الصديق المضحك الجزء الثالث

زهرة في أرض قاحلة

بقلم سعيد الضحكة

بعد قرار الجدة أمينة بإشراك الطبيب النفسي لمساعدة مالك، كان القرار قد أثار بعض الجدل في العائلة. رأى البعض، مثل العم صالح، أن الأمر مبالغ فيه، وأن الشاب يحتاج فقط إلى "تذكير بالقواعد" وأن "الرجال لا يحتاجون إلى هذه الأمور". لكن السيد أحمد، بمساندة قوية من زوجته السيدة فاطمة والجدة أمينة، أصر على رأيه. "الابن لا يُترك لمصيره،" كان يقول دائمًا. "وإذا كانت هناك وسيلة لمساعدته، فيجب أن نستخدمها."

كانت سارة، بطبيعة الحال، في صف مالك. لكنها لم تكن تعرف إلى أي مدى قد يصل هذا العلاج. كانت تخشى أن يكون مالك قد وصل إلى نقطة لا رجعة فيها. لكنها كانت مؤمنة بصدق رغبته في التغيير، وصدق مشاعرها تجاهه.

بعد أيام قليلة، كان مالك يجلس في عيادة الطبيب النفسي، الدكتور سمير، وهو رجل في منتصف العمر، هادئ وملامحه ودودة. لم يكن مالك معتادًا على الحديث عن مشاعره، لكن الدكتور سمير، بأسلوبه المهني، استطاع أن يجعله يتكلم.

"لقد شعرت بالوحدة،" بدأ مالك، وهو ينظر إلى يديه. "وحدتي كانت تجعلني أشعر بأنني غير مرئي. في تلك الألعاب، شعرت بأنني مهم. شعرت بأنني أسيطر على شيء."

"والسيطرة، هل هي شعور مريح؟" سأل الدكتور سمير بهدوء.

"نعم،" قال مالك، "لكنها كانت سيطرة وهمية. كانت كفقاعة تنتفخ ثم تنفجر."

تحدث مالك عن الضغوط التي شعر بها في العمل، وعن خوفه من الفشل، وعن رغبته في إثبات نفسه. تحدث عن شعوره بالذنب تجاه سارة وعائلته، وعن خوفه من خيبة أملهم. كان الأمر أشبه بإخراج ما تراكم في داخله لسنوات.

"إن الإدمان، يا مالك،" شرح الدكتور سمير، "هو طريقة للتكيف مع الألم أو الخوف. أنت لم تكن تبحث عن الإدمان بحد ذاته، بل كنت تبحث عن مخرج من مشاعر مؤلمة. المشكلة أن هذه المخارج تكون في الغالب وهمية، وتزيد المشكلة تفاقمًا."

كان مالك يستمع بانتباه، ويحاول أن يفهم كل كلمة. شعر بأن هناك بصيص أمل، وأن هناك من يفهم ما يمر به.

في هذه الأثناء، كان هناك شخص آخر يشهد تطورات في حياته، وهو فواز، الشاب الذي كان صديقًا قديمًا لمالك. كان فواز يعمل في محل صغير لبيع التحف والهدايا، ويحلم بإنشاء مشروعه الخاص. كان فواز قد سمع بقصة مالك، وشعر ببعض الشفقة، لكنه أيضًا شعر ببعض الغضب. كان يتذكر كيف أن مالك كان دائمًا يتفاخر بمدى تفوقه في كل شيء.

"أتمنى أن يتعلم من درسه،" كان يقول لأصدقائه. "نحن جميعًا نمر بظروف صعبة، لكن هذا ليس مبررًا للتورط في أشياء كهذه."

لكن فواز كان لديه همومه الخاصة. كان يعاني من مرض والده المزمن، وكانت نفقات العلاج تزداد يومًا بعد يوم. كان يعمل لساعات طويلة، لكن المال لم يكن يكفي. كان يشعر بضيق شديد، وبأن حياته تسير نحو المجهول.

في أحد الأيام، وبينما كان فواز يرتب بعض البضائع في المحل، صادف صندوقًا قديمًا، يبدو أنه يعود إلى أصحابه الأوائل. فتحه بدافع الفضول، فوجد بداخله بعض الرسائل القديمة، وصورة لرجل يبدو أنه جد أصحاب المحل، وكان يحمل بيده قلادة جميلة، ذات تصميم فريد. بجانب الصورة، كانت هناك ورقة صغيرة مكتوب عليها بخط أنيق: "لأعز الناس، هدية حب لا تقدر بثمن."

شعر فواز بانجذاب غريب نحو هذه القلادة. كانت تبدو باهظة الثمن، وعليها نقوش عربية قديمة. بدأ يسأل صاحب المحل عن القلادة، لكنه لم يكن يعرف شيئًا عنها.

"ربما هي هدية ثمينة،" قال صاحب المحل، "كنت أفكر في عرضها في واجهة المحل، لكنني لست متأكدًا من قيمتها الحقيقية."

أصبح فواز مهووسًا بهذه القلادة. بدأ يبحث عنها في الكتب القديمة، وعن تاريخ تصميماتها. اكتشف أنها قد تكون قطعة أثرية نادرة، ذات قيمة تاريخية ومالية كبيرة. بدأ يتخيل كيف أن هذه القلادة قد تحل مشاكله المادية، وتساعد والده على العلاج.

"يا ليت لو كانت ملكي،" تمتم فواز لنفسه.

في هذه الأثناء، كانت سارة تتابع حالة مالك عن كثب. كانت تشعر بتحسن طفيف في سلوكه، لكنها كانت تعلم أن المعركة طويلة. كانت حريصة على دعمه، وعلى أن تكون بجانبه.

في أحد الأيام، بينما كانت سارة تمر بالحي القديم، رأت محل التحف الذي يعمل فيه فواز. تذكرت أنها بحاجة إلى هدية بسيطة لوالدتها، فقررت أن تدخل. أثناء تصفحها للبضائع، لفتت انتباهها القلادة التي تحدث عنها فواز.

"ما أجمل هذه القلادة!" قالت سارة، وهي تلتقطها. "تصميمها فريد جدًا."

شعر فواز بارتباك. كان يعرف أن هذه القلادة قد تكون هي فرصته الوحيدة. لكنه لم يستطع أن يكذب على سارة.

"إنها… إنها هدية غريبة،" قال فواز بتردد. "وجدتها في صندوق قديم. ولا أعرف قصتها الحقيقية."

"ولكنها جميلة جدًا،" قالت سارة. "أظن أنني سأشتريها لوالدتي."

شعر فواز بقلب يثقل. هل يجب أن يبيع هذه القلادة، التي قد تكون مفتاح حل مشاكله، مقابل مبلغ بسيط؟ هل هذا هو الطريق الصحيح؟

"إذا كنتِ حقًا تريدينها،" قال فواز بصوت متردد، "يمكننا الاتفاق على سعر. لكن أرجو أن تعلمي أنها قد تكون لها قصة."

بدأت سارة تشعر بشيء غريب. نظرت إلى فواز، ورأت في عينيه شيئًا من الحيرة. سألته عن القصة التي تحدث عنها، وبدأ فواز يحكي لها عن اكتشافه، وعن آماله.

"يا فواز،" قالت سارة، بعد أن استمعت إليه بصبر، "إذا كانت هذه القلادة تحمل قيمة تاريخية، وربما مالية كبيرة، فربما يجب أن تبحث عن قيمتها الحقيقية بدلًا من بيعها بسعر بخس. أنت تعلم، أن مالك كان يبحث عن حلول سريعة لمشاكله، وهذه الأمور غالبًا ما تكون وهمية."

كانت كلمات سارة كالصاعقة لفواز. رأى فيها نصيحة صادقة، لم يكن يتوقعها. بدأ يفكر بشكل مختلف. ربما لم يكن بيع القلادة هو الحل الوحيد، وربما كانت هناك طرق أخرى.

"شكرًا لك يا سارة،" قال فواز بامتنان. "ربما أنتِ على حق. ربما يجب أن أبحث أكثر."

كانت تلك المحادثة بداية لتغيير في تفكير فواز. بدأت زهرة الأمل تتفتح في أرضه القاحلة، بدأت تظهر ألوان جديدة في حياته. وفهم أن الحلول الحقيقية غالبًا ما تتطلب صبرًا وبحثًا، وأن الطريق القصير غالبًا ما يكون فخًا.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%