الصديق المضحك الجزء الثالث
فكُّ شيفرةِ الماضي
بقلم سعيد الضحكة
عادَ خالدٌ ونورا إلى صالونِ الجدةِ فاطمة، وجلسا على الأريكةِ العتيقةِ وقدْ وضعا الدفترَ الجلديَّ بينهما. كانتْ أنفاسهما مُتسارعةً، وقلوبهما تخفقُ بإيقاعٍ واحدٍ مُتحدٍّ في مواجهةِ عبءِ الحقيقةِ الذي ألقاهُ عليهما هذا الصندوقُ السري. الغرفةُ بدتْ كأنها أصبحتْ أكثرَ هدوءًا، بلْ أكثرَ كثافةً، وكأنَّ جدرانها تحملُ بصماتِ الزمنِ وتُشاركهمُ الثقل.
"لا أصدقُ ما يحدث،" تمتمتْ نورا وهيَ تُقلبُ الدفترَ بينَ يديها، وكأنها تخشى أنْ يتفتتَ الورقُ بينَ أناملها. "هلْ كانتْ والدةُ خالدٍ قدْ اتُّهِمتْ زورًا؟ وكيفَ استطاعَ والدُ خالدٍ أنْ يُخفيَ كلَّ هذا؟"
"يبدو أنَّ والدي كانَ يعلمُ الكثير،" قالَ خالدٌ بعينينِ مُتعبتينِ ولكنْهما مُشتعلتانِ بالعزم. "ولكنه ربما لمْ يكنْ يمتلكُ القوةَ أو الوسيلةَ لكشفِ كلِّ شيءٍ بنفسهِ. هذهِ الرسالةُ والأدلةُ التي تحدثتْ عنها أمي، هيَ ما نحتاجُ إليهِ لإعادةِ بناءِ الحقيقة."
بدأَ خالدٌ في قراءةِ الدفترِ بصوتٍ مُرتفعٍ، محاولًا فهمَ اللغةِ القديمةِ والكلماتِ المُشفرة. كانتْ هناكَ إشاراتٌ غامضةٌ إلى أشخاصٍ، وأماكنَ، وأحداثٍ لا يعرفها. بعضُ العباراتِ كانتْ تبدو كألغازٍ، مثل: "حيثُ يهمسُ الريحُ بأسرارِ النخيلِ"، أو "في ممرِّ الزمنِ المنسيِّ، حيثُ تبتسمُ الأقمارُ للقمر".
"هذهِ ليستْ كتاباتٍ عادية،" قالتْ نورا بعدَ فترةٍ منَ الصمتِ المُركز. "إنها كلماتٌ مُبطنةٌ، تحملُ معانٍ غيرَ ظاهرة. والدتُكَ كانتْ ذكيةً جدًا، خالد. إنها تُشبهُ حكاياتِ جدتي عنْ نساءٍ كنَّ يُخبئنَ الرسائلَ بطرقٍ لا تخطرُ على بال."
"أرى ذلك،" أجابَ خالدٌ. "انظري إلى هذهِ الكلمة: 'السوسن'. هلْ لها علاقةٌ بشيءٍ نعرفه؟"
"السوسن؟" كررتْ نورا. "لا أعتقدُ أنَّ هناكَ مكانًا بهذا الاسمِ قريبًا منا. ربما هوَ اسمٌ رمزيٌّ لشيءٍ آخر."
قضى الاثنانِ ساعاتٍ طويلةً وهما يُحاولانِ فكَّ رموزِ الدفتر. كانتْ جدةُ فاطمة، رغمَ أنَّ بصرها لمْ يعدْ كما كان، تستمعُ إليهما بصمتٍ وهيَ تُصلي. كانتْ تعلمُ أنَّ شيئًا عظيمًا يحدث، وأنَّ هناكَ عبئًا ثقيلًا قدْ وُضعَ على كتفي حفيدها وحفيدةِ صديقها.
"تذكرتُ شيئًا،" قالتْ نورا فجأةً. "عندما كنتُ صغيرةً، كانتْ جدتي تحكي لي قصصًا عنْ زهرةِ السوسنِ البيضاءِ التي كانتْ تُزرعُ في حديقةٍ سريّةٍ خلفَ قصرٍ قديمٍ في طرفِ المدينة. قالتْ إنها كانتْ ترمزُ إلى الصفاءِ والبراءة. لكنها لمْ تُحددْ أيَّ قصرٍ كانَ ذلك."
"قصرٌ قديمٌ؟" قالَ خالدٌ بترقب. "هلْ كانَ هناكَ أيُّ تفاصيلَ أخرى؟"
"لا أذكرُ الكثير،" أجابتْ نورا. "كانتْ مجردَ قصةٍ خياليةٍ أحببتُها. لكنْ ماذا لوْ كانَ هذا القصرُ هوَ المقصود؟ ماذا لوْ كانتْ 'عينُ الشمسِ' هيَ تلكَ الحديقةُ السريّة؟"
بدأَ الاثنانِ يربطانِ الخيوطَ ببعضها. إذا كانَ الدفترُ يحتوي على أدلةٍ، وإذا كانتْ والدةُ خالدٍ قدْ خبأتْ هذهِ الأدلةَ في مكانٍ ما، فمنَ المنطقيِّ أنْ يكونَ هذا المكانُ قريبًا منْ حيثُ عاشتْ أو كانتْ تختبئ.
"يجبُ أنْ نبحثَ عنْ هذا القصر،" قالَ خالدٌ بحزم. "حتى لوْ كانَ مجردَ حديقةٍ قديمة، ربما لا يزالُ هناكَ شيءٌ يدلُّ على ما حدث."
في صباحِ اليومِ التالي، بعدَ أنْ استأذنا منْ الجدةِ فاطمة، انطلقَ خالدٌ ونورا في رحلةٍ لاستكشافِ أطرافِ المدينة. كانَ الجوُّ في الخارجِ مُشمسًا ولكنهُ كانَ يحملُ نسماتٍ باردةٍ تُنذرُ بقدومِ فصلٍ جديد. وصلا إلى منطقةٍ شبهِ مهجورةٍ، كانتْ تُعرفُ سابقًا بأنها منطقةٌ سكنيةٌ راقيةٌ ولكنها هُجرتْ لبعضِ الأسبابِ التي لمْ تفهمها نورا حينها.
وقفا أمامَ سورٍ عالٍ، تهدمتْ أجزاءٌ منه، وبدتْ خلفهُ بقايا قصرٍ فخمٍ كانَ يومًا ما مركزًا للحياةِ والثراء. كانَ القصرُ مُغطىً بالنباتاتِ المتسلقة، وشرفتهُ الخشبيةُ بدتْ وكأنها على وشكِ الانهيار.
"هذا هوَ المكان،" قالتْ نورا بصوتٍ مُرتعشٍ وهيَ تُشيرُ إلى بقايا القصر. "أشعرُ بذلك."
تسلقا السورَ بحذرٍ ودخلا إلى الحديقةِ الموحشة. كانتْ الأشجارُ الكبيرةُ قدْ نمتْ عشوائيًا، وكانَ الترابُ يغطي كلَّ شيء. لكنْ وسطَ كلِّ هذا الإهمال، بدأتْ نورا ترى لمحاتٍ منْ الجمالِ الذي كانَ موجودًا يومًا ما. كانتْ هناكَ نوافيرُ جافةٌ، وممراتٌ مرصوفةٌ بالحجارةِ بدأتْ تتآكل.
"هلْ تذكرينَ شيئًا معينًا؟" سألَ خالدٌ وهوَ يُساعدُ نورا على تخطي كومةٍ منَ الأحجار.
"السوسن،" أجابتْ نورا. "كانتْ جدتي تصفُها بأنها تنمو بكثرةٍ في مكانٍ منعزلٍ، بالقربِ منْ مصدرِ ماءٍ صغير. وقالتْ إنها كانتْ رائحتها تفوحُ في المساء."
بدأَ خالدٌ ونورا في البحثِ عنْ مصدرِ ماءٍ أو أيِّ شيءٍ يُشيرُ إلى وجودِ حديقةٍ مزروعةٍ سابقًا. كانَ الوقتُ يمرُّ ببطء، والشمسُ بدأتْ تميلُ نحو الغرب. شعرا بالإحباطِ يتسللُ إليهما، لكنهما رفضا الاستسلام.
"انتظر!" صاحتْ نورا فجأةً، وهيَ تُشيرُ إلى زاويةٍ مُغطاةٍ بالكاملِ بالأعشابِ الكثيفة. "أرى شيئًا يشبهُ الحجرَ المنحوتَ هنا."
عملا معًا على إزالةِ الأعشاب، ليكتشفا قاعدةَ تمثالٍ حجريٍّ صغيرٍ، وكانَ هناكَ بعضُ بقايا الزهورِ المجففةِ حوله. وبجانبِ التمثال، لاحظا شيئًا غريبًا؛ بلاطةٌ حجريةٌ تبدو وكأنها ليستْ في مكانها الصحيح.
"هذهِ البلاطةُ مختلفة،" قالَ خالدٌ وهوَ يُحاولُ تحريكها. "إنها أثقلُ منَ اللازم."
بعدَ جهدٍ كبيرٍ، نجحا في رفعِ البلاطة، ليكتشفا فتحةً صغيرةً مُظلمةً تحتها. كانَ الهواءُ الذي انبعثَ منها باردًا ورطبًا، ويحملُ رائحةَ الترابِ القديم.
"هلْ تعتقدُ أنَّ الأدلةَ هناك؟" سألتْ نورا بقلبٍ يخفقُ.
"لابدَّ منْ ذلك،" أجابَ خالدٌ. "هذا هوَ المكانُ الذي وصفتهُ والدتي. 'عينُ الشمسِ'. مكانٌ مخفيٌّ، بجوارِ الماءِ، ومُخبأٌ بعناية."
أخرجَ خالدٌ هاتفهُ وأضاءَ ضوءهُ، وبدأَ يُسلطهُ على الفتحة. بدتْ وكأنها تؤدي إلى قبوٍ صغيرٍ أو مخزنٍ تحتَ الأرض.
"سأذهبُ للأسفل،" قالَ خالدٌ بعزم. "احذري، فقدْ يكونُ المكانُ غيرَ آمن."
"لا، سأذهبُ معك،" قالتْ نورا بإصرار. "لا يمكنني أنْ أقفَ هنا وأنتَ تواجهُ الخطرَ وحدكَ."
نظرتْ إلى خالدٍ، ورأتْ في عينيهِ تقديرًا واحترامًا. لمْ يكنْ الأمرُ مجردَ بحثٍ عنْ أدلة، بلْ كانَ رحلةً مشتركةً لإعادةِ بناءِ الماضي، ولإحقاقِ حقٍٍ غُيِّبَ طويلًا.
"حسنًا،" قالَ خالدٌ بعدَ لحظةٍ منَ التفكير. "لكنْ كوني حذرةً جدًا."
نزلا معًا إلى الفتحةِ المظلمة، وحينَ وصلَ خالدٌ إلى الأرضيةِ، انبعثَ صوتٌ خافتٌ منْ داخلِ المخزن. بدأتْ أصواتُ خطواتهما تترددُ في المكانِ، وشعرتْ نورا ببرودةٍ غيرَ طبيعيةٍ تُحيطُ بهما. كانَ هذا هوَ المكانُ الذي ستبدأُ فيهِ الحقيقةُ بالظهور، الحقيقةُ التي قدْ تُغيرُ حياتهما إلى الأبد.