الصديق المضحك الجزء الثالث

سرٌّ مدفونٌّ في غبار الماضي

بقلم سعيد الضحكة

استيقظتْ نورا على هديرٍ خافتٍ في صدرها، هديرٌ لم تكنْ تعرفُ مصدره، لكنه كانَ ينبضُ بشدةٍ في كلِّ جزءٍ من كيانها. الشمسُ قدْ بدأتْ ترسلُ أشعتها الأولى تخترقُ ستائرَ غرفةِ جدتها العتيقة، لتُلقي بظلالٍ راقصةٍ على الأثاثِ المُزخرف. تذكرتْ وعدها لخالدٍ بأنْ تأتيَ صباحًا لتُساعدَ جدتها في ترتيبِ بعضِ الكتبِ القديمة، تلكَ الكتبِ التي كانتْ بالنسبةِ إليها كنوزًا أثريةً تنبضُ بحكاياتِ الأجداد.

جلستْ على حافةِ السرير، وشعرتْ ببرودةِ البلاطِ تحتَ قدميها. نظرتْ حولها في الغرفة، تتفحصُ كلَّ زاويةٍ بعينٍ فاحصة. كانتْ الجدةُ فاطمة، رمزَ العراقةِ والأصالةِ في عائلتهم، قدْ تركتْ ورائها عالمًا مليئًا بالأسرارِ الصغيرةِ والكبيرة. اليوم، شعرتْ نورا بأنَّ مفتاحَ أحدِ تلكَ الأسرارِ سيُكشفُ لها، مفتاحٌ قدْ يُغيرُ مسارَ حياتها أو يعيدُ تشكيلَ فهمها لبعضِ الأمورِ التي اعتقدتْ أنها واضحةٌ كالشمس.

بعدَ أنْ ارتدتْ ثيابًا بسيطةً ومحتشمة، نزلتْ إلى المطبخِ حيثُ كانتْ رائحةُ الهيلِ والقهوةِ تفوحُ بعبقٍ يأسرُ الأنفاس. جدتها كانتْ قدْ استيقظتْ مبكرًا كعادتها، جالسةً على طاولةِ الطعامِ الخشبيةِ العتيقة، تُقلبُ صفحاتِ مصحفٍ مُجلَّدٍ بالجلدِ الفاخر. ابتسمتْ الجدةُ حينَ رأتْ حفيدتها، ابتسامةٌ حملتْ في طياتها ألفَ حكايةٍ وحكاية.

"صباحُ الخير يا بنيتي،" قالتْ الجدةُ بصوتٍ هادئٍ ولكنهُ يحملُ قوةَ السنين.

"صباحُ النور يا جدتي،" أجابتْ نورا وهيَ تُقبلُ يدها. "هلْ تريدينَ مني أنْ أُحضرَ لكِ شيئًا؟"

"لا، كلُّ شيءٍ على ما يرام،" قالتْ الجدةُ وهيَ تُشيرُ إلى فنجانِ قهوةٍ تمَّ إعدادهُ لها. "أردتُ أنْ أُراجعَ بعضَ الأمورِ قبلَ أنْ يأتيَ خالد. هلْ أخبرتيهِ أنْ يأتيَ مبكرًا؟"

"نعم يا جدتي، وعدتُه بذلك. أردنا أنْ نستغلَّ الوقتَ في ترتيبِ تلكَ الصناديقِ القديمةِ التي في الغرفةِ العلوية."

نظرتْ الجدةُ إلى حفيدتها نظرةً عميقة، نظرةٌ اخترقتْ روحها. "تلكَ الصناديقُ يا نورا، تحملُ أكثرَ مما تتخيلين."

شعرتْ نورا بقلبها يخفقُ بعنفٍ أكبر. هلْ كانتْ جدتها تعلمُ شيئًا؟ هلْ كانَ هناكَ شيءٌ مُرتبطٌ بتلكَ الصناديقِ يتعلقُ بالماضي، بماضي عائلتها، ربما بماضي والدها الذي رحلَ مبكرًا؟

بعدَ تناولِ الإفطارِ البسيطِ الذي أعدتْه الجدة، صعدتْ نورا وخالدٌ إلى الغرفةِ العلوية. كانتْ الغرفةُ مليئةً بالترابِ والغبار، تعبقُ برائحةِ الورقِ القديمِ والخشبِ المُعتّق. كانتْ الصناديقُ مُكدسةً في زاويةٍ، بعضها مُغلقٌ بالأقفالِ الصدئة، وبعضها الآخر يكادُ يتفتتُ عندَ لمسه.

بدأَ الاثنانِ في فتحِ الصناديقِ بحذرٍ وترقب. كانتْ مليئةً بالرسائلِ القديمة، صورٍ باهتةٍ لأشخاصٍ لم تعدْ نورا تعرفهم، وثائقٌ مُختلفة، وبعضُ الملابسِ التي بدتْ كأنها منْ عصرٍ آخر. كانَ كلُّ شيءٍ يُثيرُ الفضولَ والدهشة.

حينَ وصلا إلى صندوقٍ خشبيٍّ ثقيلٍ مُزخرفٍ بنقوشٍ عربيةٍ قديمة، وجدا عليهِ قفلًا قويًا. نظرتْ نورا إلى خالدٍ بلهفة. "ما رأيكَ؟ لابدَّ أنَّ هذا الصندوقَ يحملُ شيئًا مهمًا."

أخرجَ خالدٌ مفتاحًا صغيرًا كانَ يرتديهِ كقلادةٍ حولَ عنقه. "وجدْتُ هذا المفتاحَ معَ بعضِ أغراضي القديمة. لمْ أكنْ أعرفُ ما يفتحهُ، لكنْ جدتي قالتْ لي دائمًا أنهُ قطعةٌ ثمينةٌ منْ ماضي العائلة."

نظرتْ نورا إلى خالدٍ بارتباك. "ألا تقصدُ أنَّ جدتكَ قدْ أعطتكَ إياه؟"

"لا، لمْ تُعطني إياه. وجدْتُه في صندوقٍ قديمٍ كانَ يخصُّ والدي، والذي كانَ بدورهِ قدْ وجدهُ في مكانٍ ما. لمْ أفكرْ يومًا أنهُ قدْ يفتحُ شيئًا هنا."

وبعدَ جهدٍ، استقرَّ المفتاحُ في القفلِ ودارَ بصعوبةٍ، مُطلقًا صوتَ طقطقةٍ مدوٍّ في هدوءِ الغرفة. رفعتْ نورا الغطاءَ ببطءٍ، وتوقفَ قلبها عنْ النبضِ للحظة.

لمْ يكنِ الصندوقُ مليئًا بالرسائلِ أو الصور، بلْ كانَ يحتوي على قِطعةٍ قماشيةٍ قديمةٍ مُلفوفةٍ بعناية، وبجانبها دفترٌ جلديٌّ صغيرٌ يبدو عليهِ أنهُ مُحاطٌ بترابِ الزمن. فتحتْ نورا القِطعةَ القماشيةَ بحذرٍ، لتجدَ بداخلها سلسلةً ذهبيةً رقيقةً تنتهي بقلادةٍ على شكلِ هلالٍ صغيرٍ مُرصعٍ بفصٍّ لامعٍ لمْ تستطعْ تمييزَ لونهِ في ضوءِ الغرفةِ الخافت.

"هذهِ القلادةُ... إنها شبيهةٌ جدًا بتلكَ التي رأيتها في صورةٍ قديمةٍ لجدتي وهيَ شابة،" همستْ نورا بصوتٍ مُرتعش.

فتحَ خالدٌ الدفترَ الجلدي، وبدأتْ عيناهُ تتجوَّلانِ بينَ السطورِ المكتوبةِ بخطٍ أنيقٍ ولكنهُ مُتقطعٍ بفعلِ الزمن. كانتْ تلكَ الكلماتُ مكتوبةً بلغةٍ عربيةٍ فصيحة، ولكنها حملتْ مفرداتٍ غريبةً لمْ تعهدها نورا.

"ما هذا يا خالد؟" سألتْ نورا وهيَ تُشيرُ إلى الخطوطِ الغامضة.

"هذا... يبدو أنهُ يوميات،" قالَ خالدٌ وعيناهُ لا تزالانِ مُثبتتينِ على الصفحة. "ولكنها مكتوبةٌ بلغةٍ قديمةٍ نوعًا ما، وبشكلٍ مُشفرٍ بعض الشيء."

ثمَّ توقفَ فجأةً، وعلاماتُ الدهشةِ والذهولِ ارتسمتْ على وجهه. "نورا... انظري إلى هذا."

مدَّ خالدٌ الدفترَ إلى نورا، وأشارتْ بإصبعهِ إلى سطرٍ معينٍ كتبَ بخطٍ بارزٍ قليلاً.

"هنا... مكتوبٌ اسمٌ... اسمٌ لا أعرفهُ. 'ليلى'. ومنْ ثمَّ... يبدو أنهُ وصفٌ لمكانٍ ما. 'في عينِ الشمسِ حيثُ تلتقي النجومُ بالأرضِ'. وهذا... 'وُضِعَ السرُّ تحتَ أمانةِ الزمان، ليُكشفَ في وقتِ الحاجةِ لمنْ يستحقهُ'."

رفعتْ نورا بصرها إلى خالدٍ، وقدْ اشتدَّ الارتباكُ والفضولُ في عينيها. "ليلى؟ ومنْ تكونُ ليلى؟ وماذا يعني هذا الكلامُ الغريب؟"

"لا أعرفُ يا نورا. لكنْ هناكَ شيءٌ آخرُ هنا... يبدو أنهُ إشارةٌ إلى ورقةٍ مخبأةٍ في هذهِ القلادة."

شرحَ خالدٌ كيفَ أنَّ القلادةَ تبدو وكأنها تحتوي على آليةٍ سرية. عملَ الاثنانِ معًا بحذرٍ، وبعدَ قليلٍ منَ المحاولات، انفتحتْ القلادةُ منْ جانبها لتكشفَ عنْ طيةٍ صغيرةٍ منْ الورقِ مُلفوفةٍ بإتقان.

فتحتْ نورا الورقةَ المتربة، وبدأتْ تقرأُ الكلماتِ المكتوبةِ عليها بخطٍ نسائيٍّ أنيقٍ ولكنهُ مُرتعش. كانتْ الرسالةُ قصيرةً، لكنها حملتْ عبئًا ثقيلًا منَ المعاني.

"إلى منْ يجدُ هذا،" بدأتْ الرسالة، "أكتبُ إليكمِ وقلبي يعتصرهُ الألمُ والحسرة. لقدْ اضطررتُ لِوضعِ هذا الأمانةِ هنا، ليسَ خوفًا على نفسي، بلْ خوفًا على مستقبلِ أبنائي. لقدْ تعرضتُ لظلمٍ فادحٍ، واتُّهِمتُ بما لمْ أفعله. كانَ عليَّ أنْ أُخفيَ الحقيقةَ وأُضحّيَ بكلِّ شيءٍ لحمايتهما. هذا الدفترُ يحملُ بعضَ الأدلةِ التي تُثبتُ براءتي. ولنْ يُكشفَ عنْ هذا السرِّ إلا لمنْ يملكُ شجاعةَ البحثِ عنْ الحقيقةِ وإحقاقِ الحق. اسمي ليلى، وأنا أمٌّ لا تعرفُ اليأس."

تساقطتْ دمعةٌ منْ عينِ نورا، لمْ تعرفْ لمنْ هيَ موجهة. ليلى؟ هلْ كانتْ هذهِ السيدةُ هيَ والدةُ خالدٍ حقًا؟ وكيفَ يكونُ والدُ خالدٍ قدْ أخبأَ هذهِ الأمانةَ؟

"ليلى... هذهِ أمي!" قالَ خالدٌ بصوتٍ متهدجٍ، وعيناهُ مُغرورقةٌ بالدموع. "هذهِ أمي... لقدْ ظننتُ دائمًا أنها رحلتْ في حادثٍ عادي، ولمْ أعرفْ أنها... أنها تعرضتْ لظلم. وهذا يعني أنَّ كلَّ ما سمعتُهُ عنْ تهمتها كانَ كذبًا!"

شعرتْ نورا ببرودةٍ تسري في عروقها. إذا كانتْ والدةُ خالدٍ بريئةً، فهذا يعني أنَّ هناكَ منْ ظلمها، وأنَّ هناكَ سرًا كبيرًا يخفيهِ الماضي، سرٌّ كانَ سببًا في كلِّ تلكَ المعاناةِ التي عانتْ منها عائلةُ خالدٍ، وربما عائلتها أيضًا.

نظرتْ إلى خالدٍ، ورأتْ في عينيهِ مزيجًا منَ الحزنِ والغضبِ والتصميم. "علينا أنْ نجدَ هذهِ الأدلة، خالد. علينا أنْ نُثبتَ براءةَ والدتكَ."

"نعم يا نورا،" أجابَ خالدٌ بصوتٍ قويٍّ وهادئ. "وهذا الدفترُ هوَ مفتاحُ البداية. علينا أنْ نفكَّ رموزهُ، وأنْ نكتشفَ ما هيَ 'عينُ الشمسِ' هذه، وما هوَ السرُّ المدفونُّ الذي تحدثتْ عنه."

كانتْ الشمسُ قدْ ارتفعتْ في السماء، تُلقي بضوئها الذهبيِّ على الغرفةِ المليئةِ بالغبار، وكأنها تُعلنُ بدايةَ فصلٍ جديدٍ في حياةِ خالدٍ ونورا، فصلٌ مليءٌ بالتحدياتِ والأسرارِ التي تحتاجُ إلى كشفها. لقدْ أصبحَ الطريقُ أمامهم واضحًا، طريقٌ مليءٌ بالأشواكِ ولكنهُ مُضاءٌ بنورِ الحقيقةِ الساعي إلى العدل.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%