المواقف الحلوة الجزء الثالث

الكركديه والسّرّ المكنون

بقلم وليد المرح

في صمتٍ خفي، كانت أم أحمد تعدّ الكركديه. لم يكن مجرد مشروبٍ عادي بالنسبة لها، بل كان طقساً، ورمزاً. كلما شعرت ببعض القلق، أو عندما كانت تخطط لشيءٍ هام، كانت تجد في تحضير الكركديه راحةً غريبة. اليوم، كان كوب الكركديه الأحمر القاني الذي ترتشفه بهدوءٍ في مطبخها الواسع، هو ملاذها من ضجيج الصالة، حيث كان ابنها أحمد قد أطلق العنان لأسئلته الاستجوابية لعمر، ووجدت سارة نفسها بين نارين: محاولة الحفاظ على هدوئها أمام عريسها المحتمل، ومحاولة كبح جماح شقيقها الفضولي.

"يا أخي، اهدأ قليلاً. لا تضغط على عمر هكذا." قالت سارة بصوتٍ خافت، وهي تحاول سحب انتباه أحمد بعيداً عن عمر.

"أوه، أختي الصغيرة الحبيبة! أنا فقط أتأكد من أن هذا الشاب يستحقك." رد أحمد، وهو يغمز لعمر. "أنت تعرف، سارة هي أغلى ما نملك. إنها ليست مجرد أخت، بل هي ملهمتي. إنها فنانةٌ عظيمة، لكنها أيضاً... لا تعرف كيف تقود سيارتها جيداً. هل أنت مستعد للتعامل مع هذا؟"

تورد وجه عمر قليلاً. لم يكن يتوقع هذه الأسئلة الشخصية عن سارة، خاصةً من أخيها. "أعتقد أن كل شخص لديه نقاط قوة ونقاط ضعف. المهم هو التفاهم والمحبة."

"رائع! إجابة دبلوماسية. أحب هذا!" صرخ أحمد، ثم صمت لحظة، وكأنه يفكر في شيءٍ هام. "حسناً، بما أنني ضيفٌ مفاجئ، فلديّ قصةٌ أشاركها معكم. قصةٌ قد تكون لها علاقةٌ بموضوعنا."

كانت سارة تشعر بتزايد القلق. أحمد عندما يبدأ بقصة، فهذا يعني غالباً أنها ستكون مليئة بالدراما، وقد تكون محرجة.

"تذكرون يا والدي، عندما كنت في إسبانيا؟" بدأ أحمد.

"كيف لا أتذكر؟ عدتَ بوجهٍ جديد، وقصةٍ طويلة." قال أبو أحمد بابتسامة.

"بالضبط! حسناً، في إحدى جولاتي السياحية، كنت أبحث عن مقهىً جديد لأحتسي قهوتي. فوقعت عيناي على مقهىً صغير، اسمه 'أندلسي'. بدا سحرياً، بألوانه الزاهية، ورائحة التوابل التي تفوح منه. دخلت، وجلست في زاوية. طلبت قهوة. وفجأة... رأيتُها. كانت جالسةً على طاولةٍ قريبة، تقرأ كتاباً. شعرها أسودٌ كليلٍ حالك، وعيناها... يا إلهي، عيناها! كانت بحراً عميقاً."

نظرت سارة إلى عمر، ورأت أن اهتمامه بدأ يشتد. حتى أبو أحمد استمع باهتمام.

"اقتربتُ منها، وقلتُ لها، 'عذراً، هل هذا المقعد شاغر؟' أجابت بصوتٍ كالنسيم، 'تفضل.' بدأنا نتحدث، وأخبرتني أنها طالبةٌ في قسم الأدب العربي. كنا نتحدث عن الشعر، عن القصص، عن الحياة. كانت تحمل في عينيها حكمةً تفوق سنها. وفي لحظةٍ معينة، عندما كنا نتحدث عن الأحلام، نظرت إليّ وقالت، 'هل تعلم؟ أحياناً، أجمل الأحلام هي تلك التي تبدأ بكلمةٍ واحدة: ربما.'"

صمت أحمد للحظة، تاركاً الكلمات تتردد في أرجاء المجلس. ثم أكمل، "منذ تلك اللحظة، بدأتُ أشعر بشيءٍ غريب. شيءٌ لم أشعر به من قبل. كان الأمر أشبه بأن تجد قطعةً مفقودةً من ألغاز حياتك. استمرت علاقتنا... أو بالأحرى، صداقتنا... لعدة أسابيع. كنا نتقابل، نتحدث، نتقاسم لحظاتٍ جميلة. لكن في أحد الأيام، أخبرتني أنها ستغادر إسبانيا قريباً، وأنها ستعود إلى بلدها."

"هل كانت هي نفسها سارة؟" سأل عمر بصوتٍ خافت، مع كل ذرةٍ من فضوله.

ابتسم أحمد ابتسامةً غامضة. "لا يا صديقي. لم تكن سارة. بل كانت... فتاةٌ أخرى. لكنني رأيتُ فيها شيئاً من سارة. رأيتُ فيها تلك الروح الفنية، تلك الشعلة التي لا تنطفئ. ورغم أن علاقتنا انتهت، إلا أنني لم أنسَ تلك الكلمات. 'ربما'."

تنهدت سارة بارتياح. كانت قد ظنت للحظة أن أحمد قد يعرّضها للإحراج، لكن قصة أحمد كانت تحمل في طياتها معنىً أعمق.

"إذاً، يا عمر،" قال أحمد، وهو يعود إلى جوهر الموضوع، "ما الذي جعلك تقع في حب أختي؟ ما هو 'ربما' الخاص بك؟"

لم يكن عمر يتوقع هذا السؤال المباشر. كان على وشك أن يجيب، عندما قطعهم صوتٌ جديد.

"عذرًا، هل هنا بيت الحاج أبو أحمد؟"

ظهر رجلٌ في منتصف العمر، يرتدي ملابس رسمية، ويحمل حقيبة جلدية. بدا وكأنه محامٍ أو مسؤول.

"نعم، تفضل؟" قال أبو أحمد، بذهول.

"أنا المحامي فؤاد. أتيت بخصوص... الورثة." قال المحامي.

"الورثة؟ أي ورثة؟" سأل أبو أحمد، وعلامات الدهشة واضحة على وجهه.

"ورثة الحاج يوسف. أرسلوا لي وكالةً رسمية. يبدو أن هناك بنداً هاماً في وصيته يتعلق بكم."

في هذا الوقت، كانت أم أحمد قد خرجت من المطبخ، تحمل كوب الكركديه، وتنظر بعينيها الحكيمتين إلى المشهد. لم تكن تعرف ما الذي يجري، لكنها شعرت بأن يومهم لم يكن لينتهي بدون مفاجأةٍ جديدة.

"يبدو أن اليوم مليءٌ بالأحداث غير المتوقعة." قالت أم أحمد بهدوء، وهي تقدم كوب الكركديه لعمر. "تفضل يا بني. قد يساعدك هذا على الاسترخاء."

شرب عمر الكركديه، وشعر بمذاقه الحامض والمنعش يهدئ أعصابه. كان يعلم أن اليوم أصبح أكثر تعقيداً مما توقع، لكنه في نفس الوقت، كان يشعر بقوةٍ دافعةٍ تجعله يريد البقاء. كانت هذه العائلة، بكل فوضاها ومفاجآتها، تمنحه شعوراً بالدفء، وبشيءٍ... أقرب إلى المنزل.

"ما هو هذا البند الهام في وصية الحاج يوسف؟" سأل أبو أحمد المحامي، بينما كانت سارة تنظر إلى عمر، ورأت في عينيه مزيجاً من التساؤل، والترقب، والإصرار.

"البند ينص على..." بدأ المحامي، لكنه توقف. "ربما يجب أن نؤجل هذا الحديث إلى وقتٍ لاحق، بعد أن تنتهي زيارتكم الهامة."

نظر الجميع إلى عمر. كانت هذه الزيارة هي "الزيارة الهامة". لم يكن أحدٌ يتوقع أن تتحول خطبةٌ بسيطة إلى لغزٍ عائليٍّ جديد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%