الصديق المضحك الجزء الثالث
غواية العرش الذهبي
بقلم سعيد الضحكة
كان الصيف يضرب نوافذ منزل العائلة في حي الياسمين بزخات حرارة لم تعهدها المدينة من قبل. لم يكن الجو الخارجي هو الوحيد الذي يشتعل، بل كانت هناك نيران أخرى تتأجج في دواخل النفوس. كان مالك، الشاب الذي طالما اتسم ببشاشته وذكائه الحاد، يجد نفسه أسير شبكة معقدة من الرذائل التي تسللت إلى حياته كاللص المتخفي. لم تعد قهوته الصباحية تكفيه، بل أصبح يبحث عن جرعات أكبر وأكثر حدة لتمتعه باللحظة، وهو ما وجده في عوالم افتراضية أصبحت عالمه الحقيقي.
في البداية، كانت مجرد تسلية، مفرّ من ضغوط العمل، وربما من ثقل المسؤوليات التي بدأت تلتف حول عنقه. لكن شيئًا فشيئًا، تحولت هذه التسلية إلى إدمان خفي، يلتهم وقته وطاقته. كان يقضي ساعات طويلة في غرفته، يغلق الباب على نفسه، وعيناه مثبتتان على الشاشة المتوهجة. عالم الألعاب الإلكترونية، بكل ما فيه من انتصارات وهمية ومنافسات شرسة، أصبح يمنحه شعورًا بالقوة والسيطرة افتقده في واقعه.
أما سارة، خطيبة مالك، فكانت ترى في هذا التغير ابتعادًا غريبًا. كانت تحبه، وتحلم بمستقبلهما معًا، لكن مالك الذي عرفته، المرح، الملتزم، الحنون، بدأ يختفي تدريجيًا. كانت تشعر بذلك في نظراته الشاردة، في إجاباته المقتضبة، في غيابه عن الأمسيات العائلية التي كانت تجمعهم. حاولت مرارًا أن تتحدث إليه، أن تستفسر عن سبب انعزاله، لكنه كان يتحجج بالإرهاق، بضغوط العمل، أو حتى ببعض الصداع العابر. كانت تشعر بأن شيئًا ما يخفيه، لكنها كانت تخشى المواجهة، وتخشى أن يكون هذا الشيء أكبر من قدرتها على الفهم أو التصدي.
في أحد الأيام، وبينما كانت الأم، السيدة فاطمة، ترتب أغراض مالك استعدادًا لرحلة عائلية مخططة، اكتشفت علبًا فارغة لأدوية مسكنة قوية، لم تكن قد رأتها من قبل. تساءلت في نفسها عن سبب احتياج ابنها لمثل هذه الأدوية، خاصة وأنها لم تسمع منه قط بشكواه من آلام شديدة. ثم، لاحظت ورقة صغيرة مطوية بعناية داخل أحد الجيوب، كانت تحمل عنوانًا لموقع إلكتروني غريب، مع اسم مستخدم وكلمة مرور. فضول الأم، ممزوجًا بقلق متزايد، دفعها للبحث عن هذا الموقع.
عندما فتحت الصفحة، شعرت بالصدمة. كانت عبارة عن منصة لألعاب قمار افتراضية، مليئة بالإعلانات المبهرجة والرهانات المغرية. كانت هناك صور لعملات رقمية وعمليات سحب سريعة، وبجانبها قصص لـ "رابحين محظوظين". تذكرت حينها كل الشكاوى التي سمعتها من زوجها، السيد أحمد، عن أموال اختفت من الحسابات البنكية لأشخاص في الحي، وعن ديون تراكمت بشكل مفاجئ. هل يمكن أن يكون مالك متورطًا في هذا؟
في تلك الليلة، لم تستطع السيدة فاطمة النوم. قلبتها الهموم. مالك، ابنها الذي ربيته على طاعة الله واحترام قيمه، هل يمكن أن ينجرف إلى هذا المستنقع؟ حاولت إقناع نفسها بأنها ربما تفسر الأمر بشكل خاطئ، وأن هناك تفسيرًا بريئًا. لكن الشك كان قد تسلل إلى قلبها.
كان مالك في تلك الأثناء، غارقًا في لعبة يراهن فيها بمبالغ متزايدة. كان يشعر بنبضات قلبه تتسارع مع كل نقرة، مع كل رهان. كانت تلك اللعبة تمنحه شعورًا قويًا بالتشويق، شعورًا يجعل كل ما عداها يبدو باهتًا. كان يعرف في قرارة نفسه أن ما يفعله خاطئ، وأن هذه العادة قد تدمر حياته، لكن رغبة قوية، أشبه بالغريزة، كانت تدفعه للاستمرار. كانت تلك الرغبة عبارة عن وعد وهمي بالثراء السريع، وبالهروب من واقع لا يستطيع مواجهته.
في صباح اليوم التالي، قبل أن تشرق الشمس بالكامل، استيقظت سارة على صوت بكاء مكتوم قادم من غرفة مالك. ترددت قليلًا، ثم قررت أن تذهب إليه. وجدت الباب مفتوحًا قليلًا، فدخلت. كان مالك جالسًا على الأرض، ورأسه بين يديه، ويبدو عليه اليأس الشديد. كانت عيناه حمراوين، وملابسه مبعثرة.
"مالك؟ ما بك؟" سألت سارة بصوت مرتجف.
رفع مالك رأسه ببطء، وبدا وكأنه رأى شبحًا. لم يتكلم، فقط نظر إليها بعينين مليئتين بالدموع.
"ماذا حدث؟" كررت سارة، وهي تقترب منه.
تنهد مالك بعمق، ثم قال بصوت مختنق: "لقد خسرت كل شيء، يا سارة. كل شيء."
كانت كلماته كالصاعقة. شعرت سارة ببرودة تسري في عروقها. "ماذا تقصد؟ خسرت ماذا؟"
"المال. كل المال الذي جمعته. المال الذي كنت أدخره لمشروعنا. لقد راهنت به كله، وخسرته."
جلست سارة بجانبه، ولم تستطع الكلام. كان الأمر أكبر من مجرد خسارة مالية. كانت هذه انهيارًا لكل ما كانت تتخيله. رأت في عينيه لمحة من الخوف، ولمحة أخرى من الندم، لكن ما رأت فيه أكثر هو العمق السحيق الذي كان يسقط فيه.
عندما جاءت السيدة فاطمة لتناول الإفطار، وجدت سارة تجلس في المطبخ، وعيناها حمراوان من البكاء. سألتها عن مالك، فأخبرتها سارة بما حدث. لم تكن بحاجة إلى المزيد من الأدلة. لقد فهمت الآن. أمسكت بيد ابنتها، وقالت بصوت قوي، لكنه مليء بالحزن: "سنتعامل مع هذا. معًا."
كانت تلك هي البداية. بداية مواجهة حقيقية مع الظلام الذي كان يلف مالك، وظلام قد يتسلل إلى حياة كل من يحب. كان العرش الذهبي للربح السهل قد ألقى بظلاله القاتمة، وكان على الجميع أن يتعلموا كيف يواجهون هذا الظل، وكيف يجدون النور مرة أخرى.