المواقف الحلوة الجزء الثالث
الفوضى المباركة في بيت أبو أحمد
بقلم وليد المرح
كانت رائحة القهوة العربية الأصيلة تختلط بعبق الهيل والفُلّ، تفوح من فنجانٍ ارتشفه الحاج أبو أحمد متأملاً شروق الشمس البهي من نافذة مجلسه الواسع. لم يكن يدرك أن هذا الصباح الهادئ، كغيره من الصباحات في منزلهم العامر بالبهجة، على وشك أن ينقلب رأساً على عقب، بفضل خفة دم وحيوية ابنته الوحيدة، سارة.
"أبي! أبي! لقد أتى! أقسم أني سمعت صوت سيارته!"
اندفعت سارة إلى المجلس، وشعرها الأسود الفاحم يتدلى كالشلال خلفها، وعيناها تلمعان ببريقٍ شريرٍ وساحر في آنٍ واحد. تركت خلفها دوامة من الفوضى لم تخفّفها ساعات الصباح الأولى. كانت لا تزال ترتدي بيجاما مزركشة بألوان زاهية، وعلى وجهها بقعة صغيرة من الكريمة البيضاء، شاهدة على هجومها المبكر على علبة حلوى الـ"تشيز كيك" التي خبأتها أمها بعناية.
ابتسم الحاج أبو أحمد ابتسامة واسعة، وعيناه تحملان دفء الأبوة الذي لا ينضب. "من أتى يا ابنتي؟ هل هو زميلك الجديد الذي تحدثتِ عنه؟"
"لا يا أبي، ليس زميلي! إنه... إنه هو!" قالت سارة بنبرةٍ تملؤها الإثارة، ثم همست بصوتٍ بالكاد يُسمع، "ذلك الذي يخفق له قلبي."
كانت سارة، في ربيعها الثاني والعشرين، فنانة تشكيلية موهوبة، لكنها كانت تمتلك أيضاً قدرة فريدة على إحداث البلبلة بطريقةٍ ساحرة. لم تكن تفتقر إلى الأدب أو الاحترام، بل كانت تمتلك روحاً حرة، طاقة لا تنضب، ورغبة جامحة في أن تعيش الحياة بكل ألوانها.
"ذلك الذي يخفق له قلبك، تقصدين الشاب الذي لم تريه إلا مرة واحدة في معرض الكتاب؟" سأل أبو أحمد محاولاً كبح ابتسامته. كان يعلم جيداً مدى تعلّق ابنته بهذا الشاب، والذي لم يكن يعلم عنه شيئاً سوى اسمه: "عمر".
"نعم يا أبي! عمر! قال لي أنه سيزورنا اليوم ليقدم طلباً رسمياً. لا، لا، لا، ليخطبني! أرجوك قل لي أنك ستكون لطيفاً معه!" توسلت سارة، وأمسكت بذراع والدها بقوة.
"وهل تظنين يا ابنتي أني سأكون قاسياً مع من يريد الاقتراب من كنزٍ ثمينٍ كهذا؟" أجاب أبو أحمد، ومازحاً، وهو يشير إلى ابنته.
قاطعتهم أم أحمد، وهي تدخل المجلس بخطواتٍ وئيدة، تحمل صينيةً مليئةً بالتمر والمكسرات. كانت سيدةً جليلة، هادئة، ومليئة بالحكمة، وتُعدّ العمود الفقري لهذا البيت. "حياك الله يا ابنتي. صباح الخير يا شيخ."
"صباح النور يا أم أحمد. هل سمعت؟ سارة على وشك أن تُخطب."
ارتسمت ابتسامةٌ رقيقة على وجه أم أحمد. "والله خبرٌ يسعد القلب. متى سيأتي الشاب؟"
"الآن يا أمي! الآن!"
تجددت حيوية سارة، وبدأت تمشي ذهاباً وإياباً أمام النافذة، تراقب الطريق بترقبٍ شديد. كانت تشعر بقلبها يخفق بجنون، مزيجٌ من التوتر والسعادة. كانت تعرف أن هذا اليوم هو نقطة تحول في حياتها. عمر... لم يكن مجرد شاب، بل كان حلماً. كانت قد تحدثت إليه عبر الهاتف مراتٍ قليلة، ولمست في صوته رقّةً، وفي كلماته عمقاً، وفي حديثه ذكاءً. كان مهندس شاب، طموح، وذو أخلاقٍ حميدة، كما أخبرها عنه ابن عمها الذي يعرفه.
فجأة، توقفت سارة عن المشي، وحدّقت في شيءٍ خارج النافذة. "إنه هو! لقد وصل!"
انطلقت سارة بخطى سريعة نحو الباب، وتبعها والداها بتروٍ. كان أبو أحمد يتأكد من أن كل شيءٍ على ما يرام، وأن ضيفهم سيُقابل بالترحاب اللائق. أما أم أحمد، فكانت تبتسم، وتدعو الله في سرها أن يتمم أمر ابنته على خير.
وقف أمام الباب شابٌ وسيم، يرتدي ملابس أنيقة، يحمل في يديه باقة وردٍ رائعة. كان عمر، يبدو عليه بعض التوتر، لكن عينيه كانتا تفيضان بالاحترام والتقدير. عندما فتحت سارة الباب، كاد الارتباك أن يسيطر عليها، لولا أنها تذكرت فجأة نصيحة أمها: "المرأة الحكيمة هي من تحتفظ ببعض هدوئها حتى في أشد لحظات الحماس."
"أهلاً بك يا عمر، تفضل." قالت سارة بصوتٍ حاول أن يكون هادئاً، لكنه كان يرتعش قليلاً.
"أهلاً وسهلاً بك. تفضل بالدخول." رحب أبو أحمد بعمر بحرارة، وقبل كتفه، وقاده إلى المجلس.
كان عمر يشعر وكأنه يدخل عالماً جديداً. لم يرَ سارة إلا في صورٍ وفيديوهات، لكن رؤيتها أمامه الآن، بأناقتها الطبيعية، بابتسامتها التي تضيء وجهها، جعلت قلبه يرقص.
"يا هلا بشابنا الطيب! أهلاً وسهلاً بك في بيتكم الثاني." قال أبو أحمد وهو يصفّق بيديه.
"شكراً جزيلاً لكم يا عم. أنا سعيد جداً بوجودي معكم اليوم." قال عمر، ثم نظر إلى سارة، وعيناه تعبران عن إعجابٍ عميق.
بدأت المحادثة، بفضل أبو أحمد، تدور في إطارٍ ودي ومريح. سأل عن عمل عمر، عن طموحاته، عن عائلته. كان عمر يجيب بصدقٍ ولباقة، يذكر كل كلمةٍ بحرصٍ شديد. كانت سارة تجلس بجوار والدتها، تستمع إلى الحديث، وقلبها يغني. كانت تشعر بالراحة لرؤية والدها يبتسم، ولرؤية والدتها تنظر إليها بفخر.
لكن، ما لم يكن يعلمه أحد، هو أن مفاجأةً أخرى، أكثر إثارة، كانت تنتظرهم في هذه اللحظة. فجأة، سمعوا صوت جلبةٍ قادمٍ من الخارج، ثم ارتفع صوتٌ مألوف، لكنه كان يحمل نبرةً من الانزعاج.
"يا أهل الدار! هل من مجيب؟ لقد ضعتُ يا جماعة!"
تعرّفت سارة على الصوت فوراً. "يا إلهي! إنه أخي أحمد!"
انفجر أبو أحمد ضاحكاً. "أحمد؟ وماذا يفعل هنا في هذا الوقت؟"
وقبل أن يتمكن أحدٌ من الرد، فتح باب المجلس بقوة، ودخل أحمد، شقيق سارة الأكبر، وهو يمسك بحقيبته، ويحمل على وجهه تعبيراً يجمع بين الإعياء والدهشة. كان أحمد، الشاب الجامعي الذي يعيش في المدينة، قد قرر فجأةً أن يزور عائلته دون سابق إنذار.
"السلام عليكم! هل تصدقون؟ لقد ضللت الطريق! يبدو أن خرائط جوجل تخرب بي!" قال أحمد وهو يلتفت حوله، ثم توقف فجأة عندما رأى عمر جالساً معهم. "من هذا؟ هل هناك ضيوف؟"
كان وجود أحمد في هذه اللحظة بالذات، عندما كان عمر يقدم طلباً رسمياً لخطبة سارة، هو بالضبط ما كانت تخشاه سارة. كان أحمد، وإن كان طيب القلب، إلا أنه كان جريئاً، وفضولياً، ويحب أن يدخل في صلب الموضوع مباشرة.
"أهلاً بك يا بني. هذا عمر، شابٌ طيبٌ جاء ليطلب يد أختك سارة." قال أبو أحمد، محاولاً أن يبدو هادئاً.
اتسعت عينا أحمد. "يطلب يد سارة؟ حقاً؟ لم أقل لكم أن سارة عندها معجبون؟" ثم التفت إلى عمر بابتسامةٍ عريضة. "أهلاً بك يا أخي. أنا أحمد، أخو سارة. هل تعلم أن سارة فنانةٌ مبدعة؟ لكنها أيضاً... مشاكسة بعض الشيء."
ضحك الجميع، بما في ذلك عمر، الذي وجد في جرأة أحمد شيئاً مريحاً، على الرغم من أنه أضاف طبقةً إضافية من التوتر لموقفه.
"بل هي من المواهب التي تزين هذه الدار." قال عمر، محاولاً أن يكون ودوداً.
"مواهب؟ أنت تتحدث وكأنك شاعر! حسناً، أخبرني يا عمر، ما هي خططك لسارة؟ هل أنت مستعد لها؟" سأل أحمد بفضولٍ شديد، وجلس بجانبهم.
بدأ أبو أحمد يشعر بأن الأمور قد تخرج عن السيطرة. لقد كان يريد أن يكون هذا اللقاء هادئاً ومحترماً، ولكن يبدو أن "الفوضى المباركة" قد بدأت بالفعل.