الصديق المضحك الجزء الثالث
الهمسات والأسرار
بقلم سعيد الضحكة
انقضت ليلة طويلة، لم تهب فيها نسمة راحة لأحد في بيت أمين. كانت الشمس قد بدأت ترسل خيوطها الذهبية عبر النافذة، لتضيء الغبار المتراقص في الهواء، وتعلن عن يوم جديد، يوم يحمل في طياته المزيد من القلق. أمين، وقد بدا عليه الإرهاق، كان يتناول فطوره بصمت، وعيناه غائرتان في الفراغ.
"هل تحدثت مع الحاج مراد؟" سأل والده، الحاج محمود، بهدوء.
هز أمين رأسه بالنفي. "كيف أتحدث معه؟ هل أنا في موقع يسمح لي بذلك؟ هو رجل له كلمته، وأنا مجرد شاب. وإذا كانت لمياء نفسها لا تستطيع أن تقف في وجهه، فماذا عساي أن أفعل؟"
"يا بني، لا تقل هذا. أنت شاب، وقلبك قوي. والحب، عندما يكون صادقًا، له قوته. ربما تستطيع أن تتحدث مع الحاج مراد، أو مع والدتها، السيدة زينب. ربما تستطيع إقناعهم بأن هناك حلولًا أخرى."
"حلول؟ والدي، هل ترى أن إقناع رجل يرى في ابنته صفقة، سيأتي بسهولة؟"
تنهد الحاج محمود. "لا شيء يأتي بسهولة يا أمين. ولكن هل جلست منتظرًا؟ ألم تحاول؟"
"لقد حاولت يا أبي. فكرت كثيرًا. هل يمكنني أن أتحدث مع رجل الأعمال هذا؟ أقدم له شيئًا؟"
ابتسم الحاج محمود ابتسامة باهتة. "يا بني، أنت لا تعرف حجم المشكلة. ورجل الأعمال هذا، سمعته ليست جيدة. لديه نفوذ كبير، وقد يكون لديه أساليبه الخاصة في الحصول على ما يريد. نحن لا نريد أن ندخل في صراع قد يؤذينا جميعًا."
"إذن، ما الحل؟ أن نترك لمياء تذهب هكذا؟ أن ندع السعادة تُسلب منا؟"
"الحل هو في الصبر، والدعاء، والتفكير بعمق. قد يكون هناك طريقة لم تظهر لنا بعد. ربما لمياء نفسها، لديها خطة. ربما تنتظر اللحظة المناسبة."
"لمياء؟ أثق بها. إنها قوية. ولكن كيف يمكن لقوة فتاة أن تواجه جبروت رجال أعمال وديون عائلة؟"
في هذه الأثناء، كانت لمياء في منزلها، تعيش حالة من الاضطراب. جلست مع والدتها، والسيدة زينب، التي كانت تبدو وكأنها تحمل ثقل العالم على كتفيها.
"أمي، هل أنتِ حقًا موافقة على هذا؟" سألت لمياء، وعيناها تلمعان بالدموع.
"لمياء، يا ابنتي. أنا لا أوافق، ولكنني أرى الحقيقة. والدكِ، في ضغط شديد. هذه الديون، كادت أن تبتلعه. وهذا الرجل، هو الطوق الوحيد للنجاة."
"ولكن... أمين... ألا ترين كيف يحبني؟ ألا ترين كم هو طيب؟"
"أرى يا ابنتي، وأشعر. ولكن الحب وحده، لا يبني بيتًا، ولا يدفع ديونًا. أحيانًا، علينا أن نختار طريقًا، وإن كان مرًا، لمصلحة العائلة."
"ولكن هذه ليست مصلحة، هذه تضحية بسعادتي! أهذا هو ما تعلمناه؟ التضحية بالسعادة؟"
"علمتنا حياتنا يا لمياء، أن هناك تضحيات عظيمة. والدكِ، يضحي بكِ، لأنه يرى أن هذا هو الحل الوحيد. وأنا، أضحي بقلبي، لأني أرى دموع زوجي، والخوف في عينيه. وعليكِ أنتِ، أن تضحي، لأجل مستقبل العائلة."
"ماذا عن أمين؟ هل سأتصل به؟ أخبره؟"
"والدكِ، طلب ألا تفعلي ذلك. قال إن الأمر سيصبح أكثر تعقيدًا. وإذا تحدثتِ معه، فقد يظن أننا نستخدمه. لذا، عليكِ أن تصمتي، إلى أن يأتي موعد الزواج."
ارتعش جسد لمياء. "أصمت؟ وأنا... وأنا أحبه؟"
"هذا هو الجزء الأصعب يا ابنتي. ولكن، ربما، الأقدار تتغير. ربما، يحدث شيء."
"شيء؟ أي شيء؟ هل تنتظرين أن يسقط نجم من السماء؟"
"لا تنتظري شيئًا يا لمياء، فقط كوني قوية. واعلمي أنني معكِ، ولو بقلبي."
بعد أن غادرت السيدة زينب الغرفة، بقيت لمياء وحيدة. نظرت إلى هاتفها، ثم أغلقت عينيها. كانت تعلم أن أمين ينتظر منها كلمة، ينتظر منها وعدًا. ولكن كيف يمكنها أن تعطيه ما لا تستطيع أن تحميه؟
تسربت أخبار عن خطوبة لمياء إلى أركان القرية، كأنها ريح تثير الغبار. لم يكن أحد متأكدًا من التفاصيل، لكن الجميع كان يتحدث. السيدة عائشة، جدة أمين، سيدة حكيمة، ذات خبرة في الحياة، سمعت الهمسات.
"ماذا يدور في أروقة هذه القرية؟" سألت ابنتها، أم أمين، السيدة فاطمة. "سمعت كلامًا عن لمياء والحاج مراد ورجل أعمال."
"نعم يا أمي، الوضع معقد." أجابت السيدة فاطمة. "أمين متعلق بلمياء، ولكن والدها، لديه ظروفه."
"ظروف؟ هل ظروف تتغلب على الحب؟"
"يبدو أن الأمر كذلك يا أمي. ولكن أمين، قلبه موجوع. لم يتحدث كثيرًا، ولكنني أرى الحزن في عينيه."
"القلب الموجوع يحتاج إلى حكمة، لا إلى دموع. هل تحدث مع الحاج مراد؟"
"لا أعرف يا أمي. ربما يخجل."
"خجل؟ أمام مصير ابنته؟ أبلغيه مني، أن يتحدث. وأن يعرض المساعدة. ربما هو، لو تحدث بصراحة، يستطيع أن يغير شيئًا. حتى لو لم يكن زواجًا، فقد يجدون طريقة لمساعدتها."
"ولكن يا أمي، الحاج مراد رجل عنيد."
"والعناد، أحيانًا، ينكسر بالصدق. والصدق، أحيانًا، يأتي من القلب. اذهبي إليه، وتحدثي معه. أبلغيه أننا نحترم ابنته، وأننا مستعدون للمساعدة، قدر المستطاع. ربما، هو لا يعلم أن أمين مستعد للتضحية. ربما يرى أننا لا نهتم."
استقرت السيدة فاطمة على هذه الفكرة. كانت تعلم أن الحاج محمود، زوجها، قد يكون مترددًا في التدخل مباشرة، لكنها رأت أن هذه فرصة.
في بيت الحاج مراد، كانت لمياء تشعر بأنها محاصرة. كلما نظرت إلى والدها، رأت خيبة الأمل والقلق. وكلما تحدثت والدتها، سمعت عن صعوبة الوضع.
"يا أبي، هل أنت متأكد حقًا من أن هذا هو الحل؟" سألت لمياء بصوت خافت، وهي تحاول أن تحافظ على هدوئها.
"لمياء، أعلم أنكِ تحبين أمين. وأنا أحترمه، وأعرف طيبته. ولكنه لا يملك ما نحتاجه الآن. رجل الأعمال هذا، سيحل لنا مشاكل كبيرة. وهذه الزيجة، ستكون قريبة."
"ولكن، هذا سيحطمني يا أبي."
"يا ابنتي، الحياة تتطلب أحيانًا تضحيات. أنتِ ابنتي، وأنا أريد لكِ الأفضل."
"ما هو الأفضل يا أبي، أن أتزوج من رجل لا أحبه؟ وأن أتخلى عن حبي؟"
"الأفضل هو أن تكوني في أمان، وأن تكون عائلتكِ في أمان. أحيانًا، الحب يأتي بعد الزواج. وأحيانًا، يصبح واجباً."
شعر أمين بثقل هذه الكلمات. "واجب؟ أن أتزوج، لمجرد الواجب؟"
"لا تفكري بهذه الطريقة يا بني. فكري بأنك إنسان، ولديك أخلاق. وأن هذه الفتاة، في محنة."
"ولكن يا أبي، هل يمكننا أن نساعدهم؟ هل يمكنني أن أقدم لهم مساعدة؟"
"من أين لك المال يا أمين؟ أنت بالكاد تعيل نفسك. ورجل الأعمال هذا، لا يهمه مالك، بل يهمه سمعتك، ومكانتك."
"لا أفهم يا أبي. هل كل شيء بالمال والمكانة؟ أين ذهب الوفاء؟ أين ذهب الحب؟"
"هذه أمور رفاهية يا بني، تأتي بعد أن تسد حاجتك، وحاجة عائلتك. أحيانًا، لا نستطيع أن نحصل على كل ما نريد."
كان أمين يشعر بأن العالم كله يتآمر ضده. لم يكن الأمر مجرد فقدان لمياء، بل كان شعورًا بأن قيمة حبه، وقيمة وفائه، لم تعد لها قيمة في هذا العالم.
وصلت السيدة فاطمة إلى بيت الحاج مراد، وهي تحمل في قلبها رسالة من السيدة عائشة. طرقت الباب، وقلبها يخفق بتوتر. الحاج مراد، فتح الباب، وبدا عليه الاستغراب.
"تفضلي يا أم محمود." قال بترحيب حذر.
"أهلاً بك يا حاج مراد." قالت السيدة فاطمة، وهي تدخل. "جئت لأتحدث معك في أمر هام."
"تفضلي."
"أعلم أن لمياء... وأن هناك ترتيبات لزواجها."
تغيرت ملامح الحاج مراد. "نعم، هذا صحيح."
"ونحن، كجيران، وكأصدقاء. نرغب في مساعدتكم، إن استطعنا. ابني أمين، يحب لمياء، وهي تحبه. ونحن مستعدون، لتقديم كل ما نستطيع، لمساعدتها، ومساعدتكم. ربما، نستطيع أن نتحدث مع رجل الأعمال هذا، ونعرض عليه بديلاً؟ أو ربما، يمكننا أن نقوم بشيء لتقليل أعباء الديون؟"
نظر الحاج مراد إلى السيدة فاطمة، وعيناه تحملان خليطًا من الشكر والارتباك. هل كان يعتقد أنهم لن يهتموا؟ هل كان يعتقد أنهم سيقفون متفرجين؟
"أم محمود، أنا... لا أعرف ماذا أقول." قال الحاج مراد بصوت خافت. "لقد ظننت... ظننت أنكم لن تتدخلوا."
"كيف لا نتدخل؟ لمياء فتاة طيبة، وأمين يحبها. والحب، عندما يكون صادقًا، يجب أن يُدعم."
"ولكن... هذا الأمر معقد جدًا. ورجل الأعمال هذا... لديه طرقه."
"كل باب، يا حاج مراد، له مفتاح. وربما، بالتعاون، نجد هذا المفتاح."
في هذا اللقاء، الذي بدا عاديًا، كانت بذرة أمل قد زرعت. همسات الماضي، وأسرار العائلات، بدأت تتكشف، وتلقي بظلالها على قرارات قد تغير مجرى حياة الجميع.