يوم مضحك الجزء الثالث
معركة المحامي وجراح الماضي
بقلم سعيد الضحكة
في اليوم التالي، وبعد صلاة الظهر، كان مكتب المحامي القدير، الأستاذ يحيى، يعج بالحركة. الأستاذ يحيى، رجل في أواخر الخمسينات من عمره، معروف بنزاهته وذكائه الحاد، كان يشرف على قضية الحاج مصطفى شخصياً.
"يا حاج مصطفى،" قال الأستاذ يحيى وهو يقلب أوراقاً أمامه، "قضية سليمان هذه معقدة بعض الشيء. استغل ثغرات قانونية دقيقة، وحاول أن يضعك في موقف ضعيف. لكن لا تقلق، لدينا دفاع قوي. سنعتمد على شهود، وعلى مستندات تثبت براءة ساحتك."
كان الحاج مصطفى جالساً أمامه، يبدو عليه الإرهاق. "حسناً يا أستاذ يحيى. أنا أثق بك. فقط أريد أن تنتهي هذه المحنة بسرعة، وأن يعود السلام إلى بيتي."
"سنفعل كل ما في وسعنا. بالمناسبة، هل تحدثت مع المهندس عبد الرحمن؟"
"نعم، تحدثنا. وهو مستعد للمساعدة. أعتقد أن لديه بعض المعلومات التي قد تكون مفيدة لنا."
"هذا خبر جيد. فكل يد مساعدة الآن هي كنز. سليمان هذا، يبدو أنه لا يعرف الحدود. لقد سمعت عن بعض أساليبه في الماضي. يجب أن نكون حذرين."
في هذه الأثناء، كان المهندس عبد الرحمن قد التقى ببعض معارفه في عالم التجارة، وقد حصل على معلومات مقلقة عن سليمان. اتضح أن سليمان له تاريخ طويل من النصب والاحتيال، وأنه يستخدم أساليب ملتوية لتوريط الآخرين. كان يفضل أن يتعامل مع قضايا لا يمكن إثباتها بسهولة، ويستغل طيبة الناس أو ضعفهم.
عاد عبد الرحمن إلى منزله، وأجرى اتصالاً بسلمى. "سلمى، لقد تحدثت مع بعض الأشخاص. هناك معلومات خطيرة عن سليمان. يبدو أنه يحاول أن يستغل وضع والدك بطريقة بشعة."
"ماذا تقصد؟" سألت سلمى بقلق.
"يقصد أنه ليس مجرد خلاف تجاري عادي. إنه يهدف إلى إيقاع والدك في شر أعماله. لقد سمعت أن سليمان كان متورطاً في صفقة مشبوهة قبل سنوات، وكان والدك شاهداً عليها، أو ربما حاول أن يمنعه من إتمامها. ويبدو أن سليمان استغل هذا ليخلق قصة تلفيقية."
"لا أصدق! أبي لم يخبرني بذلك." قالت سلمى، وهي تشعر بالصدمة.
"لم يكن يريد أن يقلقكم. لكن الآن، نحن بحاجة إلى إثبات هذه الحقيقة. هل لديكِ أي أوراق قديمة، أي شيء يتعلق بتلك الصفقة؟"
"سأبحث. أبي يحتفظ بكل شيء. سأرى إن كان هناك ما يمكن أن يساعد."
في تلك الليلة، بحثت سلمى في أرشيف والديها. بين الأوراق القديمة، وجدت ملفاً قديماً كتب عليه "سليمان - عام كذا". فتحته، فوجدت فيه رسائل وصوراً قديمة. كانت هناك صور لوالدها وهو شاب، برفقة أشخاص آخرين. ومن بين هؤلاء الأشخاص، رأيت صورة لسليمان وهو يبدو أصغر سناً. كانت هناك أيضاً بعض الرسائل المكتوبة بخط يد سليمان، يحث فيها والدها على المشاركة في صفقة تبدو مشبوهة، ويرفض فيها والدي بشكل قاطع.
"يا إلهي!" قالت سلمى لنفسها، وهي تشعر بالارتعاش. "لقد كان حقاً يحاول إقناع أبي منذ زمن بعيد."
أرغمت نفسها على التركيز. وجدت أيضاً مسودة لعقد، تحمل اسم والدها، لكنها كانت ممزقة في بعض الأماكن. يبدو أن والدها رفض إتمام العقد.
اتصلت سلمى بوالدها. "أبي، وجدت شيئاً قد يكون مهماً."
بعد أن استمع الحاج مصطفى إلى وصف سلمى، شعر بتيار من الذكريات يتدفق في ذهنه. "نعم يا ابنتي، أتذكر هذه الصفقة. كانت صفقة مشبوهة، تتعلق بالاتجار في بعض المواد المحظورة. حاولت أن أمنع سليمان من إتمامها، لكنه لم يستمع. وربما حاول أن يوقعني في ورطة لكي لا أبلغ السلطات."
"إذن، هذه هي جراح الماضي التي تحدثت عنها؟"
"نعم. لقد حاولت أن أنسى الأمر، وأن أبتعد عن طريقه. لكن يبدو أن سليمان لم ينسَ أبداً."
"سأعطيك كل هذا يا أبي. ربما يساعدنا الأستاذ يحيى في استخدامه كدليل."
"بارك الله فيك يا ابنتي. أنتِ حقاً سند لي."
في مكان آخر، كان يوسف قد واصل بحثه في الكتب العلمية. كان يحلم بابتكار طريقة جديدة لتنقية المياه، أو لتحسين الزراعة. لكن في هذه الأيام، كان عقله مشغولاً بالبحث عن حل عملي لأزمة عائلته. بدأ يدرس خصائص بعض المعادن، وكيف يمكن استخدامها في الصناعات الصغيرة. كان يأمل أن يجد فكرة يمكن أن تتحول إلى مشروع صغير، يدر دخلاً إضافياً.
"إذا لم أستطع أن أكسب المال من العلم الآن،" قال لنفسه، "فلن أستطيع أن أكسبه أبداً."
كانت المعركة القانونية قد بدأت، ولم تكن سهلة. كانت تتطلب صبرًا، ودراية، واستعدادًا للتضحية. لكن عائلة الحاج مصطفى كانت تقف متحدة، متسلحة بالإيمان، وبالحب، وبالرغبة في الدفاع عن الحق.
أما المهندس عبد الرحمن، فقد شعر بارتياح كبير عندما رأى سلمى تتخذ موقفاً قوياً. كانت شجاعتها وإصرارها مصدر إلهام له. بدأ يشعر بأن قلبه يتجه نحوها أكثر، وبأن رغبته في الارتباط بها أصبحت أقوى. لكنه كان لا يزال يواجه بعض الصعوبات في حل مشاكله الشخصية، وكان يخشى أن تؤثر هذه المشاكل على علاقته بسلمى.
"سأفعل كل ما في وسعي لحماية هذه العائلة،" قال لنفسه. "لن أدع سليمان يفسد حياة هذه الفتاة الطيبة، ولن أدع جراح الماضي تمنعني من بناء مستقبل جديد."
كانت الأيام تمر، وكل يوم يحمل معه تحديات جديدة. لكن في كل مرة، كانت عائلة الحاج مصطفى تجد القوة في تماسكها، وفي إيمانها بأن الحق سينتصر في النهاية.