حياة مرحة الجزء الثاني

همسات الماضي ونداء المستقبل

بقلم وليد المرح

عاد نواف إلى مكتبه، وأغلق الباب خلفه، مستسلمًا لثقل الأفكار التي كانت تعصف بذهنه. كانت صورة والده، الحاج خالد، تتجسد أمامه بوضوحٍ تام، ابتسامته الهادئة، وعيناه التي كانت دومًا تحمل دفئًا لا ينضب. تذكر كيف كان والده يروي له قصص الأجداد، عن النخوة والكرم، وعن كيف كان يرى أن المال وسيلةٌ وليس غاية. "يا بني، الدنيا دار اختبار، والفوز الحقيقي هو فوز الآخرة،" كان يقولها له دائمًا، والآن، شعر بأن هذه الكلمات أصبحت أكثر إلحاحًا، وأكثر وقعًا.

تنهد نواف بعمق، ثم جلس خلف مكتبه، ممسكًا بقلبٍ مثقل. كان الأستاذ فهد، الرجل الذي قضى سنواتٍ طويلةً يعمل بجوار والده، يتمتع بثقته الكاملة، هو الآن يمثل التيار المعاكس تمامًا لرؤيته. فهد رجلٌ براغماتي، يرى العالم بمنظورٍ ماديٍّ بحت، بينما نواف، رغم انغماسه في عالم الأعمال، كان لا يزال يحمل في قلبه بقايا أحلام والده، وأحلامه الخاصة.

"أمينة،" نادى نواف بصوتٍ تعب، "هل لكِ أن تعدي لي كوبًا من الشاي الأخضر؟ أريد أن أهدأ قليلًا."

"بالتأكيد يا مهندس نواف،" جاء صوت أمينة المهذب، "هل ترغب في إضافة أي شيءٍ إليه؟"

"لا، شكرًا لكِ،" أجاب نواف، وهو يراقب الأضواء المتلألئة للمدينة من نافذة مكتبه. كانت الرياض تبدو كبحرٍ من النجوم، عالمٌ مذهلٌ ولكنه بعيدٌ كل البعد عن صراعاته الداخلية.

بعد دقائق، دخلت أمينة، تحمل كوب الشاي الأخضر على طبقٍ فضيٍّ صغير. وضعت الكوب أمامه، ثم وقفت في صمتٍ، تنتظر أية تعليماتٍ أخرى. كانت أمينة، بذكائها الحاد، وفطنتها، تدرك أن هذا المساء ليس كأي مساءٍ آخر. كانت ترى التعب الذي يرتسم على وجه نواف، والقلق الذي يعصف بملامحه.

"شكرًا لكِ يا أمينة،" قال نواف، وهو يأخذ رشفةً من الشاي، "هل يمكنكِ أن تلغي لي جميع المواعيد غدًا؟ أريد أن أكون متفرغًا."

"بالطبع يا مهندس نواف،" أجابت أمينة، "لكن هل من سببٍ معين؟"

تردد نواف للحظة، ثم قال: "أشعر أنني بحاجةٍ إلى بعض الهدوء، للتفكير في بعض الأمور الهامة."

"أتفهم يا مهندس نواف،" قالت أمينة، وهي تخرج من المكتب، وتركت نواف وحيدًا مع أفكاره، وكوب الشاي الذي بدأ يبرد.

جلس نواف، ووضع كوب الشاي جانبًا. فتح أدراج مكتبه، ثم أخرج صندوقًا خشبيًا قديمًا، كان يحتفظ فيه بأشياءٍ عزيزةٍ على قلبه. فتح الصندوق، ووجد بداخله مجموعةً من الصور القديمة، ورسائل بخط يد والده، وبعض الكتب التي كان يقرؤها.

أمسك بصورةٍ لوالده وهو يبتسم، كانا يقفان أمام مسجدٍ قديمٍ في بلدةٍ صغيرةٍ كانوا يزورونها في الصيف. تذكر كيف كان والده يحب هذه الأماكن، وكيف كان يشعر براحةٍ وسكينةٍ لا تتوفر في صخب المدينة.

"يا أبي،" تمتم نواف، "لقد تركتني في هذه المعركة وحدي."

كانت صفقة مشروع جدة بمثابة نقطة تحولٍ حقيقية. لم يكن الأمر مجرد خسارةٍ ماليةٍ محتملة، بل كان معركةً تتعلق بمبادئه، وقيمه، وإرث والده. كان يعرف أن فهد سيضغط عليه، وسيقدم له كل الحجج المنطقية لدعم قراره. لكن ضميره كان يصرخ في داخله.

تصفح بعض الرسائل القديمة، كانت كلها مليئةً بالنصائح والحكم، ورسائل حبٍّ أبويٍّ صادق. في إحدى الرسائل، كتب والده: "يا بني، كن كالطود الشامخ، لا تهزه رياح الفتن، ولا تغرّك زخارف الدنيا. ابحث عن السعادة الحقيقية في رضا الله، وفي خدمة عباده."

تنهد نواف. كيف يمكنه أن يرضي الله، ويخدم عباده، وهو يبيع أرضًا كان من المفترض أن تكون مشروعًا إسكانيًا للمسلمين، لشركةٍ أجنبيةٍ لا تهتم إلا بالمكاسب؟

فجأة، سمع صوت جرس هاتفه يرن. نظر إلى الشاشة، ورأى اسم "ليلى" يتوهج. ليلى، الفتاة التي كانت تعيش في قلبه منذ سنوات، لكنها كانت دائمًا بعيدةً المنال. ليلى، ابنة عمته، التي كانا يتحدثان عن الزواج في طفولتهما، لكن الظروف حالت دون ذلك. كانت ليلى، الفتاة التي لم يرها منذ خمس سنوات، منذ أن سافرت مع عائلتها إلى بلدٍ عربيٍّ آخر.

تردد نواف للحظةٍ قبل أن يجيب. هل هو الوقت المناسب للتحدث معها؟ هل ستفهم وضعه؟ لكنه لم يستطع أن يقاوم. ضغط على زر الرد.

"نواف؟" جاء صوتها، دافئًا وحنونًا، وكأنها لم تغب عنه يومًا.

"ليلى؟" قال نواف، صوته يحمل مسحةً من المفاجأة والفرح، "كيف حالك؟"

"الحمد لله، بخير،" أجابت ليلى، "تذكرتني؟"

"كيف أنسى؟" قال نواف بابتسامةٍ خفيفة، "لقد سمعت أنكِ عدتِ إلى الرياض."

"نعم، عدنا بالأمس،" قالت ليلى، "وكنت أفكر في الاتصال بكِ."

"هذا لطفٌ منكِ،" قال نواف، "متى يمكنني زيارتك؟"

"غدًا مساءً، إن لم يكن لديكِ مانع،" قالت ليلى، "والدتي ستحب أن تراقبك."

"بالطبع،" قال نواف، "سأكون هناك. هل يمكنني أن آتي بعد صلاة العشاء؟"

"بكل سرور،" قالت ليلى، "أتطلع لرؤيتك."

بعد أن أنهى نواف المكالمة، شعر بشيءٍ من الارتياح. كانت ليلى دائمًا تمثل له الهدوء والسكينة، كانت تمثل له عالمًا آخر، عالمًا بعيدًا عن صراعاته. ربما، سيكون حديثها معه، فرصةً له ليجد بعض الإلهام، وليتذكر القيم التي يحاول التمسك بها.

نظر مرةً أخرى إلى صورة والده. هل سيتمكن من تحقيق أحلامه؟ هل سيجد القوة ليقاوم فهد؟ هل سيمكنه الحب، الذي لطالما انتظره، أن يكون له درعًا في هذه المعركة؟

كانت ليلةً طويلة، مليئةً بالتأملات، وبالذكريات، وبالتساؤلات. كانت رياح الصحراء قد هدأت، لكن عاصفةً جديدةً كانت تتشكل في أعماق روحه، عاصفةٌ ستقرر مسار حياته، ومستقبل شركته، ومستقبل إرث والده.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%