الصديق المضحك الجزء الثالث
الموعد الأخير في سوق العطارين
بقلم سعيد الضحكة
كانت رائحة العطر والبهارات تفوح في أرجاء سوق العطارين، مزيجاً فريداً يلتصق بالأنفاس ويوقظ الذكريات. بين أكشاك الأقمشة الحريرية الزاهية، وأصص الريحان الأخضر اليانع، وطاولات الحلوى التي تشع سكرها، كان "جاسر" ينساب بخفة، عينيه تتبعان ظلالاً كثيفة تتسلل بين المارة. اليوم، لم يكن جاسر مجرد شاب عادي يبحث عن هدية لجدته، بل كان يتخفى، يخوض آخر مهمة له في عالم كان يظن أنه تركه خلف ظهره إلى الأبد.
تبخرت ضحكات الأطفال وهم يلعبون قرب نافورة الحرم القديم، وتحول حديث الباعة عن جودة الزعفران إلى همسات مكتومة. كان قلبه يخفق كطبل حرب قديم، يذكرّه بالوقت الذي كان يرتديه فيه. لقد مرّت سنوات، سنوات من السكينة، من بناء حياة هادئة بعيدة عن صخب الأمس. لكن الأمس، كما هو معروف، له مخالب طويلة.
صوت أجش، لا يمكن أن تخطئه أذن معتادة على هذه الهمسات، اخترق ضجيج السوق: "الشيخ يوسف يتمنى لك موعداً أخيراً، يا أسد الصحراء".
توقف جاسر. "أسد الصحراء". لقب من عصر آخر، أطلقه عليه شيخ عصابات طالما كان يخشاه الناس في الماضي. لم ينطق به أحد منذ سنين. لم يلتفت. خطا خطوتين ثم عاد، متظاهراً بأنه يشتري بعض التمر الفاخر. كانت يداه، على الرغم من محاولته الثبات، ترتعشان قليلاً.
"لم أعد أسد الصحراء، بل أنا أبو ياسمين الآن. تاجر أعشاب متقاعد"، همس لنفسه، لكن الصوت الآخر كان أقرب، وارتعاشة في الهواء أو ربما شعاع شمس خانق، أخبرته أن الرجل ليس بعيداً.
"الشيخ يوسف لم ينسَ أبدًا. يريدك أن تأتي بنفسك، بنفسك وبدون رفقة. في مكان اللقاء القديم، عند بئر الأسرار، عند الغروب."
تغلغل الخوف في عروق جاسر، لكنه كان مخلوطاً بشيء آخر، شيء أعقده وأخفاه الزمن: الفضول. بئر الأسرار. مكان أصبح أسطورة، نادراً ما يتحدث عنه حتى من يعرفونه. كان مكاناً يشاع أنه يصل بين العوالم، أو بين القلوب المفقودة.
"إذا كان يوسف قد أرسلك، فقل له إنني سآتي"، قال جاسر أخيراً، وصوته يحمل نبرة لم يسمعها هو نفسه منذ زمن، نبرة تحمل ثقلاً، قوة، وربما شيئاً من الخطر.
استدار ليلقي نظرة خاطفة على من أرسله. كان رجلاً ضخماً، يرتدي جلابية بنية قاتمة، وجهه غائرة في الظلال، لكن عينيه لامعتين كجمرتين. أومأ الرجل برأسه واختفى بين الزحام كشبح.
عاد جاسر إلى كوخه المتواضع في أطراف المدينة. كوخ صغير، لكنه كان يمثل عالمه الجديد، عالمه الذي بناه بيديه، خالياً من الدماء، خالياً من الخيانة. كانت رائحة الياسمين المنبعثة من حديقته الصغيرة تبعث الطمأنينة في روحه. لكن اليوم، حتى أريج الياسمين لم يستطع أن يمحو رائحة الخوف الممزوجة بعبق التمر من السوق.
زوجته، "ليلى"، كانت في المطبخ، صوتها يعلو وهي تغني أغنية قديمة عن الحب والوفاء. كانت ليلى هي النور الذي أشع في حياته، هي التي منحته الشجاعة ليترك الماضي. كان يكره أن يلوث هذا النور بشيء من ظلامه.
"يا جاسر، هل تأخرت؟ الشمس بدأت تغرب، وأنا أعددت لك الفول المدمس الذي تحبه"، نادت ليلى بصوتها الرقيق.
تنهد جاسر. "أنا قادم يا حبيبتي. فقط بعض العمل الشاق الذي ينهي نفسه."
دخل المطبخ، ابتسم ابتسامة متعبة. كانت ليلى، بشعرها الأسود الطويل وعينيها اللامعتين، تبدو وكأنها قطعة من الجنة على الأرض. لم تكن تعرف شيئاً عن ماضيه، فقط أنها أحبت رجلاً طيباً، قوياً، يحبها ويحترمها.
"تبدو متعبًا، هل حدث شيء؟" سألت بقلق، ويدها تلامس جبينه.
"لا شيء مهم، مجرد متاعب السوق. بعض الباعة يثيرون المشاكل"، كذب جاسر. كان يكذب دائمًا على ليلى، لكنه كان يكذب لحمايتها.
جلس لتناول الطعام، يحاول أن ينسى رائحة التمر، ورائحة الرجل الغامض، وصوت أجش يذكره بأيام لم يعد يريدها. لكن الذكريات كانت مثل أشباح، تلتصق به، تهمس له.
بعد العشاء، ذهب جاسر إلى غرفته. كان يمتلك سيفاً قديماً، ملفوفاً في قماش خشن، مخبأً تحت بلاطة في أرضية الغرفة. لم يلمسه منذ سنوات. لكنه الآن، شعر بأن عليه أن ينفض عنه غبار الزمن.
فتح الغطاء. لمع المعدن تحت ضوء المصباح الخافت. كان السيف يشبه جزءاً من روحه، جزءاً كان قد دفنه ولكنه لم ينسه. أمسكه. وزن السيف في يده بدا مألوفاً، حتى ثقله.
"لماذا يا يوسف؟ لماذا الآن؟" سأل السيف، كأنما يتحدث إليه.
تذكر الليلة التي استقبل فيها هذا السيف. كان صغيراً، يافعاً، مليئاً بالغضب والأمل. كان يوسف، وقتها، قائده، معلمه. لكن يوسف كان قد خان كل شيء. خان الأمانة، خان المبادئ، خان الرجال الذين آمنوا به.
كان يعلم أن الذهاب إلى بئر الأسرار هو بمثابة الذهاب إلى عرين الأسد. وأن يوسف لا يدعو أحداً لموعد أخير إلا إذا كان يريده لشيء واحد: الانتقام.
نظر إلى صورة ليلى، كانت معلقة على الحائط. ابتسم. "سأحميكِ، يا روح روحي. مهما كان الثمن."
أعاد السيف إلى مخبئه. ثم خرج إلى السطح، يجلس تحت سماء الليل المرصعة بالنجوم. كان الهواء بارداً، يحمل معه وعود الليل. كان يعلم أن هذا الليل سيكون نقطة تحول. إما أن يعود إلى الظلام، أو أن يجد طريقة أخيرة لكسر قيوده.
كان الغروب قريبًا. وكان عليه أن يبدأ رحلته. رحلة إلى بئر الأسرار، حيث الماضي ينتظره، وحيث ربما، كان ينتظره قدره.