يوم مضحك الجزء الثالث
مفاجأة لم يتوقعها عمار
بقلم سعيد الضحكة
اشتعلت الأجواء في قصر آل الحاج حسن في الليلة التي سبقت حفل خطبة عمار وفاطمة. لم يكن الأمر مجرد تجهيزات عادية، بل كان أشبه بخلية نحل نشطة، الكل فيها يتحرك بخطى سريعة وهمة عالية. لكن وسط هذه الحركة الدؤوبة، كان هناك اضطراب خفي ينمو في صدر عمار. لقد شعر بمسؤولية ثقيلة، مسؤولية لم يكن يتوقعها بهذه الحدة. لطالما كان يرى زواجه من فاطمة مشروعًا هادئًا، خطوة طبيعية في حياته، تكمل قصة حبهما التي بدأت تحت سماء المدينة القديمة، وتغذت بنظرات الشوق وكلمات الود المتبادلة في أروقة الجامعة. لكن الآن، وفي هذا المنعطف الحاسم، بدأت الأمور تأخذ منحى أعمق، وأكثر تعقيدًا.
"يا عمار، هل أنت هنا؟" صوت والده، الحاج أحمد، اخترق هدوء غرفته. استدار عمار ليجد والده واقفًا عند الباب، يحمل في يده صينية فضية عليها كوب من الشاي ورشفة من ماء الورد. ابتسامة دافئة ارتسمت على وجه الأب، محاولًا إظهار الهدوء الذي لا يعكس بالضرورة ما يشعر به. "تفضل يا بني، لا ترهق نفسك بالتفكير." قال الحاج أحمد وهو يضع الصينية على طاولة بجوار السرير. جلس عمار مقابل والده، وساد صمت مريح لفترة، صمت تفوح منه ألفة السنين، وتتخلله أحاديث غير منطوقة. "أعلم أنك تشعر ببعض التوتر، يا بني. هذا أمر طبيعي." بدأ الحاج أحمد حديثه بصوت خفيض. "الخطبة ليست مجرد ربط أسماء، بل هي ربط روحين، وعائلتين. هي بداية مرحلة جديدة تتطلب حكمة وصبرًا." "والله يا أبي، لا أعلم ما الذي يقلقني تحديدًا." أجاب عمار بصوت خافت، "فاطمة هي كل ما تمنيت، وقلبي مطمئن لوجودها. لكن ربما هي مسؤولية تأسيس بيت، وتربية أبناء، وشراكة حياة كاملة. أشعر أنني ما زلت صغيرًا على تحمل كل هذا."
ضحك الحاج أحمد بخفة، ثم وضع يده على كتف عمار. "يا بني، كلنا شعرنا بهذا الشعور في يوم من الأيام. ولكن الحب، والمسؤولية، والنضج، يأتون معًا. ستتعلم، وستكبر، وستجد في فاطمة خير معين وخير سند. هي فتاة ذكية، ورزينة، وصاحبة قلب كبير. ستكونان فريقًا رائعًا." "أتمنى ذلك يا أبي." قال عمار، مستشعرًا دفء يد والده على كتفه. "لقد أعددنا لها هدية خاصة، يا عمار." استأنف الحاج أحمد بابتسامة غامضة. "شيء سيسعدها جدًا، وسيُظهر لها مدى تقديرنا لها ولعائلتها." "ما هي يا أبي؟" سأل عمار بفضول. "سر! ستعرفين قريبًا. المهم أن تكون أنت مستعدًا. الليلة هي ليلة الأهل، والغد هو ليلتكما. استمتع بهذه اللحظات، فالحياة تمضي سريعًا." نهض الحاج أحمد، وصفع عمار على ظهره بخفة. "أنا فخور بك يا بني. ووالدتك كذلك. ادعُ الله أن يوفقكما."
خرج الحاج أحمد، تاركًا عمار يفكر في كلماته. كانت هناك كلمات لم تُقال، وتلميحات فهمها عمار جزءًا منها. أدرك أن الأمر ليس مجرد حفلة وخطبة، بل هو بناء مستقبل. وفاطمة، هذه الفتاة التي أحبها من أول نظرة، أصبحت الآن محور حياته، وشريكته المنتظرة. في تلك الليلة، وبينما كانت الأضواء تتلألأ في أرجاء القصر، وجد عمار نفسه في حديقة القصر الخلفية، تحت السماء المرصعة بالنجوم. استنشق عبير الياسمين المتصاعد من الشجيرات، وشعر ببرودة لطيفة تلامس وجهه. لقد حان وقت مواجهة مشاعره، وقت التأكد من أن قلبه مستعد تمامًا لهذه الخطوة. "عمار؟" صوت ناعم خرق الصمت. استدار عمار ليجد فاطمة تقف بالقرب منه، ترتدي ملابس منزلية بسيطة، وشعرها منسدل على كتفيها. كانت تحمل في يدها كوبًا آخر من الشاي. "كنت أتوقع أن أجدك هنا." قالت فاطمة بابتسامة هادئة. "قلت لنفسي، عمار في هذه اللحظة، لا بد أنه يتأمل." ابتسم عمار. "لم أكن أتأمل فحسب، بل كنت أحاول استيعاب كل شيء. غدًا، كل شيء سيتغير." اقتربت فاطمة وجلست بجواره على المقعد الحجري. "وهل هذا التغيير يخيفك؟" "لا، ليس خوفًا بقدر ما هو شعور بالمسؤولية. مسؤولية بناء بيت، وشراكة حقيقية. مسؤولية عنك، وعن عائلتنا المستقبلية." "أنا معك، عمار." قالت فاطمة بصدق، وشعرت عمار بصدق كلماتها. "لن أكون وحدي. وسنكون معًا. هذا ما تعلمناه من والدينا، وهذا ما سنبنيه لأنفسنا." "ولكن هل أنتِ مستعدة؟" سأل عمار، نظراته تتشابك مع نظراتها. "هل أنتِ مستعدة لأن تكوني زوجة، وأمًا، وسيدة بيت؟" "أنا مستعدة لأن أكون فاطمة، زوجتك، وعشيقك، وصديقتك. مستعدة لأن أشاركك أفراحك وأحزانك، وأن أعمل معك يدًا بيد لبناء حياة سعيدة. هذا يكفيني." مد عمار يده ولامس يدها برفق. شعرت فاطمة ببرودة يده، ثم بدفء يعم جسدها. "ولكن هناك شيء آخر، يا فاطمة." قال عمار بصوت منخفض، تحول فجأة إلى جدية لم تعهدها فاطمة فيه. "شيء اكتشفته اليوم، شيء قد يغير كل شيء." رفعت فاطمة رأسها، وفي عينيها نظرة استغراب. "ما هو؟" "لقد جاءني اليوم رجل، لم أكن أعرفه من قبل. رجل جاء ليخبرني بحقيقة ما، حقيقة صادمة جدًا." بدأ عمار، ونبرة صوته تحمل ثقلًا لم يسبق له مثيل. "لقد أخبرني أن... أن والدي لم يكن والدي الوحيد. بل أن هناك... قصة أخرى، قصة لم أكن أعلم بها شيئًا." اتسعت عينا فاطمة، وشعرت ببرودة تسري في عروقها. "ماذا تقول يا عمار؟" "يقول هذا الرجل، إن والدي... قد يكون له ابن آخر. ابن آخر غيري، من زواج آخر. وأن هذا الابن... قد يكون موجودًا هنا، في المدينة." صمتت فاطمة، ولم تعد الكلمات تجد طريقها إلى فمها. نظرت إلى عمار، ورأت في عينيه صدمة لم تعرف كيف تفسرها. كان عمار، الذي لطالما كان مصدر قوتها، يبدو الآن هشًا، متأثرًا، وكأنه يحمل عبئًا لم يكن يتوقعه. "وهذا الرجل... هل هو صادق؟" سألت فاطمة بصوت مرتعش. "لا أدري." أجاب عمار. "لكنه قدم لي بعض الأدلة، أدلة جعلتني أشك في كل ما عرفته عن حياتي. أعتقد... أعتقد أن علينا تأجيل كل شيء. حتى نفهم هذه الحقيقة." كانت تلك الكلمات بمثابة الصاعقة لفاطمة. تأجيل؟ بعد كل هذه الاستعدادات، وبعد كل هذه الآمال؟ نظرت إلى عمار، وشعرت بأن عالمهما المترابط قد بدأ يتفكك. وبينما كانت الشمس على وشك الشروق، لم يكن عمار وفاطمة يعرفان ما الذي سيحمله لهم اليوم التالي، ولا ما إذا كانت هذه الصدمة ستكون نقطة تحول في حياتهما، أم نهاية لكل شيء.