المواقف الحلوة الجزء الثالث
الوصية الملتوية والقلوب المطمئنة
بقلم وليد المرح
كان الصدمة باديةً على وجوه الجميع. ابنٌ غير شرعي؟ ثروةٌ كبيرة؟ بدا الأمر وكأنه مشهدٌ من روايةٍ بوليسية، وليس من واقع حياتهم الهادئة. أحمد، كعادته، كان الأكثر حماسةً في استيعاب الخبر، بينما كان أبو أحمد يحاول أن يجمع شتات عقله. أما عمر، فقد شعر بأن هذه الزيارة بدأت تأخذ منحىً جديداً تماماً، لكنه لم يشعر بالضيق، بل على العكس، شعر برباطٍ أقوى تجاه سارة وعائلتها، وكأنهم أصبحوا معاً في رحلةٍ مشتركة.
"ابنٌ غير شرعي؟ من أين هذا الكلام يا أحمد؟" سأل أبو أحمد، وهو يحاول استيعاب الفكرة.
"هذا ما تقوله الوصية يا أبي! مكتوبٌ هنا بوضوح: 'ولدي الوحيد، والذي لم أعترف به رسمياً، والمولود خارج إطار الزواج، إبراهيم...'" تلا أحمد بتمعن.
"إبراهيم؟" تمتمت سارة، ولم تتذكر هذا الاسم قط.
"والد عمر هو ابن عم الحاج يوسف، يا أبي." قال عمر، بجدية. "ولكن لم يذكر قط أن لدى الحاج يوسف ابنٌ غير شرعي. لو كان لديه ولد، لكان الأقارب قد عرفوا."
"ربما لم يكن الأمر معلناً." قال كريم، الذي كان لا يزال جالساً، لكن نظرته كانت تحمل الآن شيئاً من الارتباك. "لكن، إذا كان لديه ابنٌ، فمن الطبيعي أن يرث."
"لكن، لماذا لم يعلن عنه؟ ولماذا الآن؟" تساءل أبو أحمد.
"هذه هي الغموض الذي تحدث عنه والدي." قال عمر. "لدينا في عائلتنا في مصر بعض الأقارب الذين لم نرهم منذ زمن. ربما لديهم معلومات."
"وهل هذا 'إبراهيم' الذي تتحدث عنه الوصية هو أحد هؤلاء الأقارب؟" سألت أم أحمد، وهي تحاول ربط الخيوط.
"لا أدري. لكن، يبدو أن هذه الوصية تحمل أكثر من مجرد تواريخ وأرقام. إنها تحمل أسراراً." قال عمر.
"أسرارٌ تبدو وكأنها جاءت لتُعكّر صفو خطبةٍ حلوة." قال كريم، بنبرةٍ تحمل بعض الاستغراب.
نظرت سارة إلى عمر، ورأت في عينيه هدوءاً، وقدرةً على التحمل، وإصراراً على فهم الحقيقة. شعرت بالامتنان لوجوده، وبأنها ليست وحدها في مواجهة هذا اللغز.
"مهما كانت الأسرار، يا كريم،" قالت سارة، بثقة، "نحن سنواجهها معاً. وسنتأكد من أن الأمور تسير في نصابها الصحيح."
"هذا ما قلته يا عمر، أليس كذلك؟" قالت سارة، وهي تنظر إليه، وابتسامةٌ خفيفة ترتسم على شفتيها.
ابتسم عمر. "بالضبط. نحن سنواجه هذا معاً."
"حسناً،" قال أحمد، بنبرةٍ فيها حماس، "أنا متحمسٌ جداً للتحقيق في هذا الأمر. ربما يمكننا السفر إلى مصر، والبحث عن هذا 'إبراهيم'. قد تكون مغامرةً رائعة!"
"مغامرةٌ تتطلب تخطيطاً، يا أحمد." قال أبو أحمد. "ولكن، دعونا أولاً نفهم ما هي التفاصيل الدقيقة لهذه الوصية. والمحامي فؤاد هو من سيساعدنا في ذلك."
تنهد المحامي فؤاد. "بالتأكيد. لقد أعددتُ نسخةً مفصلةً منها. لكن، أعتقد أن التفاصيل تتعلق بشيءٍ كان الحاج يوسف يحبه كثيراً."
"ماذا كان يحب؟" سألت سارة.
"كان يحب... الألوان." قال المحامي. "كان شغوفاً بالألوان، وبالفن. وكان لديه مجموعةٌ كبيرةٌ من الأعمال الفنية. ويبدو أن جزءاً كبيراً من ثروته موجهٌ نحو... دعم الفنانين الشباب."
اتسعت عينا سارة. "دعم الفنانين الشباب؟"
"نعم. يبدو أن الحاج يوسف كان لديه هدفٌ خفيٌ. كان يريد أن يترك بصمةً في عالم الفن. وقد ترك، بحسب الوصية، صندوقاً سرياً يحتوي على دليلٍ لإدارة هذه الثروة، ويجب أن يفتحه شخصٌ يفهم الفن حقاً."
نظر الجميع إلى سارة، والفنانة التشكيليّة الموهوبة، التي كانت عيناها تلمعان بالفضول.
"وهل يعرفون من هو هذا الشخص؟" سأل عمر.
"الوصية غامضةٌ بعض الشيء في هذا الشأن." أجاب المحامي. "لكنها تشير إلى أن هذا الشخص يجب أن يكون لديه... 'روحٌ ترى ما وراء الألوان'. وهذا الوصف، ألا تتفقون، ينطبق تماماً على سارة؟"
شعر الجميع بالدهشة، ثم بالابتهاج. يبدو أن هذه "الفوضى المباركة" قد قادتهم إلى اكتشافٍ مذهل.
"إذن، هل هذا يعني أن سارة ستقوم بإدارة هذا الصندوق؟" سأل أحمد.
"هذا ما يبدو." قال المحامي. "ولكن، هناك شرط. يجب أن تقوم بذلك بمساعدة شخصٍ تثق به، شخصٌ يشاركها هذا الشغف. ولدينا شكٌ بأن هذا الشخص هو... عمر. فوالدته كانت فنانةً قديرة، وهو نفسه يمتلك ذوقاً رفيعاً في اختيار الأعمال الفنية."
نظر عمر إلى سارة، بعينين تفيضان بالحب والتقدير. "يسعدني ذلك كثيراً. سأكون بجانبكِ، سارة، في كل خطوة."
"وأنا أيضاً،" قال كريم، بنبرةٍ بدت الآن أكثر هدوءاً. "ربما لم أكن الشخص المناسب لسارة، لكنني أتمنى لكما كل التوفيق. وأعتقد أن هذا المشروع الفني سيكون أمراً رائعاً."
شعر أبو أحمد بالرضا. كان يومه مليئاً بالمفاجآت، ولكنه اكتشف أن هناك خيراً يكمن وراء كل هذه الأحداث. ابنته لم تخطب فقط، بل أصبحت أيضاً جزءاً من مشروعٍ فنيٍ كبير.
"إذاً، يبدو أننا سنقوم برحلةٍ إلى مصر قريباً." قال أبو أحمد، بابتسامة. "لحل لغز الوصية، وللبحث عن هذا 'إبراهيم'، ولنبدأ هذا المشروع الفني الجديد."
"رحلةٌ إلى مصر؟" صاح أحمد بفرح. "هذا رائع! ربما نجد هناك المزيد من الأسرار!"
ابتسمت سارة لعمر. كانا يقفان معاً، وقد امتلأت قلوبهما بالأمل، والترقب، وشعورٍ عميقٍ بالوحدة. لم تكن خطبةٌ عادية، بل كانت بدايةً لمغامرةٍ حلوة، مليئة بالألوان، والأسرار، والمواقف التي ستظل