يوم مضحك الجزء الثالث

لقاء مع ظل الماضي

بقلم سعيد الضحكة

اشتدت وطأة القلق على عمار مع كل دقيقة تمر. لقد أصبحت الخطبة مجرد واجهة هشة تخفي تحته جبلًا من الشكوك والأسئلة. كان لقاؤه مع أبو طارق في ذلك اليوم هو النقطة الفاصلة، اللحظة التي سيتأكد فيها من صحة ادعاءات هذا الرجل، ومن مدى عمق هذه الحقيقة التي بدأت تلوح في الأفق. اختار عمار مكانًا هادئًا، بعيدًا عن صخب التحضيرات، بعيدًا عن أعين المتطفلين. كان مقهى شعبي في أحد أحياء دمشق القديمة، تفوح منه رائحة القهوة العربية والياسمين. جلس عمار على أحد الطاولات الخارجية، وقلبه يدق بعنف. رأى أبو طارق يقترب، رجل في منتصف العمر، يبدو عليه التعب، ولكن في عينيه بريقًا من الذكاء والدهاء. "مرحباً بك يا سيدي." قال أبو طارق بصوت خفيض، وجلس مقابل عمار. "لقد أتيت." "لم يكن لدي خيار آخر." أجاب عمار بحدة. "لقد جئت لأعرف الحقيقة. من أنت؟ وما علاقتك بوالدي؟ ولماذا الآن؟" "هدئ من روعك يا سيدي." قال أبو طارق، واحتسى رشفة من القهوة. "أنا مجرد شاهد على ماضي، وأنا هنا لأروي لك قصة، قصة قد تغير حياتك." بدأ أبو طارق بسرد قصته. "لقد عرفت والدك، الحاج عبد الرحمن، قبل سنوات طويلة. كنا نعمل معًا في تجارة الأخشاب. كان رجلًا كريمًا، ولكنه كان يحمل سرًا كبيرًا. لقد كان متزوجًا من امرأة أخرى، في مدينة أخرى. امرأة اسمها ليلى. كانت من عائلة كريمة، وقد تزوجها سرًا." شعر عمار ببرودة تسري في جسده. "متزوجًا؟ من امرأة أخرى؟" "نعم. وقد أنجبت له ابنًا. اسمه خالد. كان خالد يعيش مع والدته، بعيدًا عن الأضواء. لم يكن والدك يرغب في كشف أمره، خوفًا على سمعة عائلته، وخوفًا من رد فعل والدته، المرحومة الحاجة عائشة." "ولماذا الآن؟" سأل عمار مرة أخرى، وصوته يكاد يكون همسًا. "لقد علمت أن الحاج عبد الرحمن قد توفي. وعلمت أنك على وشك الزواج. أردت أن تعرف هذه الحقيقة قبل أن تخطو هذه الخطوة المهمة. فالحقيقة، مهما كانت مؤلمة، فهي أفضل من العيش في وهم." "ولكن، أين هذا الابن؟ أين خالد؟" "لقد فقدنا الاتصال به منذ سنوات. والدته توفيت، ولم يكن له أحد غير والده. كان والده يرسل له المال، ولكنه لم يكن يراه كثيرًا. لا أعرف أين هو الآن. ولكن، ربما، ربما يمكننا البحث عنه." شعر عمار بأن العالم ينهار من حوله. لم يكن مستعدًا لهذا. لقد كانت خطبته من فاطمة هي كل ما يشغل باله. والآن، هذه الحقيقة الجديدة، هذا الشقيق المفترض، كل هذا بدا وكأنه يلقي بظلاله على سعادته. "وماذا عن هذه الأدلة؟" سأل عمار، مشيرًا إلى الأوراق التي أحضرها أبو طارق. "هذه صور لوالده مع والدته، وبعض الوثائق الرسمية للزواج، وشهادات ميلاد. كلها تثبت صحة كلامي." فحص عمار الأوراق مرة أخرى. كانت الصور حقيقية، والوثائق تبدو سليمة. وشعر بصدق في حديث أبو طارق. "إذا كان كل هذا صحيحًا، فماذا علي أن أفعل؟" سأل عمار، وشعر باليأس. "عليك أن تواجه هذه الحقيقة، يا سيدي. وأن تبحث عن أخيك. ربما، ربما يغير هذا كل شيء. وربما، لا. ربما يكون والدك قد أخذ قرارًا بعدم الكشف عن هذه الحقيقة لأسباب خاصة به." "ولكن، ما رأيك في فاطمة؟ هل يجب أن أخبرها؟" "أعتقد أنه يجب عليك أن تخبرها، يا سيدي. هي شريكتك المستقبلية. ولن تستطيع أن تبدأ حياة جديدة وأنت تحمل هذا السر. ولكن، اختر الوقت المناسب، والطريقة المناسبة. لا تجعل الخبر مفاجأة قاسية." خرج عمار من المقهى، وهو يشعر بثقل لا يوصف. لقد تأكدت شكوكه. لم يكن الأمر مجرد تخيلات. كانت الحقيقة مؤلمة، ومربكة. عاد إلى القصر، فوجد الأجواء لا تزال تعج بالاستعدادات. لم يستطع أن يتحدث مع أحد. كان قلبه يخفق بكلمات أبو طارق. في المساء، وبعد أن هدأت ضجة التحضيرات، وجد عمار نفسه واقفًا أمام باب غرفة فاطمة. ترددت يداه قبل أن يطرق الباب. "تفضل." سمع صوت فاطمة، ودخل. وجدها جالسة على الأريكة، تتصفح مجلة، وعلى وجهها ابتسامة بسيطة. عندما رأته، ارتسمت ابتسامة أوسع. "يا عمار، لقد أثلجت صدري بقدومك." "فاطمة..." بدأ عمار، وشعر بأن حلقه جاف. "علينا أن نتحدث." "ما الأمر؟ هل هناك مشكلة؟" سألت فاطمة، وشعرت بأن شيئًا ما ليس على ما يرام. "نعم، هناك مشكلة. مشكلة كبيرة." جلس عمار بجوارها، وأخذ نفساً عميقاً. ثم، روى لها كل شيء. روى لها عن لقائه بأبو طارق، وعن ادعاءاته، وعن الأدلة. عندما انتهى، نظرت فاطمة إليه بعينين مليئتين بالصدمة. "هل هذا حقًا؟ هل والداك... كان لديه زواج آخر؟ وأخ آخر؟" "يبدو الأمر كذلك." أجاب عمار بمرارة. "وما العمل الآن؟" سألت فاطمة، وكان صوتها يرتعش. "لا أعلم." قال عمار. "أنا ضائع. أشعر أنني أحلم، وأخشى أن أستيقظ على حقيقة مؤلمة." "ولكن، يا عمار، هذا قدر. لا تدع هذه الحقيقة تدمرك. أنت لست مسؤولًا عن أفعال والدك. أنت مسؤول عن نفسك، وعن مستقبلك." "ولكن، كيف سأخبر والديّ؟ كيف سأخبر عائلتي؟" "سنتحدث معهما معًا. سنتحدث مع والديّ. سنواجه هذا الأمر كفريق واحد. لا تقلق، يا عمار. أنا معك." نظرت فاطمة إلى عمار، ورأت في عينيها إصرارًا لم تكن تتوقعه. كان دعمها هو الشيء الوحيد الذي شعر عمار بأنه يمسك به في هذه اللحظة. وبينما كانت السماء قد اكتست بسواد الليل، كانت هناك رياح التغيير تلوح في الأفق، رياح ستحمل معها عواصف لم يكن أحد يتوقعها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%