المواقف الحلوة الجزء الثالث
أسرار الجدّ الخفية وفخٌّ محكم
بقلم وليد المرح
ازدادت فاطمة ثقةً في الرجل الذي التقت به في مقهى "زهرة الصحراء". لقد كان كلامه منطقياً، ودافعُه بدا نبيلاً. لقد أكد لها أنه لا يريد شيئاً سوى رؤية العدالة تتحقق، وأن إرث جدّها يعود إلى أصحابه الشرعيين. "لقد أخبأ جدّكِ، المرحوم سليمان، أموراً كثيرة،" قال الرجل، الذي عرّف عن نفسه باسم "أحمد". "لم تكن مجرد أموال، بل كانت هناك وثائقُ تاريخيةٌ قيّمة، وبعض المفاتيح التي لا يزال معناها غامضاً. ولكن، أعتقد أن والدتكِ كانت قريبةً جداً من فكّ الشفرة."
"وكيف علمتَ بكلّ هذا؟" سألت فاطمة، وعيناها تبحثان عن أيّ علامةٍ للشكّ في كلامه. "كنتُ أحد مساعدي جدّكِ المقربين. رأيتُ كلّ شيء. وعرفتُ أن والدتكِ كانت تحت ضغطٍ كبيرٍ لحماية هذه الأسرار. كانت تخشى عليكِ، ولذلك، تركت لكِ تلك الرسالة المشوّشة، ربما لتختبرَ ذكاءكِ، وربما لتضمنَ أنكِ لن تقعي في فخٍّ دون أن تكوني مستعدةً له."
"ولكن، ما هو هذا الفخّ الذي تتحدث عنه؟ ومن هو هذا الشخص الذي يريد منعي؟" "الشخص هو 'صالح'. رجلٌ كان يعتبره جدّكِ صديقاً، ولكنه كان في الحقيقة طماعاً وجشعاً. صالحٌ يعتقد أن جدّكِ قد سرق منه خططاً لعملٍ تجاريٍّ كبير، وأن إرثه يجب أن يعود إليه. هو الآن يبحث عن تلك الوثائق، ولا يريد لأحدٍ من عائلة سليمان أن يصل إليها قبله."
كانت فاطمة تسمع هذه القصص، وتشعر بأنها تنجرف في دوامةٍ من الأحداث. لقد كان جدّها رجلاً غامضاً، ووالدتها كانت تحمل على عاتقها أسراراً عظيمة. "وكيف يمكننا أن نصل إلى هذه الوثائق قبل صالح؟" سألت فاطمة، وهي تشعر بالإصرار يتزايد بداخلها. "الأمر ليس سهلاً،" أجاب أحمد. "لقد ترك جدّكِ مجموعةً من الألغاز. كلّ لغزٍ يقود إلى اللغز الذي يليه. والرسالة التي تلقيتها، مع الدليل الذي وجده عمّكِ خالد، هما نقطة البداية."
"وما هي الخطوة التالية؟" "أتذكرين تلك الشجرة العتيقة في حديقة منزل جدّكِ؟" سأل أحمد. "جدّكِ كان لديه عادةٌ غريبةٌ، كان يخبّئ الأشياء تحت جذورها. أعتقد أن الرسالة الكاملة، أو جزءاً مهماً منها، قد يكون هناك."
شعر عبد الرحمن، الذي كان يسمع المحادثة من بعيد، بقلقٍ متزايد. كانت الأمور تتسارع بشكلٍ غير طبيعي، وشعر بأن هناك شيئاً مريباً في طريقة سير الأحداث. "هل أنت متأكدٌ من هذا يا أحمد؟" سأل عبد الرحمن، وقد اقترب منهما. "هذه الأمور تبدو خطيرةً جداً." "أنا أفهم شكوكك يا سيدي،" قال أحمد، مبتسماً بهدوء. "ولكن، أعلم أن صالحاً قد بدأ يحرك خيوط لعبته. لقد سمعتُ أنه بدأ يستفسر عن أفراد عائلة سليمان. يجب أن نتحرك بسرعة."
قررت فاطمة أن تذهب مع عبد الرحمن إلى منزل جدّها، الذي كان خالياً منذ فترةٍ طويلة. كان المنزل يحمل ذكرياتٍ كثيرة، وعبق الماضي لا يزال يملأ أركانه. تحت إشراف أحمد، بدأت فاطمة في البحث حول الشجرة العتيقة. لقد كانت شجرةً ضخمةً، جذورها تمتدّ في الأرض بعمق.
بعد بحثٍ مضنٍ، وبينما كانت فاطمة تشعر باليأس يتسلل إليها، اكتشفت شيئاً مدفوناً تحت إحدى الجذور السميكة. لقد كان صندوقاً معدنياً صغيراً، مغطىً بالطين. فتحته فاطمة بيدين مرتعشتين، لتجد بداخله لفافةً من الورق القديم، ومفتاحاً صدئاً.
"هذه هي!" هتفت فاطمة بسعادة، وهي تنظر إلى لفافة الورق. "هذه هي الرسالة الكاملة!" "رائع!" قال أحمد، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ واسعة. "الآن، دعنا نقرأها."
فتحت فاطمة اللفافة، وبدأت تقرأ. كانت الرسالة مكتوبةً بخطٍّ أنيق، وكانت تحمل تفاصيلَ دقيقةً عن مكان إخفاء بقية الوثائق. ولكن، وسط كلّ هذه السعادة، شعرت فاطمة بشيءٍ غريب. كانت هناك فقرةٌ في الرسالة، تقول: "احذري يا ابنتي. فقد تكون الثعالبُ تتخفى في ثياب الحملان."
نظرت فاطمة إلى أحمد، ثم إلى عبد الرحمن. في عيني أحمد، رأت شيئاً من الحذر، وفي عيني عبد الرحمن، رأت علامة استفهامٍ كبيرة. "ماذا تعني هذه العبارة يا أحمد؟" سألت فاطمة. "ربما يقصد بها جدّكِ صالحاً. فهو كان يتظاهر بالولاء، ولكنه كان في الحقيقة خائناً." أجاب أحمد بسرعة.
ولكن، في تلك اللحظة، سمعوا صوتاً عالياً من خارج المنزل. لقد كان صوت سيارةٍ تتوقف فجأةً. "لقد وصل صالحٌ!" قال أحمد، وقد ظهر عليه الخوف. "يجب أن نغادر فوراً!"
ولكن، قبل أن يتمكنوا من التحرك، اقتحم الباب رجلٌ قويٌّ البنية، تبعه اثنان آخران. كان الرجل الذي اقتحم الباب هو صالح، وكانت عيناه تلمعان بالجشع والغضب. "أين هي؟" صرخ صالح. "أين الوثائق؟"