يوم مضحك الجزء الثالث

غيمة تتجمع في سماء الحلم

بقلم سعيد الضحكة

كانت الشمس تميل نحو المغيب، تلقي بأشعتها الذهبية على بساتين النخيل الممتدة كبساط أخضر على جانبي النهر. نسيم عليل يحمل معه عبير الزهور البرية وأصوات الطيور المهاجرة كان يلاعب أوراق النخيل، محدثاً همسات خفيفة تبعث على الهدوء. ولكن في قلب بيت الشيخ سعيد، لم يكن الهدوء سيد الموقف. كانت الأجواء مشحونة بالترقب والقلق، كأن عاصفة وشيكة تهدد بتمزيق سكون الليلة.

اجتمع أفراد العائلة في الديوان، لكن الجلسة لم تكن كالمعتاد. غاب الضحك، وتلاشت المزاحات المعهودة. كان الشيخ سعيد، بوجهه الذي اعتاد رسم البشاشة، يبدو اليوم مثقلاً بهموم لا قبل له بها. نظراته تتنقل بين أبنائه، وكأنه يبحث عن إجابة في أعينهم، أو ربما عن سند يشد من أزره.

"يا أبنائي،" بدأ الشيخ سعيد بصوت بدا متعبًا، "وصلتني أخبارٌ تقض مضجعي. أخبارٌ تتعلق بمستقبل عائلتنا، وبمكانتنا بين الناس. إنها قضيةٌ حساسة، تتطلب منا جميعًا التكاتف والحكمة."

صمت الجميع، كلٌ يستجمع أفكاره. كان يعقوب، الابن الأكبر، الشاب الجامعي الجاد، أول من تحدث. "يا والدي، ما هي هذه الأخبار؟ ولماذا تحمل كل هذا الثقل؟"

تنهد الشيخ سعيد. "إنها تتعلق بالصفقة التي كنا ننتظرها بفارغ الصبر. صفقة استثمار أرض جدودنا، التي وعدنا بها المستثمر الكبير، السيد سليمان."

توسعت عينا مها، ابنة الشيخ الوحيدة، الشابة الرقيقة ذات القلب الطيب. "ما لها يا والدي؟ ألم تكن الأمور تسير على ما يرام؟"

"كان الأمر كذلك، يا ابنتي،" أجاب الشيخ سعيد، "حتى وصلني ما يشير إلى أن هناك أيديًا خفية تحاول عرقلة الصفقة. أيدٍ لا تريد لنا الخير، ولا تريد أن ترى عائلتنا تزدهر."

دخلت فاطمة، زوجة الشيخ سعيد، حاملةً صينية شاهي بالنعناع. كان وجهها قلقًا، ولكن ابتسامتها الحانية لم تفارقها. وضعت الصينية على الطاولة، واقتربت من زوجها، واضعةً يدها على كتفه. "اهدأ يا سعيد. إن الله مع الصابرين. ولعل هذه مجرد كبوة جواد."

"أتمنى ذلك يا فاطمة،" قال الشيخ سعيد، "ولكن ما بلغني أكثر من مجرد كبوة. إنه تآمرٌ مدروس. يبدو أن هناك من سرب معلوماتٍ مغلوطة للسيد سليمان، معلوماتٌ تشكك في مصداقيتنا، وفي قدرتنا على الوفاء بالتزاماتنا. بل إنهم حاولوا إقناعه بأن الأرض التي نرغب في استثمارها تحمل لعنة، وأن الاستثمار فيها سيكون سبباً في نحسٍ لا ينتهي."

صدمةٌ عمّت المكان. لم يستطع أحدٌ استيعاب ما سمعه. لعنة؟ معلومات مغلوطة؟ من يكون هذا المتآمر؟

نهضت هند، خطيبة يعقوب، الشابة الواعية الذكية، من مكانها. "يا عمي، هل تعرف من يقف وراء هذا؟"

نفض الشيخ سعيد رأسه. "لا أملك دليلاً قاطعاً، ولكن كل الشواهد تشير إلى شخصٍ واحد. شخصٌ كان يطمع في هذه الأرض منذ زمن، وشخصٌ يعرف جيداً قيمتها وما ستحققه لنا من ربحٍ وفير. إنه... فؤاد."

ذكر اسم "فؤاد" جعل قلب يعقوب ينتفض. كان فؤاد، ابن عمهم البعيد، شخصيةً معروفة في المنطقة بطمعه وجشعه. كان دائمًا ينظر بعين الحسد إلى ما تملكه عائلة الشيخ سعيد.

"فؤاد؟" قال يعقوب بصوتٍ غاضب، "لا أصدق أن يصل به الأمر إلى هذا الحد. لقد كان يبدو دائمًا شخصًا ذا نبل، رغم بعض خلافاتنا القديمة."

"النبل يا يعقوب،" قال الشيخ سعيد بحسرة، "قد يخفي خلفه أشد الضغائن. لقد استغل فؤاد ثقة السيد سليمان، وقدم له معلوماتٍ كاذبة، بل إنه استأجر بعض المشعوذين ليؤكدوا له قصة اللعنة."

هذا هو بيت القصيد. فكرة أن شخصًا ما قد لجأ إلى السحر والشعوذة لعرقلة مشروعٍ نبيل، كانت كفيلة بإشعال غضبٍ مقدس في نفوس الجميع.

"هذا لا يمكن أن يبقى هكذا!" قالت مها بعزمٍ مفاجئ، "يجب أن نواجه هذا الظلم. كيف يجرؤ أحدهم على استخدام هذه الأساليب القذرة ضدنا؟"

"أنا معك يا مها،" قال يعقوب، "ولكن ما العمل؟ السيد سليمان رجلٌ كبير، ومن الصعب إقناعه الآن بعد أن زرع الشك في قلبه."

"لا تيأسوا يا أبنائي،" قال الشيخ سعيد، "ما زال هناك متسعٌ من الوقت. السيد سليمان سيعود إلى هنا غدًا، للمرة الأخيرة، ليخبرنا بقراره النهائي. علينا أن نكون مستعدين. علينا أن نحضر كل ما يثبت بطلان ادعاءات فؤاد. علينا أن نبرهن على أن أرضنا ليست ملعونة، بل هي أرض الخير والبركة."

كانت الكلمات الأخيرة للشيخ سعيد تحمل نبرةً من الأمل، ولكنها كانت أيضًا إعلانًا لـ"حربٍ" غير معلنة. حربٌ لن تكون بالأسلحة، بل بالحق والمنطق، وبالصبر والحكمة.

في تلك الليلة، لم ينم أحدٌ في بيت الشيخ سعيد. كلٌ كان يفكر في كيفية التصدي لهذا التحدي. يعقوب، بخبرته الجامعية، بدأ يبحث عن أدلةٍ تاريخية وجغرافية تثبت سلامة الأرض. هند، بشخصيتها الفذة، بدأت تفكر في طريقةٍ لإثبات زيف ادعاءات فؤاد، وربما ربط ذلك بأدلةٍ ملموسة. مها، بروحها المرحة، كانت تقلب صفات العائلة، وتستذكر مواقفهم الطيبة، لتؤكد بها أنهم يستحقون كل خير. أما فاطمة، فكانت تقضي وقتها في الدعاء، تطلب من الله أن يمنحهم القوة والحكمة، وأن يكشف زيف المتآمرين.

كانت السماء قد انتشر فيها الظلام، ولكن في قلوب أهل بيت الشيخ سعيد، كان هناك نورٌ من العزم والوحدة يسطع، نورٌ يرفض الاستسلام أمام أي غيمةٍ سوداء، مهما علا شأنها. لقد بدأ العد التنازلي. قرار السيد سليمان سيكون نقطة تحولٍ حاسمة، إما أن تكون نقطة انكسار، أو نقطة انطلاقٍ نحو مستقبلٍ مشرق.

تجمع الأفراد حول مائدة العشاء، صامتين معظم الوقت. لم يكن هناك مجالٌ للحديث عن خططهم. الصمت المطبق لم يكن صمت حزن، بل صمت استعداد. كل نظرةٍ كانت تحمل معنى، كل إيماءةٍ كانت تحمل وعداً.

"غدًا،" قال الشيخ سعيد بهدوء، "سنواجه القدر. ونحن له بالمرصاد."

صوتُ صرصور الليل كان يسمع، وضوء القمر الخافت يتسلل من نوافذ الديوان. كانت الليلة طويلة، ولكنها كانت ليلةٌ ستُسطر فصولها بحروفٍ من ذهب، أو ستحمل في طياتها دروسًا قاسية.

كان يعقوب ينظر إلى هند، عيناهما تلتقيان. نظرةٌ واحدة كانت تكفي لتبادل كل مشاعر الدعم والتفهم. كان يعلم أن هذه المعركة لن تكون سهلة، ولكن بوجود هند بجانبه، وبدعم عائلته، كان يشعر بقوةٍ لا يمكن وصفها.

"لا تقلقي يا هند،" همس يعقوب، "سنحتوي الأمر. هذا مجرد امتحان."

ابتسمت هند ابتسامةً خافتة. "أنا معك، يعقوب. مهما كان الثمن."

انتهت الليلة، وبدأت شمس يومٍ جديد في الظهور. يومٌ لا يعلم إلا الله ما يحمله. يومٌ سيكون شاهداً على صدق النوايا، وقوة العزيمة، وعلى قدرة الحق على الانتصار على الباطل. كان اليوم التالي يوم الحقيقة، يوم الفصل، ويوم البداية.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%