حياة مرحة الجزء الثاني
لقاءٌ في واحة الهدوء
بقلم وليد المرح
بعد ليلةٍ طويلةٍ من التأمل، استيقظ نواف مع خيوط الفجر الأولى، متسللًا شعاعٌ ذهبيٌّ من نافذة مكتبه، راسماً على الأرض خطوطًا من الضوء. كان يشعر بالإرهاق، لكنه كان أيضًا يحمل في داخله قرارًا متزايدًا، قرارًا مدعومًا بذكرى والده، وبصوت ليلى الذي لا يزال يتردد في أذنيه.
شرب قهوته العربية المرة، وشعر بأنها تمنحه دفعةً من النشاط. فتح حاسوبه المحمول، وبدأ يراجع تفاصيل صفقة جدة مرةً أخرى. كانت الأرقام مغرية، والعرض سخيٌّ جدًا. كان من الممكن أن يجنب الشركة الكثير من المتاعب المالية، وأن يفتح لها أبوابًا جديدة. لكن في كل مرةٍ كان ينظر فيها إلى تفاصيل المشروع، كان يتخيل وجوه العائلات التي كانت ستسكن هناك، الأطفال الذين سيلعبون في حدائقها، والمصلين الذين سيؤدون صلواتهم في مساجدها.
"مستحيل،" تمتم نواف، وهو يغلق الحاسوب. "لا يمكنني أن أفعل ذلك."
كان عليه أن يواجه فهد. كان عليه أن يشرح له لماذا لا يمكنه قبول هذا العرض. لم يكن الأمر سهلاً، ففهد كان رجلًا عنيدًا، ويعتبر أي تراجعٍ عن الربح بمثابة فشلٍ ذريع.
بعد صلاة الظهر، وقبل موعده مع عائلة ليلى، قرر نواف أن يذهب إلى مقر الشركة الرئيسي. كان يعلم أن فهد موجودٌ هناك. كان يريد أن يواجهه بالأمر قبل أن يتفاقم.
عند وصوله، استقبلته الموظفات بوجهٍ واحدٍ من الابتسامات الرسمية، وهنّ يقدّرن هيبته وجاذبيته. لم يكن مجرد رجل أعمال، بل كان يعتبره الكثيرون نموذجًا للشاب السعودي العصامي، الذي جمع بين النجاح المادي والالتزام الأخلاقي.
"صباح الخير يا مهندس نواف،" قالت له مديرة مكتب فهد، "الأستاذ فهد ينتظرك في مكتبه."
"شكرًا لكِ،" قال نواف، وهو يسير في الممرات الواسعة، التي كانت مزينةً بلوحاتٍ فنيةٍ معاصرة.
وجد فهد جالسًا خلف مكتبه الكبير، يدخن سيجارًا فاخرًا، ويتصفح بعض الأوراق. كانت عيناه الحادتان تراقبان نواف بتمعنٍ شديد.
"تفضل بالجلوس يا نواف،" قال فهد، وصوته يحمل نبرةً من الاستعجال.
جلس نواف، وهو يشعر بأن قلبه يدق بقوة. "أبا سعيد، أتيت لأتحدث معك عن صفقة جدة،" قال نواف مباشرةً.
"هل اتخذت قرارك؟" سأل فهد، وهو يطفئ سيجاره في منفضةٍ فضية.
"نعم،" قال نواف، "ولم أوافق عليها."
انزعج فهد، وارتفعت حاجبه. "ماذا؟ هل تمزح يا نواف؟ هل تعرف ما الذي ترفضه؟"
"أعرف جيدًا،" قال نواف بهدوء، "لكنني لا أستطيع بيع هذا المشروع. لقد كان حلم والدي، وكان حلمي أيضًا، أن نبني في تلك المنطقة مجتمعًا إسلاميًا متكاملًا."
"هذه خزعبلات يا نواف،" قال فهد بتهكم، "أحلام الأمس لم تعد صالحةً لواقع اليوم. السوق هو الذي يحدد، وليس الأحلام."
"لكننا لسنا مجرد تجار، أبا سعيد،" قال نواف، وصوته اكتسب قوةً، "نحن مسلمون، ولدينا قيمٌ ومبادئ. لا يمكننا أن نتخلى عن كل ذلك مقابل المال."
"المال هو الذي يصنع المبادئ يا نواف،" قال فهد، وقد ارتسمت على وجهه علامات الغضب، "من يملك المال، يملك القوة، ويملك القدرة على فعل الخير. هل تريد أن تعود إلى أيام الفقر؟"
"أتذكر كلام والدي، يا أبا سعيد،" قال نواف، "كان يقول: 'الكرامة أثمن من المال'."
"والدك كان رجلًا صالحًا، ولكن ربما كان مثاليًا أكثر من اللازم،" قال فهد، وهو ينهض من مقعده، ويبدأ في التجول في المكتب، "أنا رجلٌ عملي، وأرى الأمور كما هي. هذه الصفقة ستجعلنا أقوى، وستمنحنا القدرة على فعل المزيد من الخير لاحقًا."
"المزيد من الخير؟" قال نواف بسخريةٍ مريرة، "هل تبني خيرًا على أساسٍ من الظلم؟"
"لا يوجد ظلم هنا، يا نواف،" قال فهد، وقد ازداد صوته غضبًا، "هذه صفقةٌ تجاريةٌ بحتة. الشركة الأجنبية تدفع لنا سعرًا عادلًا، ونحن نبيع. لا يوجد ما هو أعدل من ذلك."
"هذا ليس عدلًا، يا أبا سعيد،" قال نواف، وهو يشعر بأن دمه يغلي، "هذا استغلالٌ للفرصة، وتنازلٌ عن مبادئنا. والدي لن يرضى بذلك."
"والدك ليس هنا ليقرر،" قال فهد بحدة، "أنا من أدير الشركة الآن، وأنا من يتحمل المسؤولية. وأنا أقول لك، إما أن توافق، أو سأجد طريقةً لأتجاوزك."
كانت هذه الكلمات قاسية، لكنها لم تفاجئ نواف. كان يعلم أن فهد مستعدٌ للذهاب إلى أي مدىٍّ للحصول على ما يريد.
"هذا تهديدٌ يا أبا سعيد؟" سأل نواف، وهو ينظر إلى فهد مباشرةً في عينيه.
"هذا واقعٌ يا نواف،" قال فهد، وهو يعود إلى مقعده، "قرر ما تريده. إما أن تكون معي، أو ضدّي."
غادر نواف مكتب فهد، وهو يشعر بمرارةٍ شديدة. كانت المواجهة أشدّ مما توقّع. كان فهد مصممًا، وعنيدًا، ولا يرى إلا المال.
بعد ذلك، ذهب نواف إلى صالون والدته، في منزلهم الفخم في حيّ راقٍ. كانت والدته، السيدة فاطمة، امرأةً طيبة القلب، وعماد الأسرة. كانت دائمًا داعمةً له، ولم تتردد يومًا في تأييد قراراته.
"مرحباً يا أمي،" قال نواف، وهو يقبل يدها.
"يا هلا بك يا ولدي،" قالت السيدة فاطمة، وهي تنظر إليه بحنان، "ماذا بك؟ تبدو متعبًا."
"لدي بعض الأمور التي أود أن أتحدث معكِ فيها، يا أمي،" قال نواف، وهو يجلس بجانبها.
قصّ نواف على والدته كل تفاصيل صفقة جدة، وموقفه، وموقف فهد. استمعت السيدة فاطمة بصبرٍ وهدوء، وعيناها مليئتان بالاهتمام.
"أعرف أن والده كان يحلم بهذا المشروع، يا نواف،" قالت السيدة فاطمة أخيرًا، وصوتها يحمل رنين الحكمة، "لقد تحدثت معه عنه كثيرًا. كان يرى فيه فرصةً لبناء شيءٍ يبقى للأجيال، شيءٌ يعكس قيم ديننا الحنيف."
"ولكن الأستاذ فهد يرى الأمر بشكلٍ مختلف، يا أمي،" قال نواف.
"الأستاذ فهد رجلٌ طيب، ولكن أحيانًا تغريه الدنيا،" قالت السيدة فاطمة، "تذكر ما قاله والدك دومًا: 'المسؤولية ثقيلة، ولكنها ثوابٌ عظيم'. عليك أن تفعل ما يرضي ضميرك، وما يرضي الله."
"ولكن ماذا لو كان موقفي سيتسبب في خسارة للشركة، يا أمي؟" سأل نواف.
"الربح ليس كل شيء يا ولدي،" قالت السيدة فاطمة، وهي تمسك بيده، "البركة في المال تأتي من الحلال، ومن التعامل الطيب. وإذا كان قرارك فيه رضا الله، فستبارك لك في رزقك. ولا تقلق، فوالدك ترك لنا الكثير، والشركة قويةٌ بما يكفي لتجاوز أي صعوبة."
ابتسم نواف، وشعر بأن قلبه قد ارتفع. كانت كلمات والدته كبلسمٍ يشفي جراحه.
"شكرًا لكِ يا أمي،" قال نواف، "لقد طمأنتني."
بعد ذلك، تجهز نواف للقاء عائلة ليلى. لبس ثوبًا عربيًا أنيقًا، ووضع عطره المفضل. شعر بأن اللقاء مع ليلى سيكون فرصةً له لاستعادة توازنه، وللتذكير بنفسه أن هناك أشياءً في الحياة أهم بكثير من المال والصفقات.
عندما وصل إلى منزل عائلة ليلى، شعر بأنه عاد إلى زمنٍ آخر. كان المنزل يفوح منه عبق الماضي الأصيل، وأثاثه بسيطٌ ولكنه أنيق. استقبلته والدة ليلى، السيدة عائشة، بابتسامةٍ دافئة، وحفاوةٍ بالغة.
"أهلًا بك يا نواف،" قالت السيدة عائشة، وهي تحتضنه، "لقد طال الغياب."
"وشكرًا لكِ على الاستقبال، يا خالتي،" قال نواف، وهو يشعر براحةٍ غريبة.
بعد فترةٍ قصيرة، ظهرت ليلى. كانت كما يتذكرها، وجهها يشرق بجمالٍ طبيعي، وعيناها تحملان براءةً ونقاءً. كانت ترتدي حجابًا أنيقًا، وعباءةً بسيطة.
"أهلاً بك يا نواف،" قالت ليلى، وصوتها يحمل نبرةً من السعادة، "لقد اشتقنا لك."
"وأنا أيضًا يا ليلى،" قال نواف، وهو يشعر بأن قلبه قد خفّ وزنه.
جلسا في غرفةٍ واسعة، تتوسطها وسائدٌ عربيةٌ فاخرة، ويجلسون حول طاولةٍ صغيرةٍ عليها بعض الحلويات والقهوة. تحدثوا لساعات، عن ذكريات الطفولة، وعن حياتهم الحالية، وعن أحلامهم.
كانت ليلى تتمتع بشخصيةٍ قوية، وروحٍ متفائلة، ورؤيةٍ عميقةٍ للحياة. كانت تحكي له عن عملها التطوعي في مساعدة الأيتام، وعن شغفها بتعليم الأطفال.
"عالم الأعمال يبدو مرهقًا جدًا، يا نواف،" قالت ليلى، "هل تجد فيه ما يسعدك؟"
"أحاول، يا ليلى،" قال نواف، "ولكن أحيانًا أشعر بأنني بعيدٌ عن نفسي."
"ربما تحتاج إلى أن تتذكر ما هو مهم حقًا،" قالت ليلى بابتسامةٍ لطيفة، "السعادة لا تقاس بالمال، بل بالراحة النفسية، ورضا الله، وحب الناس."
كانت كلماتها كأنها صدى لكلام والدته. شعر نواف بأن هذه الليلة، هي البداية الحقيقية لطريقه. لقاءٌ في واحة الهدوء، أعاد له توازنه، وألهمه القوة ليواجه العاصفة القادمة.