حياة مرحة الجزء الثاني

همس الألف درهم

بقلم وليد المرح

كان الليل قد أرخى سدوله على مدينة الرياض، حاكياً قصصاً من الكد والكدح، ومن الترف والسهر. وفي إحدى الشقق المتواضعة في حي قديم، كان شبح القلق يلوح فوق رأس أحمد، الشاب الثلاثيني الذي بدت على وجهه آثار السهر والتفكير العميق. لم يكن القلق مجرد شعور عابر، بل كان ضيفاً ثقيلاً أقام في صدره منذ شهور، ينهش روحه ويشتت تفكيره.

كان أحمد يعمل محاسباً في إحدى الشركات المتوسطة، راتبه يكفي لسد الحاجات الأساسية، ولكنه لم يكن كافياً لتلبية نزواته المتزايدة، تلك النزوات التي بدأت كجرعة خفيفة من الترف، ثم تحولت إلى إدمان سري، يقض مضجعه. لم يكن الإدمان للمخدرات أو المسكرات، بل لشيء أشد فتكاً، إنه إدمان المقامرة.

بدأ الأمر ببضع رهانات بسيطة على مباريات كرة القدم، ثم تطور الأمر إلى ألعاب قمار إلكترونية، يجد فيها متعة زائفة، وتشويقاً مصطنعاً. كان كل انتصار، ولو كان صغيراً، يشعره بقوة وهمية، وبأن العالم في متناول يديه. وكل خسارة، كانت تدفعه إلى محاولة استرداد ما فات، في دوامة لا تنتهي.

في تلك الليلة، كان أحمد قد خسر مبلغاً كبيراً، أكثر مما يستطيع أن يجنيه في شهر كامل. كانت الأرقام تتراقص أمام عينيه، أرقام الأرباح والخسائر، أرقام الديون المتزايدة. كانت زوجته، سارة، نائمة بجواره، لا تدري شيئاً عن هذا الصراع الداخلي الذي يمزق رجلاً تحبه. كانت سارة، بكل ما تحمله من براءة وعفاف، تمثل ملاذه، ولكنها أيضاً كانت تذكره بحجم خداعه.

كانت تشتكي أحياناً من ضيق الحال، ومن عدم قدرته على توفير بعض الكماليات التي تراها صديقاتها. وفي كل مرة، كان أحمد يشعر بخزي عميق، ولكنه كان يجد في المقامرة حلاً سريعاً، حلاً يغلفه بالوهم. كان يعد نفسه دوماً بأنها المرة الأخيرة، وأن الربح القادم سيغطي كل الخسائر، وسيسمح له بشراء ما تريده سارة، بل وحتى مفاجأتها بهدية فاخرة.

كانت هذه الأفكار تتصارع في رأسه، كأمواج عاتية تصطدم بصخرة. لم يعد يحتمل هذا العبء. رفع يده ليلامس وجهه، شعر بلحية خفيفة نمت على ذقنه، علامة أخرى على إهماله لنفسه. مد بصره نحو نافذة الغرفة، رأى أضواء المدينة البعيدة، أضواء تبدو بعيدة جداً عن عالمه المظلم.

تذكر والده، الرجل الصالح الذي رباه على الصدق والأمانة. كان والده يقول له دائماً: "يا بني، المال الحلال مبارك، ولو كان قليلاً. والحرام، ولو كان كثيراً، فهو وبال على صاحبه." كم كانت كلمات والده تتردد في أذنيه الآن، وكأنها صرخات تحذير.

نهض من السرير بهدوء، حتى لا يزعج سارة. توجه نحو مكتبه الصغير في زاوية غرفة المعيشة. فتح الدرج، ووضع يده فيه، ثم انتزع علبة سجائر صغيرة، وقداحة. أشعل سيجارة، وأخذ نفساً عميقاً، شعرت رئتاه بالحرقان، ولكنه كان حرقاناً مألوفاً، أرحم من حرقان روحه.

جلس على الكرسي، ونظر إلى شاشة حاسوبه المحمول. كانت الصفحة الرئيسية لموقع قمار لا يزال مفتوحاً. تردد للحظة، يده ترتجف. كان يعرف أن هذا الطريق لا يؤدي إلا إلى الدمار. ولكن، كان هناك صوت داخلي ضعيف، يهمس له: "ربما… ربما الآن. ربما الحظ معك الليلة."

كانت هذه المعركة مستمرة في داخله لشهور. كان يشعر بأنه فقد السيطرة على حياته، وأنه أصبح عبداً لهذه العادة اللعينة. كان يتجنب مواجهة سارة، يتجنب الحديث عن المال، يتجنب النظر في عينها مباشرة. كان يعلم أن عينها تستطيع أن ترى ما يخفيه.

كانت له أخت صغرى، زينب، طالبة جامعية. كانت دائماً تطلب منه مساعدتها في مصاريف دراستها. كان يشعر بالذنب لأنه لم يستطع تقديم الأفضل لها. كان يتخيل كيف يمكن لمبلغ صغير من المال المكتسب من المقامرة أن يغير حياتهما، أن يجعل سارة سعيدة، وأن يساعد زينب. كان هذا هو الوهم الكبير الذي يطارده.

في إحدى المرات، كاد أن يُكتشف أمره. كانت سارة تبحث عن وثيقة مهمة في أدراج مكتبه، ووقعت يدها على فاتورة سحب كبيرة من أحد مكاتب المراهنات. تنبهت سارة، وسألته بلهجة بريئة: "ما هذا يا أحمد؟ هل تراهن على المباريات؟" اعتذر لها، وادعى أنها كانت مجرد تجربة عابرة، وأنها لم تتكرر. ولكن، داخله، كان يعرف أن كذبته كانت كبيرة، وأن سارة صدقته بحسن نيتها.

كانت لحظات الضعف تلك هي التي تغذّي إدمانه. كان يبحث عن الأعذار، عن المبررات، عن أي شيء يجعله يشعر بأن ما يفعله ليس خطأً فادحاً. كان يعتقد أنه يستطيع التوقف في أي وقت، ولكنه كان يجد نفسه دائماً يعود إلى نفس النقطة.

فجأة، سمع صوتاً ناعماً من غرفة النوم: "أحمد؟ هل أنت مستيقظ؟" تجمد أحمد في مكانه. كانت سارة. "نعم يا حبيبتي، أنا مستيقظ. لم أستطع النوم." أجاب بصوت حاول أن يجعله هادئاً. "هل كل شيء على ما يرام؟" سألت، وبدأ صوتها ينم عن قلق. "لا تقلقي، كل شيء بخير. مجرد تفكير في العمل." "هل تريد كوباً من الماء؟" "لا، شكراً. عودي إلى النوم يا عزيزتي."

بعد لحظات، عاد الهدوء إلى الشقة. ولكن، الهدوء الظاهري كان يخفي عاصفة. نظر أحمد مرة أخرى إلى شاشة الحاسوب. رفع يده، متردداً. أصابعه ارتجفت فوق لوحة المفاتيح. كانت المسافة بينه وبين القرار الفاصل، قرار الاستسلام، قصيرة جداً.

كانت تلك الألف درهم، وثم ألف أخرى، تتسلل إلى حياته، تخربها، وتسرق منه سعادته، وسعادة من يحب. كان شبح المقامرة قد أحكم قبضته حول عنقه، وكان على وشك أن يختنق. هل سيستطيع أن يجد القوة لينتشل نفسه من هذا المستنقع قبل فوات الأوان؟ أم أن هذا الليل، الذي شهد صراعه، سيشهد نهايته؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%