الصديق المضحك الجزء الثالث

ظلال الشك تلون ألوان الود

بقلم سعيد الضحكة

كانت نسمات الصباح الأولى تداعب ستائر غرفة "وليد" في "بيت العائلة"، تحمل معها عبق الياسمين الذي يفوح من حديقة الجدة "أمينة". استيقظ وليد على صوت جدته وهي تتمتم بكلمات تضرع ودعاء، كعادتها كل صباح، لتنير شمعة الأمل في قلوب أحفادها. شعر ببعض الثقل في صدره، ثقل لم يكن له تفسير منطقي، بل كان أقرب إلى شعور مبهم بالترقب، أو ربما القلق.

نهض من فراشه، وتوجه نحو خزانة ملابسه ليختار ثوبًا فضفاضًا وقميصًا بلون السماء الصافية. كان يدرك أن يومه سيكون مليئًا بالمسؤوليات، فالمعرض الفني "ألوان الزمن" على وشك الافتتاح، وهو يعتمد على جهوده الحثيثة وإبداعاته ليكون تحفة فنية حقيقية. لكن في هذا الصباح، كان عقله يتأرجح بين هاجسين: الحلم الذي راوده ليلة أمس، والرؤية الغامضة التي ظهرت لأختيه "ليلى" و"سارة" قبل أيام.

نزل إلى صحن الدار، حيث كانت الجدة أمينة تصب الشاي بحنكة وخبرة. تفوح رائحة الهيل والنعناع، لتنعش روحه قبل أن يبدأ يومه. جلست ليلى وسارة بجانبهما، تتناولان الفطور بشهية متناقصة. كانت ليلى، بحكم طبيعتها القلقة، تبدو شاردة الذهن، وعيناها تترددان بين صحنها والفراغ. أما سارة، فكانت أكثر هدوءًا، لكن ابتسامتها كانت باهتة، وكأنها تخفي شيئًا.

"صباح الخير يا جدتي، صباح الخير يا غالياتي"، قال وليد وهو يقبل يد جدته ويربت على رأس أختيه.

"صباح النور يا ولدي"، ردت الجدة أمينة بابتسامة دافئة. "كيف حالك؟ هل نمت جيدًا؟"

"بخير يا جدتي، لكن لم يكن نومي هادئًا تمامًا. راودني حلم غريب بعض الشيء."

رفعت ليلى رأسها بسرعة، وقالت بصوت مرتجف: "حلم؟ هل كان مرتبطًا بما رأيناه؟"

أجاب وليد بتردد: "لا أعتقد. كان أشبه برؤية مجردة، ألوان تتداخل، وأصوات تتردد. ولكن..." توقف، وهو يحاول ترتيب أفكاره. "لكن في نهاية الحلم، شعرت وكأن هناك شيئًا ما يحاول إخبارك به، شيئًا مهمًا."

تنهدت سارة وقالت بهدوء: "هذا يبدو مألوفًا. أنا أيضًا أشعر بأن هناك همسة خفية وراء كل ما نمر به. ليلة أمس، أثناء عودتي من عند السيدة "أم بدر" لمساعدتها في ترتيب بعض أمور منزلها، رأيت رجلًا غريبًا يقف عند زاوية الشارع، يتوارى خلف عمود إنارة. كان طويلًا، ويرتدي معطفًا داكنًا، وشعرت بخوف غريب لم أستطع تفسيره."

"رجل غريب؟" سألت ليلى بعينين واسعتين. "متى كان هذا؟"

"قبل صلاة العشاء بقليل"، أجابت سارة. "لقد مررت بسرعة، ولم أتمكن من رؤية وجهه جيدًا. لكنه ترك في نفسي انطباعًا سيئًا."

تداخلت هذه التفاصيل، لتشكل لوحة غامضة تزداد تعقيدًا. وليد، بطبيعته العملية، حاول أن يجد تفسيرًا منطقيًا. "ربما كان شخصًا عاديًا، يبحث عن عنوان ما، أو ينتظر أحدًا. لا يجب أن نمنح هذه الأمور أكبر من حجمها."

"ولكن، يا وليد،" قالت الجدة أمينة بصوت حكيم، "الشعور الداخلي لا يكذب دائمًا. رؤى الأنبياء لم تكن منطقية في ظاهرها، ولكنها كانت تحمل حقائق عظيمة. ربما هذه الأحلام والرؤى هي إشارات من الله، لنتحرك بحذر، أو لننتبه لأمر ما."

كانت كلمات جدته دائمًا كبلسم شافٍ، ولكن هذه المرة، زادت من حيرته. هل هناك خطر يلوح في الأفق؟ ومن هو هذا الرجل الغامض؟ هل هي مجرد مصادفة؟

في تلك الأثناء، كان "عمر"، صديق وليد المقرب، قد وصل إلى المنزل. عمر، بضحكته العالية وروحه المرحة، كان دائمًا مصدر البهجة في أي مكان يتواجد فيه. ولكنه في الآونة الأخيرة، كان يلاحظ تغيرًا في وليد، قلقًا خفيًا يخيم على صديقه.

"صباح الورد والياسمين على أحلى عائلة!" قال عمر وهو يدخل، حاملاً معه طبقًا مليئًا بالمعجنات الطازجة من مخبز الحي. "جئت لكم ببعض المفاجآت الشهية، علّها تخفف من ضغط المعرض يا وليد."

ابتسم وليد ابتسامة خفيفة. "شكرًا لك يا عمر، أنت دائمًا سباق للخير."

جلس عمر معهم، وأخذ يستمع إلى ما كان يدور بين الأختين ووليد. عندما سمع عن الرؤى والحلم، رفع حاجبه بدهشة، ثم قال مازحًا: "هل بدأت الأشباح تزوركم في المنام؟ ربما يجب أن نعرض عليهم لوحات المعرض، لعلهم يجدون فيها ما يريحهم!"

ضحكت ليلى قليلًا، ولكنها سرعان ما عادت إلى جديتها. "يا عمر، الأمر ليس مزحة. نحن نشعر بشيء غريب، شيء ليس على ما يرام."

"أفهم قلقكن"، قال عمر بجدية مفاجئة، اختفت فورًا. "لكن دعونا نضع الأمور في نصابها. الوليد لديه عيون فنان، يرى التفاصيل الدقيقة. ربما أنتِ يا سارة، مررتِ بشخص كان يبحث عن عنوان، ووجهه كان غير مألوف. والمنام يا وليد، ربما كان انعكاسًا لضغط العمل. نحن جميعًا نتحمل مسؤولية كبيرة في هذا المعرض."

حاول عمر دائمًا أن يكون صمام الأمان، وأن يلطف الأجواء. ولكن هذه المرة، كان إصراره على التفسير المنطقي يبدو وكأنه يتجاهل مشاعرهن.

بعد الفطور، توجه وليد إلى مرسمه، الذي كان يعج بالأعمال الفنية. الألوان الزاهية، واللوحات المتنوعة، والفرش المنتشرة، كلها تشهد على شغفه. بدأ في لمساته الأخيرة على اللوحة الرئيسية للمعرض، لوحة بعنوان "رحلة الروح". كانت هذه اللوحة مستوحاة من قصص الأجداد، ورؤيته الشخصية للخلود.

لكن حتى وهو يمسك بفرشاته، لم يستطع أن يزيل صورته الرجل الغامض من ذهنه. هل كان عمر على حق؟ هل هي مجرد هلوسة جماعية ناجمة عن التوتر؟ أم أن هناك يدًا خفية تحاول التلاعب بهم؟

في نفس الوقت، كانت ليلى تتحدث إلى والدتها، السيدة "نورة"، عبر الهاتف. كانت نورة، التي تقيم في بلد مجاور، دائمًا على اتصال دائم مع بناتها.

"يا أمي، أشعر بقلق شديد. وليد، وليلى، جميعنا نشعر بأن هناك شيئًا غريبًا يحدث. رأينا أشياء، وشعرنا بأمور لا نستطيع تفسيرها."

"ماذا تقصدين يا حبيبتي؟" سألت نورة بصوت حنون. "هل هناك خطر؟"

"لا أعرف يا أمي. ولكن هناك شعور بأننا مراقبون، أو أن هناك من يريد أن يضللنا."

صمتت نورة للحظة، ثم قالت: "تذكري دائمًا كلام جدتك. الاستخارة، والدعاء، والاستشارة. اطلبوا من الله أن يرشدكم. ولا تنسوا أن تقووا إيمانكم، فالله مع الصابرين."

تحدثت ليلى مع والدتها لساعة كاملة، تشاركها كل ما تشعر به. كانت تشعر بأن حديث والدتها يخفف من وطأة قلقها، ولكنه في الوقت نفسه، يؤكد لها أن مشاعرها ليست مجرد أوهام.

عاد عمر إلى مرسم وليد، وكان يحمل معه رسومات أولية للغلاف الخارجي لكتالوج المعرض. "ما رأيك يا فنان؟ هل تعجبك هذه الأفكار؟"

نظرت وليد إلى الرسومات. كانت جميلة، ولكن شيئًا ما كان ينقصها. "جميلة يا عمر، ولكنها تفتقر إلى الروح. ألا ترى؟ تحتاج إلى لمسة إضافية، شيء يلفت الانتباه، شيء يحمل قصة."

"هذا ما قلته أنا أيضًا!" قال عمر مبتسمًا. "ولكنني لم أستطع أن أترجمه بالكلمات. يبدو أنك لمست وترًا حساسًا."

"ربما أنت بحاجة إلى بعض الإلهام"، قال وليد، وهو ينظر إلى لوحة "رحلة الروح" المعلقة على الحائط. "ربما القصص القديمة، والحكمة الموروثة، هي ما تحتاجه أعمالنا لكي تكتسب العمق."

"ولكن كيف نحصل على هذا الإلهام؟" سأل عمر. "لدينا وقت قليل جدًا قبل الافتتاح."

"ربما علينا أن نذهب إلى الأماكن التي تحمل تاريخًا"، قال وليد، وعيناه تلمعان ببريق جديد. "ربما علينا أن نبحث عن القصص في الكتب القديمة، أو في حكايات الأجداد. وربما علينا أن ننتبه أكثر إلى ما حولنا. كل شيء حولنا يحمل معنى، إذا أردنا أن نراه."

فكر عمر في كلام صديقه، وشعر بأنه على حق. لقد كانوا يركزون كثيرًا على الجانب العملي للمعرض، ونسوا الجانب الروحي والفني العميق.

"ربما لديك الحق يا وليد"، قال عمر، وبدأ يرسم شيئًا جديدًا على ورقة. "ربما نحتاج إلى العودة إلى الجذور، لنجد الإلهام الحقيقي."

في تلك اللحظة، شعر وليد ببعض الراحة. لم يكن وحده في هذا الشعور، بل كان لديه أصدقاء وعائلة يقفون بجانبه. ولكن ظلال الشك كانت لا تزال تحوم، وتلوّن ألوان الود التي تجمعهم، وتنتظر اللحظة المناسبة لتتكشف.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%