حياة مرحة الجزء الثاني
وجهان لعملة واحدة
بقلم وليد المرح
في صباح اليوم التالي، استيقظت سارة على رائحة القهوة الطازجة. كانت تلك عادة أحمد الجميلة، أن يعد القهوة صباحاً، حتى في أيام عطلته. ابتسمت وهي تتجهز للخروج من غرفة النوم. عندما دخلت إلى المطبخ، وجدت أحمد واقفاً عند الموقد، يعد القهوة. بدا هادئاً، وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيه.
"صباح الخير يا حبيبي." قالت بصوت ناعم. "صباح النور يا عمري." أجاب، واستدار ليقبل جبينها. كان قبلة دافئة، ولكنها لم تخفِ عن سارة نظرة قلق خاطفة في عينيه. كانت سارة تعرف زوجها جيداً، كانت تلاحظ التغييرات الطفيفة في سلوكه، في نبرة صوته، في تعابير وجهه.
"هل نمت جيداً؟" سألت، وهي تضع يدها على ذراعه. "نعم، الحمد لله. لماذا تسألين؟" "لا شيء، فقط… رأيتك مستيقظاً في وقت متأخر بالأمس." "كنت أفكر في بعض الأمور المتعلقة بالعمل." قال، وحاول أن يظهر بأنه متفائل.
جلسا لتناول الفطور. كانت سارة تتحدث عن خططها لزيارة والديها في نهاية الأسبوع، وعن ضرورة شراء بعض المستلزمات للمنزل. كان أحمد يستمع، ولكنه كان شارد الذهن. أفكاره كانت لا تزال تدور حول ما حدث بالأمس، حول ذلك القرار الذي لم يتخذه بعد.
كانت سارة، بخلاف أحمد، تعيش حياة بسيطة، راضية بما قسم الله لها. كانت تحلم بحياة هادئة، مليئة بالحب والألفة، وبأطفال يملأون البيت فرحاً. كانت ترى في أحمد الرجل الذي سيحقق لها هذا الحلم. كانت تعتمد عليه، وتثق به ثقة عمياء.
بعد أن انتهيا من الفطور، خرج أحمد متوجهاً إلى عمله. بينما كان يقود سيارته، استمع إلى إذاعة القرآن الكريم. كان يجد فيها راحة نفسية، وسكينة تغمر روحه. ولكنه كان يعلم أن هذه الراحة مؤقتة، وأن العودة إلى الواقع ستكون أشد قسوة.
في المكتب، كان زملاؤه يتبادلون الأحاديث حول آخر أخبار الرياضة، وعن مباراة الليلة. كان أحمد يبتسم، ويشاركهم الحديث، ولكنه كان يشعر بالانفصال عنهم. كان عالمه مختلفاً، عالم مليء بالصراعات والضغوط.
في فترة استراحة الغداء، التقى بصديقه القديم، خالد. كان خالد رجلاً متديناً، يحافظ على صلاته، ويسعى لمرضاة الله. كان أحمد يحب مجالسته، ولكنه كان يتجنب الحديث عن مشاكله الشخصية.
"كيف حالك يا أحمد؟" سأل خالد، وهو يتناول قطعة من الخبز. "الحمد لله، بخير. وأنت؟" "بخير، بفضل الله. رأيتك تبدو متعباً في الأيام الأخيرة." "مجرد ضغوط العمل." أجاب أحمد. "الله يعينك. ولكن، تذكر يا صديقي، أن الصحة أغلى من كل كنوز الدنيا. لا تدع العمل يسرق منك راحتك."
نظر أحمد إلى خالد، ورأى فيه نموذجاً للشخص الذي يتمنى أن يكون عليه. رجل لديه مبادئ، ورجل يعرف معنى السعادة الحقيقية. كان يتمنى لو يستطيع أن يشاركه سره، أن يطلب منه النصيحة، ولكن الخوف من الحكم، والخوف من نظرة الشفقة، كانا يمنعانه.
بعد نهاية دوام العمل، عاد أحمد إلى شقته. كانت سارة قد جهزت له غداءً شهياً. جلسا لتناول الطعام، وكانت سارة تتحدث عن زيارتها لمعرض كتاب جديد، وعن الكتب التي أعجبتها. كان أحمد يسمع، ولكنه كان يفكر في عرض قدمه له أحد معارفه، عرض مغرٍ، ولكنه كان مرتبطاً بأموال سريعة، وأموال تتطلب "بعض المخاطرة".
كان العرض عبارة عن استثمار في مشروع تجاري صغير، ولكنه كان يتطلب رأسمال كبير، رأسمال لم يكن لدى أحمد. كان يفكر في "المبلغ" الذي يمكنه الحصول عليه من المقامرة، مبلغ قد يفتح له باب هذا المشروع. كان هذا تفكيراً خطيراً، ولكنه كان يسحر عقله.
"أحمد، هل تسمعني؟" قالت سارة، وكأنها أيقظته من غيبوبة. "آه، نعم يا حبيبتي. كنت أفكر قليلاً." "ماذا تفكر فيه؟ تبدو شارد الذهن منذ الصباح." "لا شيء مهم. مجرد… صفقة عمل محتملة." "هل هي مربحة؟" سألت بعينيها اللامعتين، وكأنها تتخيل الكماليات التي يمكن أن يحققها هذا الربح. "نأمل ذلك. ولكن، تحتاج إلى بعض رأس المال." "وهل تملكه؟" "ليس الآن. ولكن، ربما… ربما أجد حلاً."
نظرت سارة إلى أحمد بابتسامة، ولكن أحمد شعر بثقل كلمات سارة. كانت تتمنى له النجاح، كانت تتمنى تحقيق أحلامهما. وكان هو، في المقابل، يسعى لتحقيق هذه الأحلام بطرق ملتوية، طرق قد تدمرها.
في تلك الليلة، لم يستطع أحمد النوم مجدداً. كانت أفكاره تتصارع. هل يستمر في هذه اللعبة الخطرة؟ هل يراهن بما تبقى لديه من مال، ليحاول استرداد ما فقده، وليحظى بالفرصة التي تنتظره؟ أم أنه سيستسلم لضعفه، ويواجه الحقيقة المرة؟
كانت تلك اللحظة الفارقة. كان على مفترق طرق. يمين يؤدي إلى الخطر المجهول، ويسار يؤدي إلى المواجهة مع الذات، ومع الواقع. كان وجهان لعملة واحدة، وجه يمثل الأمل الزائف، ووجه يمثل الحقيقة القاسية. وأحمد، كان يرتجف بينهما، يبحث عن مخرج، عن خلاص.