حياة مرحة الجزء الثاني
المطاردة والاختيار الصعب
بقلم وليد المرح
شعر ياسين وفاطمة بالخطر يحيط بهما كضبابٍ كثيفٍ. صوتُ إطاراتِ سيارةٍ تنزلق على الحصى، وأصواتُ رجالٍ يتحدثون بنبرةٍ خافتةٍ، ولكنها تحمل تهديدًا لا لبس فيه. لم يكن لديهما وقتٌ للتفكير. أمسك ياسين بالمستندات الثمينة، بينما أمسكت فاطمة بيد جدتها.
"يجب أن نختبئ." قالت فاطمة، وصوتها هادئٌ لكنه يحمل نبرةً من الحسم. "أين؟" سأل ياسين، وعيناه تبحثان عن مخرج. "في القبو. إنه المكان الوحيد الذي لم يصل إليه أحدٌ منذ زمنٍ طويل."
هرعا إلى باب القبو القديم، الذي كان مغلقًا بإحكامٍ. وجد ياسين المفتاح المعلق في مكانه المعتاد، وفتحه بسرعة. انحدرا إلى الظلام، ورائحةُ الرطوبةِ والترابِ تملأ المكان. أغلقا الباب خلفهما، وحاولا التنفس بهدوءٍ، يستمعان إلى أصواتِ من يقتربون.
سمعا صوتَ الباب الأمامي يُفتح بالقوة، وصوتَ خطواتٍ ثقيلةٍ تتجول في المنزل. كانا مختبئين في الظلام، وقلوبهما تخفق بعنفٍ، كلٌّ يستمع إلى نبضاتِ الآخر. استمر الأمر لدقائقَ بدت وكأنها ساعاتٌ. ثم سمعا صوتَ أحدهم يقول بنبرةٍ آمرةٍ: "فتشوا كل زاوية. يجب أن نجدهما."
بدأ الرجال يبحثون في المنزل. سمعت فاطمة صوتَ خطواتٍ تقترب من باب القبو. حبست أنفاسها، وشعرت بأنها على وشك الانهيار. لكنها أدركت أن قوتها هي ما ستحميها، وأن الخوف لن يكون إلا عدوًا إضافيًا.
"جدتي، هل أنتِ بخير؟" همس ياسين. "بخير يا بني. كن قويًا." أجابت فاطمة، وهي تشد على المستندات.
بعد فترةٍ، توقفت الخطوات عند باب القبو. استمعوا إلى صوتِ مفتاحٍ يُدار في القفل. شعر ياسين بالرعب. لم يكن لديه سلاح، ولم يكن يعرف كيف يواجه هؤلاء الرجال.
"هل أنتِ هنا يا عجوز؟" جاء صوتٌ رجوليٌّ، باردٌ، يخلو من أي عاطفة. لم تجب فاطمة.
"إذا لم تفتحي الباب، سنقوم بفتحه بالقوة." قال الرجل، وكان صوته يحمل وعدًا بالدمار.
فجأةً، سمعا صوتَ آخرٍ، مختلفٍ، صوتٌ كان يحمل نبرةً من السلطة. "توقفوا! لا تفتحوا الباب. أعطوني المفتاح."
شعر ياسين وفاطمة ببعض الارتياح، لكن الشك لا يزال يخيم عليهما. هل هذا الرجل هو "الظل" نفسه؟ أم أنه أحد رجاله؟
جاء صوتُ طرقٍ على باب القبو، ولكن هذه المرة، كان أقل قوة. "فاطمة؟ ياسين؟ هل أنتم بالداخل؟"
عرفت فاطمة الصوت. كان العم سالم. لقد جاء لمساعدتهما.
"نعم، نحن هنا يا عم سالم." أجابت فاطمة، وصوتها يعبر عن ارتياحٍ عميقٍ.
سمعا صوتَ العم سالم وهو يتحدث مع الرجال الذين كانوا يقفون بالخارج. لم تفهم فاطمة كل ما قاله، لكنها فهمت أنه يتفاوض معهم، ويطلب منهم المغادرة. بعد فترةٍ، اختفت أصواتُ الرجال، وبقي صوتُ العم سالم وحده.
"يمكنكم الخروج الآن." قال العم سالم. "لقد تعاملت مع الأمر."
خرج ياسين وفاطمة من القبو، والظلام لا يزال يحوطهما. لم يريا العم سالم بوضوحٍ، لكنهما سمعا صوته.
"لقد نجونا." تمتم ياسين، وهو يحتضن المستندات. "بفضل الله، وبفضل العم سالم." قالت فاطمة، وشعرت بأن إرهاقًا كبيرًا قد أصابها.
عندما خرجوا من القبو، وجدوا العم سالم ينتظرهم. كان وجهه شاحبًا، لكن عينيه كانتا مليئتين بالعزم.
"كنتم في خطرٍ كبيرٍ." قال العم سالم. "لقد علمت أن 'الظل' قد أرسل رجاله. لحسن الحظ، استطعت الوصول قبل فوات الأوان." "كيف علمت؟" سألت فاطمة. "لديّ بعض الاتصالات القديمة. سمعت عن تحركاتٍ غير طبيعيةٍ في المنطقة." أجاب العم سالم. "ولكن الآن، يجب أن نتصرف بسرعة. هذه المستندات هي دليلٌ قويٌّ ضد 'الظل'، ولكن يجب أن نحميها."
قرروا التوجه إلى مكانٍ آمنٍ، حيث يمكنهم دراسة المستندات، وربما اتخاذ قرارٍ بشأن كيفية استخدامها. اختاروا منزلَ جدةِ ليلى، الذي كان بعيدًا عن الأنظار، ولا يعرفه أحدٌ من رجال "الظل".
عندما وصلوا إلى هناك، كانت ليلى تنتظرهم بقلقٍ. عندما رأت ياسين وفاطمة، احتضنتهما بقوةٍ.
"كنت قلقةً عليكم جدًا!" قالت. "لقد مررنا بأمرٍ جللٍ." أجاب ياسين، وهو يشير إلى المستندات. "لكننا الآن بخير."
بدأوا بفحص المستندات، وتبين لهم حجم الجرائم التي ارتكبها "الظل". كانت هناك أسماءٌ لشخصياتٍ سياسيةٍ، ورجالِ أعمالٍ، بل وحتى بعض المسؤولين في الأجهزة الأمنية. كان "الظل" قد بنى إمبراطوريةً من الفساد، مستغلًا ضعف النفوس، وجشع الآخرين.
"هذا أكثر مما تخيلت." قالت ليلى، وهي تقلب بعض الوثائق. "هذه المستندات يمكن أن تدمر الكثير من الأشخاص." "ولكنها ستساعد في تحقيق العدالة." قالت فاطمة، وعيناها تلمعان بالأمل.
في هذه الأثناء، كان "الظل" غاضبًا. لم يكن يتوقع أن ينجو ياسين وفاطمة. كان يعتقد أنه قد سيطر على الموقف. لكن الآن، أصبحت المستندات في أيديهم، وكان يعرف أن هذا يعني نهاية حكمه.
"لم أتوقع أن يكون أحمد بهذه الغباء." قال "الظل" لرجاله، وهو يضرب بيده على الطاولة. "لقد ترك وراءه فخًا لنا جميعًا. ولكننا لن نسمح لهم بنشر هذه الحقائق."
شعر "الظل" بأن الوقت ينفد. كان عليه أن يتخذ قرارًا حاسمًا. إما أن يهرب، أو أن يواجه العواقب. لكنه لم يكن رجلًا يهرب من المعارك.
"علينا أن نستعيد هذه المستندات." قال "الظل". "حتى لو اضطررنا للقضاء على كل من يقف في طريقنا."
كان القرار صعبًا. لم يكن لديهم سوى خيارين: إما أن يستسلموا، ويتركوا "الظل" يفلت بفعلته، أو أن يواجهوا خطرًا كبيرًا، وأن يسلموا المستندات إلى الجهات المختصة، مع كل ما يترتب على ذلك من مخاطر.
"ماذا سنفعل؟" سأل ياسين، وهو ينظر إلى فاطمة وليلى. "لا يمكننا أن نخاف." قالت فاطمة. "لقد وصلنا إلى هنا، ولا يمكن أن نتراجع الآن." "ولكن الخطر كبيرٌ جدًا." قالت ليلى. "الحق دائمًا ما يكون له ثمن." قالت فاطمة. "ولكن هذا الثمن هو ما سيصنع فرقًا."
كان الاختيار صعبًا، لكنهما كانا يعلمان أنهما لن يستسلما. سيواجهان "الظل"، وسيستخدمان المستندات لكشف الحقيقة، مهما كان الثمن.