المواقف الحلوة الجزء الثالث
التحدي المباغت والألوان الباهتة
بقلم وليد المرح
كانت السماء قد بدأت تميل إلى اللون البرتقالي، معلنةً قرب غروب الشمس. في غرفة المعيشة، حيث كان الأثاث الوثير والديكورات التقليدية تخلق جواً دافئاً، ساد صمتٌ ثقيل، قطعته بين الحين والآخر أصواتٌ خافتة تأتي من الصالة، حيث كان عمر، وأحمد، والحاج أبو أحمد، يحاولون فك رموز الوصية الجديدة. أما سارة، فقد انسحبت إلى مرسمها الخاص، الذي كان يقع في زاويةٍ هادئة من المنزل.
كان المرسم عالماً آخر، يعج بالألوان النابضة بالحياة، واللوحات التي لم تكتمل بعد. كانت سارة تجلس أمام لوحةٍ كبيرة، تمثل مشهداً لسوقٍ تقليدي، بألوانه المتداخلة، ووجوه الناس التي تنبض بالحياة. لكن اليوم، كانت ألوان سارة باهتة، وتعبيرات وجهها حائرة. كانت تفكر في عمر. في قدومه. في حديثه. وفي المفاجأة الجديدة التي القاها عليهم المحامي.
"الورثة... الحاج يوسف... بندٌ هام..." كانت الكلمات تدور في رأسها كدوامة. من هو الحاج يوسف؟ ولماذا هناك بندٌ يتعلق بوصيته في حياتهم؟ كانت تعرف أن والدها كان لديه بعض الأقارب الذين لم يرهم منذ سنوات، لكنها لم تفهم الرابط.
فجأة، سمعت صوت طرقٍ خفيف على باب مرسمها. "سارة؟ هل يمكنني الدخول؟"
كان صوت عمر.
نظرت سارة إلى الباب، ثم إلى لوحتها. "تفضل."
دخل عمر، حاملًا في يده كوبين من الكركديه. كان يشعر ببعض التوتر، لكنه كان يريد أن يكون بجانبها. عندما رأى مرسمها، اتسعت عيناه. "هذا... مدهش. لم أتخيل أبداً أن يكون لديكِ هذا العالم الخاص بكِ."
"أهلاً بك يا عمر. شكراً على الكركديه." قالت سارة، وهي تأخذ كوبها.
"أنا آسف على هذا الموقف الغريب. لم يكن أيٌ منا يتوقع هذا." قال عمر، وجلس بجانبها على كرسيٍ خشبي.
"لا بأس. الحياة مليئة بالمفاجآت، كما يقول أخي أحمد." قالت سارة بابتسامةٍ باهتة.
"حقا، يبدو أن هذا البيت هو أرض المفاجآت." رد عمر. "لكنني سعيدٌ أنني هنا، حتى لو كانت الأسباب غير متوقعة."
نظرت سارة إلى عمر، ورأت في عينيه صدقاً، وشجاعةً، وإصراراً. لقد أحبت في عمر هذا العمق، وهذا الهدوء الذي كان يغلّف روحه. "لماذا أنت مهتمٌ بهذا الأمر، يا عمر؟ ألا تعتقد أنه قد يكون مجرد خطأ؟"
"بصراحة؟ لا أعتقد ذلك." قال عمر. "عندما أخبرني والدي عن رحلة أبي إلى القاهرة، وعن وصية الحاج يوسف... لم يكن يعرف تفاصيلها، لكنه قال إنها شيءٌ يتعلق بـ'عائلتنا'. ووالدي هو ابن عم الحاج يوسف."
"ابن عم؟" تساءلت سارة. "والدي لم يذكر لي قط أن لديه أقارب في مصر."
"ربما لم يكن الأمر مهماً بالنسبة له. الحاج يوسف كان رجلاً غامضاً نوعاً ما. لكنه كان ذا ثروةٍ كبيرة. ووالدي قال إن الوصية قد تكون... غريبة."
"غريبة؟ كيف؟"
"لا أدري. لكن، ربما... ربما يكون هناك رابطٌ بيننا جميعاً. بين هذه المفاجآت." قال عمر، وهو ينظر إلى اللوحة. "هذه الألوان... إنها نابضة بالحياة. لكنها تحمل أيضاً شيئاً من الشجن."
"إنها تعبر عن فوضى السوق، عن الحياة بكل تناقضاتها." قالت سارة. "لكن اليوم، تبدو الألوان باهتةً لي."
"ربما تحتاجين إلى إضافة بعض الألوان الجديدة." قال عمر، وهو يمد يده ويمسك بيدها برفق. "ربما... ربما يكون هذا اللغز هو فرصةً لنا لنكتشف المزيد عن بعضنا البعض، وعن عائلاتنا."
لم تقاوم سارة هذه اللمسة. كانت تشعر بكهرباءٍ لطيفة تسري في جسدها. لقد أحبت عمر منذ اللحظة الأولى التي سمعت صوته، لكن رؤيته الآن، وجهاً لوجه، في هذه الظروف الغريبة، جعل مشاعرها تتعمق.
"هل أنت متأكدٌ أنك تريد أن تخوض في هذا الأمر؟" سألت سارة، وعيناها تتلاقى بعيني عمر.
"أنا متأكدٌ من أنني أريدكِ." أجاب عمر، بصدقٍ وجرأة. "وأعتقد أننا سنواجه هذا اللغز معاً. مهما كان."
في تلك اللحظة، سمعوا صوت أحمد القادم من الصالة: "يا جماعة! هل انتهيتم من التخطيط للإمبراطورية؟ لقد وجدتُ شيئاً مثيراً للاهتمام في الوصية!"
ابتسمت سارة وعمر. يبدو أن "الفوضى المباركة" قد بدأت للتو.