يوم مضحك الجزء الثالث

همسات الأمل وسط عواصف الحيرة

بقلم سعيد الضحكة

كانت نسمة العليل تحمل معها عطر الياسمين المتسلل من بساتين الحاج مصطفى، لتلامس وجه سلمى وهي جالسة في شرفتها المطلة على فناء الدار الواسع. كانت تستنشق عبير الزهور، لكن أنفاسها كانت مثقلة بالهموم. منذ تلك الزيارة المفاجئة من المهندس عبد الرحمن، لم تعد الأمور كما كانت. حديثه المقتضب، نظراته المتوسلة، وكلماته التي تحمل بين ثناياها اعتذاراً لم تفهمه تماماً، كلها تركت في نفسها اضطراباً لم تجد له تفسيراً.

كانت تتأمل يدها التي لمست يده حين ناولها الشال، يداً خشنة بعض الشيء، تحمل أثر العمل والجهد، لكنها كانت دافئة. هل كان حقاً يشعر بالندم؟ أم كان مجرد محاولة أخرى لكسب ودها، كما اعتادت أن تفعل بعض النفوس الماكرة؟ لم تكن تعرف. قلبها كان في حيرة، وعقلها في صراع.

في تلك الأثناء، كان والدها، الحاج مصطفى، يرتشف قهوته المرة في مجلس الرجال، يتجاذب أطراف الحديث مع جاره أبو أحمد عن أحوال السوق والأسعار. بدا الحاج مصطفى هادئاً كعادته، لكن شرود نظراته كان يكشف عن هموم أخرى. حديث ابن عمه، سليمان، الذي زاره في اليوم السابق، لم يكن مطمئناً. سليمان، المعروف بتجارته المشبوهة وحنكته في إيقاع الناس في شباكه، كان قد عرض على الحاج مصطفى صفقة تجارية تبدو مربحة جداً على الورق، لكن الحاج مصطفى شعر فيها برائحة الغش والمنكر.

"يا مصطفى، هذه فرصة العمر!" قال سليمان بابتسامة ماكرة، "أرباح مضمونة، ودون أدنى جهد منك. فقط توقيعك، والباقي عليّ."

ارتعش الحاج مصطفى قليلاً. يعرف سليمان جيداً. يعرف كيف يستغل حاجة الناس وحسن ظنهم. "يا سليمان، رزقنا من الله، ولا أحب أن أدخل في أمور قد تسبب لي الشبهات."

"شبهات؟ أين الشبهات يا رجل؟ هذه تجارة مشروعة، بل هي تجارة تدر الذهب!" أصر سليمان، لكن الحاج مصطفى كان قد اتخذ قراره.

"لا يا ابن عمي، بارك الله في مالك، لكنني لست من أهل هذا الطريق."

خرج سليمان غاضباً، وعاد ليشتكي للحاج مصطفى من "عناد" أخيه، وكيف أن "المال الحلال لا يكفي لسد جوع الأبناء" في زمن كهذا. كان سليمان يحاول الضغط على الحاج مصطفى، مستغلاً سمعته الطيبة وربما ليعطيه بعض المال لـ"المساعدة" باسم التجارة.

عاد الحاج مصطفى إلى مجلسه، وهو يشعر بثقل المسؤولية. لم يكن الأمر يتعلق به وحده، بل بسلامة أسرته وحماية سمعتها. تذكر كيف حذره والده قبل سنوات من سليمان، ومن "أصحاب المصالح السريعة".

في هذه الأثناء، في غرفة أخرى من الدار، كان يوسف، شقيق سلمى، منهمكاً في قراءة كتاب علمي. كان يوسف شاباً طموحاً، شغوفاً بالتعلم، ويحلم بفتح مختبره الخاص يوماً ما. كان يتلقى تعليمه الجامعي عن بعد، وكان ينفق كل ما لديه من مدخرات على شراء الكتب والمعدات اللازمة.

"يا أخي، متى ستتوقف عن هذه الكتب؟" دخلت عليه أخته الصغرى، ريم، تحمل صينية عليها طبق من التمر واللبن. "والدي يقول إن لديك الكثير من الدروس التي لم تراجعها."

ابتسم يوسف ابتسامة متعبة. "الدروس مهمة يا ريم، لكن العلم أوسع من المناهج. أحاول أن أرى ما بعد الكتب، ما الذي يمكن أن يضيفه علمي لمجتمعنا."

"مجتمعنا يحتاج رجلاً قوياً يقف بجانب والده في تجارته، لا رجلاً يختبئ بين الأوراق!" قالت ريم بنبرة مرحة، لكنها تحمل شيئاً من القلق. كانت ترى كيف يرهق والدها نفسه في العمل، وكيف أن الحاج مصطفى لا يزال يعاني من بعض الديون القديمة.

"سأكون قوياً يا ريم، لكن قوتي ستكون بعلمي. تخيلي أننا نستطيع أن نبتكر شيئاً جديداً، شيئاً يجعل حياة الناس أفضل." قال يوسف وهو يمسح جبينه.

فجأة، سمعوا صوت خطوات سريعة في الخارج، وصوت والدتهم ينادي عليهم. "يوسف، سلمى، تعالوا إلى هنا بسرعة!"

هرع يوسف وسلمى نحو غرفة الجلوس، ليجدا والدتهما تقف عند الباب، تحمل هاتفاً بيد مرتعشة. في وجهها مزيج من الدهشة والخوف.

"ماذا حدث يا أمي؟" سألت سلمى بقلق.

"هذا... هذا اتصال من ديوان المحكمة!" قالت والدتهم بصوت خافت، "يقولون إن هناك قضية مرفوعة ضد والدكم."

تجمدت سلمى في مكانها. قضية؟ ضد والدها؟ من الممكن أن يرفع قضية ضد الحاج مصطفى، الرجل الذي لم يعرف عنه الناس إلا الخير؟

"ما هي القضية؟ ومن رفعها؟" سأل يوسف، وهو يقترب من والدته.

"لا أعرف يا بني. يقولون إنها تتعلق ب... ببعض المخالفات التجارية. لم أفهم الكثير. اتصلوا بالوالد للتو، وهو في طريقه إلى هنا. لا أعرف ماذا سنفعل."

بدأت سلمى تشعر بالبرد يسري في عروقها. هل لها علاقة بصفقة سليمان؟ هل أراد سليمان أن يورط والدها بطريقة ما؟ الأفكار تتضارب في رأسها، وكلها تبدو كالكوابيس.

نظر يوسف إلى والدته، ثم إلى سلمى، ورأى الخوف في أعينهم. شعر بمسؤولية تقع على عاتقه. "لا تقلقوا يا أمي، يا سلمى. سنتعامل مع الأمر. أبي رجل صالح، ولن نسمح لأحد أن يظلمه."

لكن في أعماقه، كان يشعر بقلق دفين. لم تكن حياتهم سهلة أبداً، ودائماً ما كانوا يواجهون تحديات، لكن هذه المرة، بدت المشكلة أكبر وأكثر تعقيداً.

وصل الحاج مصطفى، وكانت علامات الارتباك واضحة على وجهه. "ما الخبر؟" سأل بصوت متعب.

"هناك اتصال من المحكمة يا أبي..." قالت والدته.

أومأ الحاج مصطفى برأسه ببطء. "علمت. جاءني اتصال قبل قليل. يبدو أن سليمان قد بدأ لعبته."

"سليمان؟" سألت سلمى بدهشة.

"نعم، سليمان. هو من رفع هذه القضية." قال الحاج مصطفى بنبرة يملؤها الأسى، "يحاول أن يبتزني، أن يجبرني على قبول صفقة لا ترضي الله."

"لكن كيف؟ كيف يفعل هذا؟" سأل يوسف.

"بطريقته الملتوية. زعم أنني لم أوفّي بالتزامات تجاهه في صفقة قديمة، صفقة لم أكن طرفاً فيها مباشرة، لكنه استغل اسمي. أراد أن يورطني في قضية مالية ليتمكن من ابتزازي."

نظرت سلمى إلى والدها، ورأت الصبر والتصميم في عينيه. كان يعلم أن المعركة قادمة، لكنه لم يكن خائفاً. كان خائفاً فقط على سمعة أسرته وعلى سلامة دينه.

"لا تقلق يا أبي." قالت سلمى، وبدأ صوتها يقوى. "سنقف معك. ولن نسمح لسليمان أن ينال مراده."

نظر الحاج مصطفى إلى ابنته، وشعر ببعض الراحة. كان يعلم أن أبناءه سيكونون سنداً له. لكنه كان يعرف أيضاً أن الطريق لن يكون سهلاً.

في ذلك المساء، وبينما كانت المدينة تغرق في سكون الليل، كانت عائلة الحاج مصطفى تجلس معاً، يتشاورون، يتشاطرون القلق، ويتشبثون بالأمل. كانت الأضواء الخافتة في الغرفة تعكس ظلالاً متراقصة على الوجوه، وكأنها تمثل الظلال التي بدأت تخيم على حياتهم. لكن وسط كل هذا، كانت هناك شعلة من الإصرار والإيمان، تضيء لهم الطريق، وتمنحهم القوة لمواجهة ما سيأتي.

هل ستتمكن سلمى من كشف مكائد سليمان؟ وهل سيجد يوسف القوة في علمه لمواجهة هذه الأزمة؟ أسئلة دارت في أذهان الجميع، بينما كانت نسمات الليل تحمل معها همسات الأمل وسط عواصف الحيرة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%