المواقف الحلوة الجزء الثالث

أغوار الماضي وسرّ الرسالة المفقودة

بقلم وليد المرح

استقرّت فاطمة وعبد الرحمن في زاويةٍ هادئةٍ من المخبز، بعيداً عن ضوضاء الزبائن، ليستمعا إلى ما سيقوله العمّ. كان الرجل، الذي عرفت فاطمة اسمه أخيراً بـ "خالد"، يبدو عليه التعب والإرهاق، وكأنه يحمل هموم الدنيا على كتفيه. "أتذكرين يا فاطمة، جدّكِ؟" سأل خالد، وعيناه تلمعان بذكرى قديمة. "كان رجلاً حكيماً، صاحب ثروةٍ كبيرة، لكنه كان أيضاً رجلاً شديد الحذر. لقد خبّأ الكثير من أسراره، حتى عن أقرب الناس إليه."

بدأت فاطمة تسترجع صوراً باهتةً لوالدتها وهي تتحدث عن والدها، رجلٍ كان يعيش حياةً بسيطة، ولم يكن له من الأثر الكبير في ذاكرتها. لكنّ كلام خالد كان يشير إلى عكس ذلك تماماً. "والدتي لم تكن تتحدث كثيراً عن أبيها. كانت تقول إنه كان رجلاً صالحاً، لكن لا أكثر." قالت فاطمة، وعلامات الدهشة لا تزال باديةً على وجهها.

"هنا يكمن السرّ يا ابنتي. والدتكِ، رحمها الله، كانت تحاول حمايتكِ من عبءٍ ثقيل. لقد كان جدّكِ، المرحوم سليمان، رجل أعمالٍ لامعاً في بداياته، لكنه تعرض لخيانةٍ كادت أن تقضي عليه. ولذلك، لجأ إلى إخفاء جزءٍ من ثروته، وبعض الوثائق المهمة، في مكانٍ سريّ."

شعر عبد الرحمن بفضولٍ كبير، لكنه ظلّ صامتاً، يراقب تفاعل زوجته. كان يدرك أن هذه المعلومات قد تكون صعبةً على فاطمة، لكنه كان واثقاً من قوتها وقدرتها على التعامل مع أيّ شيء. "أين هذا المكان يا عمّي؟ وما علاقة ذلك بوالدتي؟" سألت فاطمة، وشعرت بأن خيطاً رفيعاً بدأ يربط بين ماضي عائلتها وحاضرها.

"المكان لم يعرفه إلا قلةٌ قليلة، من بينهم والدتكِ. لقد ترك جدّكِ مجموعةً من الأدلة، ألغازاً تتطلب ذكاءً لحلها. والدتكِ، قبل وفاتها، كانت تحاول هي أيضاً فكّ هذه الألغاز، وكانت تخشى أن تقع هذه الأسرار في الأيدي الخطأ. ولهذا، تركت لكِ رسالة."

"رسالة؟" كررت فاطمة، وارتعش صوتها. "لم تصلني أيّ رسالة." "هنا تكمن المشكلة،" قال خالد، وقد علا وجهه حزنٌ عميق. "لقد علمتُ قبل فترةٍ قصيرةٍ أن والدتكِ تركت لكِ شيئاً. بحثتُ عنه كثيراً، ووجدتُ دليلاً صغيراً يعتقد أنه مرتبطٌ بتلك الرسالة، لكن الرسالة نفسها يبدو أنها فُقدت أو أخفيت. والرسالة، يا ابنتي، هي مفتاح كلّ شيء. هي التي ستقودكِ إلى المكان، وإلى ما خبّأه جدّكِ."

تذكرت فاطمة الرسالة الغامضة التي وصلتها قبل أيام. هل يمكن أن تكون تلك الرسالة هي الدليل الذي تحدث عنه خالد؟ كانت الرسالة تقول: "لا تخافي، الحقيقة قادمة. انتظري ما سيأتي." لم تكن الرسالة تحمل أيّ تفسيرٍ واضح، وكانت قد أثارت قلقها، لكنها لم تتوقع أبداً أن تكون مرتبطةً بأسرار عائلية بهذا العمق.

"الرسالة التي وصلتها قبل أيام... هل يمكن أن تكون هي؟" سألت فاطمة، وشعرت بنبضات قلبها تتسارع. "أيّ رسالة؟" سأل خالد، وقد اتسعت عيناه. "رسالةٌ غامضةٌ لم تحمل اسماً. تقول 'لا تخافي، الحقيقة قادمة'."

صمت خالد للحظة، وهو يفكر. "ربما... ربما هذه هي الرسالة. ولكن، إذا كانت هي، فلماذا هي غامضةٌ هكذا؟ ولماذا لم تكتمل؟" "ربما هناك من يحاول إعاقتي." قالت فاطمة، وهي تشعر بالخوف يتسلل إلى قلبها. "ربما هناك من يريد أن تظلّ هذه الأسرار مدفونة."

"هذا احتمالٌ واردٌ جداً،" قال خالد. "جدّكِ، سليمان، كان لديه أعداءٌ كثر في عالم الأعمال. بعضهم لم ينسَ الماضي بعد. وربما، إذا اكتشفوا أن هناك من يبحث عن إرثه، فسيفعلون أيّ شيءٍ لمنعه."

نظر عبد الرحمن إلى فاطمة، وقال بحزم: "سنكتشف الحقيقة يا فاطمة. مهما كلف الأمر. وإذا كانت والدتكِ قد تركت لكِ شيئاً، فلا بدّ أننا سنعثر عليه."

كانت هذه المحادثة كاشفةً ومربكةً في آنٍ واحد. لقد بدأت فاطمة تشعر بأن حياتها لم تكن كما ظنت. كانت والدتها، التي لطالما اعتقدت أنها عرفتها جيداً، تحمل في طياتها عالماً كاملاً من الأسرار. والآن، بدأت رحلةٌ جديدة، رحلةٌ للبحث عن الحقيقة، عن رسالةٍ مفقودة، وعن إرثٍ دفين. لم تعد مجرد صاحبة مخبزٍ ناجح، بل أصبحت وصيةً على أسرار عائلتها، ومحاربةً في سبيل كشفها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%