الصديق المضحك الجزء الثالث

بئر الأسرار ووعد الرمال

بقلم سعيد الضحكة

ارتفعت الشمس، تحمل معها حرارة الصحراء المعتادة، لكنها حملت معها أيضًا ثقلاً جديدًا في قلب جاسر. لم يكن مجرد يوم عادي، بل كان اليوم الذي يعود فيه إلى أراضٍ لم يزرها منذ زمن طويل، أراضٍ اختلطت فيها الذكريات بالدم. نظر حوله في سوق العطارين، الذي كان قد بدأ يضج بالحياة. رائحة الهيل والبخور كانت تتنافس مع عبير القهوة العربية الأصيلة. كان يبدو كرجل عادي، يحمل سلالاً من الفواكه والخضروات، لكن في داخله، كان بركانًا هادئًا يستعد للانفجار.

"تذكر، لا تجعل ليلى تعرف شيئًا"، همس لنفسه، بينما يضع تفاحة حمراء لامعة فوق كومة من العنب. "هي حياتي، هي الأمل، وهي الضعف الوحيد الذي أملكه."

بعد أن أنهى ما بدا وكأنه شراء لمستلزمات يومه، انسحب بهدوء، متوجهًا نحو بوابات المدينة القديمة. كانت الجدران الطينية تتلألأ تحت أشعة الشمس، وكل حجر فيها يحكي قصة. عند بوابات المدينة، حيث كانت التجارة تزدهر والمسافرون يتنقلون، كان ينتظر قافلته الصغيرة: جملان نحيلان، وخيمة بسيطة، وبعض المؤن.

"أبو أحمد، هل أنت مستعد؟" سأل، متحدثًا إلى سائق الإبل، رجل عجوز ذو وجه تجعدت فيه السنين.

"أنا جاهز يا سيدي، الرمال تناديك. أين وجهتنا هذه المرة؟" أجاب أبو أحمد، وعيناه تلمعان بحكمة عمرها دهر.

"إلى بئر الأسرار"، قال جاسر، والكلمتان خرجتا بصعوبة، كأنهما سم ثعبان.

توسعت عينا أبو أحمد قليلاً، لكنه لم يعلق. كان يعرف أن هذا المكان ليس مجرد بئر، بل هو مكان يحمل أساطير، وأحيانًا، لقاءات مصيرية.

انطلقوا. تركت المدينة خلفهم، ودخلوا إلى امتداد الرمال الذهبية الذي لا ينتهي. كانت الشمس تخفق بقوة، وتخلق سرابًا وهميًا على الأفق. كان الصمت هو السائد، لا يقطعه سوى حفيف الرياح وهي تعبث بقمم الكثبان، وصوت حوافر الجمال وهي تسير بإيقاع منتظم.

كان جاسر يتأمل الصحراء، تلك الصحراء التي عرفها جيدًا في شبابه. كل كثبان، كل صخرة، كانت تثير فيه ذكرى. تذكر الأيام التي كان فيها "جاسر ذو السيف"، القائد الذي لا يهاب شيئًا، والذي كان يخشاه الأعداء. لكنه تذكر أيضًا الثمن. ثمن القوة، ثمن السلطة.

"لماذا يا يوسف؟" همس مرة أخرى، وكأن الصحراء كانت تستمع. "لماذا تريد مني أن أعود إلى هذا؟"

تذكر الليلة التي ترك فيها كل شيء. كانت ليلة عاصفة، مثل هذا اليوم، لكنها كانت عاصفة في روحه. قرر أن يترك حياة الظلام، أن يعيش حياة الشرف، حياة الحب. ووجد ليلى.

"هل تفكر في الحرب، أم في الحب؟" سأله صوت أبو أحمد، الذي لاحظ صمت جاسر الطويل.

ابتسم جاسر. "أفكر في كلا الأمرين يا أبو أحمد. وفي أنني أريد أن أحتفظ بكليهما."

"الحب مثل الماء، يحتاج إلى أرض صالحة لينمو. والحرب مثل الرمال، يمكن أن تجرف كل شيء"، قال العجوز بحكمة.

وصلوا إلى منطقة تتغير فيها تضاريس الصحراء. بدأت الصخور تتجمع، مكونة جبالًا صغيرة، متآكلة بفعل الرياح. كان الهواء أكثر برودة هنا، يحمل معه رائحة غريبة، خليطًا من التراب والشيء الذي لا يمكن تعريفه.

"نحن نقترب"، قال أبو أحمد، مشيرًا إلى الأمام. "المنطقة هنا خطرة. يقال إن الجن تسكنها."

ضحك جاسر ضحكة خافتة. "أنا أعرف مخاطر هذا المكان أفضل منك يا أبو أحمد. المخاطر الحقيقية تأتي أحيانًا من البشر، لا من الجن."

بعد ساعات قليلة، رأى جاسر بئر الأسرار. لم يكن مجرد بئر، بل كان فتحة واسعة في الأرض، محاطة بصخور سوداء غريبة، يبدو أنها امتصت كل ضوء حولها. في وسطها، كان هناك ماء داكن، لا يعكس السماء. كان المكان موحشًا، ينبض بالسكينة المريبة.

"هذا هو يا سيدي. مكان لقاء العجائب والأساطير."

نزل جاسر من جمله. كانت يداه ترتعشان مرة أخرى. أحاط به الصمت، صمت ثقيل، لا يبدو طبيعيًا. ألقى نظرة على أبو أحمد.

"انتظر هنا. إذا لم أعد قبل غروب الشمس، فعد إلى المدينة. أخبر ليلى أنني أحبها."

"لا يا سيدي. لا أتركك وحدك."

"أنت رجل وفيّ يا أبو أحمد، وأنا أقدر ذلك. لكن هذه المرة، لا بد أن أواجه وحدي."

مع اقتراب الشمس من المغيب، بدأ جاسر يسير نحو البئر. كانت خطواته تخطو على الرمال، والرياح تهمس بأصوات غريبة. شعر بأن الأبصار تراقبه من كل مكان.

"يوسف؟" نادى جاسر، وصوته كان يتردد في الفراغ. "أنا هنا."

لم يأتِ رد. لكنه شعر بأن هناك حضورًا. لم يكن شعورًا عاديًا، بل شعورًا قويًا، مخيفًا.

ثم، من بين الصخور السوداء، ظهر رجل. لم يكن سوى يوسف. كان أكبر سنًا، وجهه أشد قسوة، وعيناه تلمعان بنظرة حادة، نظرة مليئة بالخيانة. كان مرتديًا ملابس فاخرة، لكنها بدت متسخة بأوساخ الماضي.

"جاسر. الأسد الصغير. لقد أتيت." قال يوسف، وصوته يحمل نبرة ساخرة.

"ماذا تريد يا يوسف؟" سأل جاسر، يده تقبض على مقبض السيف الذي أخفاه تحت جلابيته.

"ما أريد؟ أريد أن أعيد أمجاد الماضي. أن أعيد العصر الذي كنا فيه الأقوياء. وأنت، يا جاسر، كنت جزءًا كبيرًا من هذه الأمجاد."

"لقد تركت تلك الأيام خلفي."

"هل حقًا؟ أم أنك خائف؟ خائف من هذه الصحراء، خائف من قوتك، خائف من نفسك؟"

كانت كلمات يوسف كسموم، تحاول أن تخترق دفاعات جاسر. كان يوسف دائمًا ماهرًا في التلاعب بالكلمات، في إشعال نار الغضب في قلوب الرجال.

"أنا لا أخاف. لكنني اخترت طريقًا مختلفًا."

"طريق الضعف. طريق الهزيمة. لقد كنت أسطورة يا جاسر. وأنت تختار أن تكون مجرد بائع أعشاب."

"إنها حياة شريفة. حياة تضمن لي السلام."

"السلام؟ السلام هو للموتى. نحن يا جاسر، نحن صائدون. نحن لا نعيش في سلام، بل في انتصار."

أخذ يوسف خطوة نحو جاسر. "لقد جمعتك هنا لسببين، يا ولدي. الأول، لأقدم لك فرصة أخيرة. انضم إليّ. أعيد بناء إمبراطوريتنا. ثروة، قوة، احترام. كل ما تريده."

"وما هو السبب الثاني؟" سأل جاسر، يشعر بالبرودة تتسلل إلى عظامه.

ابتسم يوسف ابتسامة شريرة. "السبب الثاني، هو أنني لا أحب أن أترك أخطاء الماضي تتجول بحرية. إذا رفضت، فسيكون هناك سبب آخر للقائي بك هنا. سبب نهائي."

كان الهواء يشتعل الآن، ليس حرارة الصحراء، بل حرارة التهديد. جاسر رأى الآن الوجه الحقيقي ليوسف. لقد تغير، لكن شره بقي كما هو.

"ولمَ تظن أنني سأرفض؟" سأل جاسر، يده تنزلق نحو السيف.

"لأنك أصبحت ضعيفًا، يا جاسر. لأنك تركت حب امرأة يسيطر عليك. لأنك نسيت من أنت."

"لقد تذكرت من أنا. أنا رجل لديه ما يحميه. ولن تسمح لأي أحد، ولا حتى أنت، أن يأخذه مني."

شعر جاسر بشيء ما يتغير في الهواء. بدأت الأصوات تزداد، لكنها لم تكن أصوات الرياح. كانت همسات، تهديدات.

"تبدو مستعدًا للقتال. جيد. ربما ستحتاج إلى بعض المساعدة."

من خلف الصخور، بدأ يظهر المزيد من الرجال. رجال مسلحون، وجوههم قاسية، عيونهم باردة. كانوا جنود يوسف، أعوان الظلام.

"هذه هي المعركة الأخيرة يا جاسر. إما أن تعود إلى الطريق الصحيح، أو أن تختفي في هذه الرمال، مع كل أسرارك."

كانت الشمس قد بدأت تغرب، والظل يطول. كان جاسر يعرف أن هذه ليست مجرد معركة، بل هي معركة حياة أو موت، معركة بين الماضي والحاضر، بين الظلام والنور.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%