد.

"أحمد... لم يكن أبدًا رجلًا عاديًا." قال العم سالم بعد فترةٍ من الصمت. "لقد حمل الكثير من الأسرار. أسرارٌ لم يكن يحق لأحدٍ أن يعرفها." "ولكننا الآن بحاجةٍ لمعرفتها، العم سالم. إنهم يهددوننا. ونحن لا نعرف لمن نلجأ." "الظل..." تمتم العم سالم. "أعرف هذا الاسم. كان أحمد يخاف منه. كان يخشى أن يكشف عن دوره الحقيقي." "ما هو دوره الحقيقي؟" سألت فاطمة، وقلبها يخفق بسرعة.

"كان أحمد... كان يعمل في خدمةٍ خاصةٍ لأحد الجهات الأمنية العليا. لم تكن وظيفته المعلنة كافيةً لتغطية كل شيء. كان يقوم بمهامٍ حساسةٍ، تتطلب الكثير من الشجاعة، والكثير من المخاطرة." أوضح العم سالم. "وكان 'الظل' هو المسؤول عن هذه العمليات، هو من يخطط ويوجه." "ولكن الرسالة تشير إلى صفقةٍ مشبوهةٍ، وديونٍ كبيرةٍ. لم تكن هذه الأمور جزءًا من مهامه العسكرية." قالت فاطمة، وعيناها تلمعان بالدموع. "هنا تكمن المشكلة يا فاطمة. أحمد كان يعتقد أنه يفعل الخير، ولكنه وقع في فخٍ كبير. 'الظل' كان يستغل نفوذه، ويستخدم أحمد في صفقاتٍ شخصيةٍ، تحت ستار العمليات السرية."

مرت لحظاتٌ ثقيلةٌ، لم يقطعها سوى صوتُ الريح الذي كان يداعب أغصان الشجر. أدركت فاطمة أن الصورة التي كانت ترسمها عن زوجها كانت ناقصةً، بل ربما كانت خاطئةً تمامًا.

"وماذا عن هذه الديون؟" سألت فاطمة. "كان أحمد يحاول سداد ديونٍ قديمةٍ، ديونٌ كانت نتيجةَ محاولةٍ فاشلةٍ لإنقاذ شخصٍ كان يعتقد أنه مظلومٌ. 'الظل' وعده بالمساعدة، ولكنه استغل الوضع لابتزازه." قال العم سالم، ونبرةُ الحزن تعلو صوته.

"وهل... هل هناك شهودٌ على هذا؟ وثائقٌ؟" سألت فاطمة. "أحمد كان يحتفظ بكل شيءٍ. كان يعلم أن 'الظل' غادرٌ. كان يخشى اليوم الذي قد يحتاج فيه لهذه الأدلة." قال العم سالم. "ولكنه خبأها في مكانٍ لا يمكن لأحدٍ أن يتوقعه." "وأين هو هذا المكان؟" سأل ياسين، الذي كان يستمع إلى المكالمة من خلف ستائر الشرفة.

"لقد أخبرني أحمد بذلك قبل وفاته بفترةٍ قصيرةٍ. كان يثق بي، ويعلم أنني سأحميه، أو أحمي ما تركه." قال العم سالم. "قال لي: 'عندما تصبح الأمور خطيرةً جدًا، وعندما تظهر الظلال، اذهب إلى المكتبة القديمة، ابحث عن الكتاب الذي كان يحمل طابعَ النسر'."

"مكتبة أحمد القديمة!" هتف ياسين، وقد أضاء وجهه بالفضول.

"نعم، المكتبة. ولكن الحذر واجب. 'الظل' قويٌ، ولا يرحم. وإذا عرف أننا نبحث، فقد يكون الأمر كارثيًا." حذر العم سالم.

بعد إنهاء المكالمة، نظرت فاطمة إلى ياسين، وعيناها تعكسان مزيجًا من الأمل والقلق. "هذا هو خيطنا الوحيد يا بني. يجب أن نذهب إلى المكتبة، وأن نبحث عن هذا الكتاب."

توجه ياسين وفاطمة إلى مكتبة أحمد القديمة. كانت الغرفة لا تزال على حالها، مليئةً بكتبٍ عتيقةٍ، وروائحَ غبارٍ وحبر. بدأ ياسين بتفحص الكتب على الرفوف، وعيناه تبحثان عن كتابٍ يحمل طابعَ النسر. كانت مهمةً شاقةً، فالكتب كانت كثيرةً، والوقت يمر.

"جدتي، أتتذكرين أي كتابٍ كان أبي يحبه بشكلٍ خاص؟" سأل ياسين. "كان لديه كتابٌ عن تاريخ الأندلس، وكان يقرأه كثيرًا. ولكن لا أتذكر أن به طابعَ نسرٍ." أجابت فاطمة، وهي تمرر أصابعها على أغلفت الكتب.

بعد ساعاتٍ من البحث المتواصل، وبينما كان اليأس يبدأ بالتسرب إلى قلبيهما، لمح ياسين كتابًا صغيرًا، قديمًا، مخبأً بين كومةٍ من الكتب الكبيرة. كان غلافه جلديًا باهتًا، وكان يحمل، بالفعل، طابعَ نسرٍ صغيرٍ منحوتٍ عليه.

"وجدته!" صاح ياسين، وصوته يكتسب رعشةً من الإثارة.

فتحت فاطمة الكتاب بيدين مرتعشتين. لم يكن كتابًا عاديًا. كانت صفحاته الأولى مملوءةً برسائلَ ومستنداتٍ، مكتوبةً بخط يد أحمد. كانت هناك تفاصيلُ لعملياتٍ سريةٍ، أسماءٌ لشخصياتٍ نافذةٍ، ووثائقُ تثبت تورط "الظل" في صفقاتٍ غير مشروعةٍ. كانت الأدلة التي لم يتوقعها أحد، والتي قد تغير مسار كل شيء.

"هذه هي الحقيقة يا أحمد." همست فاطمة، والدموع تنهمر على خديها. "الحقيقة التي كنت تخفيها، وتخاف منها."

بينما كانا يقلبان الصفحات، سمعا صوتًا غريبًا قادمًا من الخارج. صوتُ خطواتٍ تقترب، وصوتُ سيارةٍ تتوقف أمام المنزل. أدركا أنهم اكتشفوا. وأن "الظل" قد أرسل رجاله.

"يجب أن نخرج من هنا الآن!" قال ياسين، وهو يجمع المستندات بسرعة.

شعرا بخطورة الموقف. لم يكونا على وشك الكشف عن أسرارٍ فحسب، بل كانا على وشك مواجهةٍ مباشرةٍ مع "الظل" ورجاله. كانت مرارةُ الحقيقة تلتف حولهما، ومعها جاء الخطر.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%