الجار الطيب الجزء الثالث

العاصفة الهادئة في بيت أبو أحمد

بقلم وليد المرح

كانت الشمس تميل نحو الغروب، تلقي بأشعتها الذهبية على واجهات المنازل المتراصة في حي "الرضوان"، وهو حيٌّ هادئٌ اعتاد سكانه على رتابة أيامهم. لكن في بيت أبو أحمد، كانت الأجواء على وشك الانقلاب. أبو أحمد، الحاج عبد الرحمن، رجلٌ في أواخر الخمسين من عمره، ذا وجهٍ أسمرٍ طيبٍ تعلوه لحيةٌ بيضاءُ كثيفة، كان يجلس في صدر مجلسه الوثير، يشقُّ بصمتٍ حبةَ تمرٍ بيده اليمنى، وعيناه مثبتتان على الباب، في ترقبٍ ظاهرهُ هدوءٌ، وباطنهُ عاصفةٌ موقوتة.

دخلت أم أحمد، زينب، بهدوءٍ، تحملُ صينيةً فيها فنجان قهوةٍ بخاريٍّ تفوح منه رائحةُ الهيلِ والزعفران. وضعت الصينية على الطاولة الخشبية المنقوشة، ثم جلست قبالته، تتأملهُ بعينين تحملان مزيجاً من القلقِ والرجاء.

"أبو أحمد"، بدأت هامسةً، "أظنُّ أن علينا أن نتحدث."

ارتشف أبو أحمد رشفةً من القهوة، وعيناهُ لم تفارق الباب. "أتحدثُ معكِ يا أم أحمد. لكن قلبي لم يطمئن بعد. متى ستصلُ العروس؟"

تنهدت أم أحمد بعمق. "هذا هو مربط الفرس يا أبو أحمد. لقد اتصلتْ ليلى قبل قليل. قالَتْ إنَّ الطائرةَ تأخرتْ بسببِ سوءِ الأحوالِ الجويةِ في المنطقةِ التي مرتْ بها. وهي الآنَ في مطارِ جدة، تنتظرُ رحلةً أخرى إلى القاهرة."

زمجر أبو أحمد بصوتٍ خافتٍ، لكنه كافٍ ليشعرَ أم أحمد بثقلِ ما ينتظر. "تأخرتْ؟ أهذهِ هي بدايةُ الزواج؟ تأخيرٌ وعرقلةٌ؟ أهكذا تبدأُ الأرزاقُ؟"

"يا عبد الرحمن، اتقِ الله. قدرٌ اللهِ وما شاء فعل. هل تريدُ أن تُفسدَ فرحةَ ابنتنا قبلَ أنْ تأتيَ؟"

"فرحةُ ابنتنا؟ أيُّ فرحةٍ ونحنُ على أعتابِ ليلةِ العمرِ، وابنتنا حبيبتنا الوحيدةُ غائبةٌ؟ يا ليتَ الأمرُ كانَ مجردَ تأخيرٍ بسيط. المشكلةُ ليستْ في التأخيرِ يا زينب. المشكلةُ في هذا الشابِ الذي سيأخذُ ابنتنا. أحمدٌ… أنتِ تعرفينَ أحمد. شابٌ طيبٌ، لكنه… قليلُ الحيلةِ بعض الشيء. أخشى عليهِ من صعابِ الحياةِ الجديدةِ. ومن مسؤوليتهِ تجاهَ ليلى."

"وهلِ الشابُ الذي لا يملكُ كنوزَ قارون هو قليلُ الحيلةِ؟ أحمدٌ شابٌ مجتهدٌ، لهُ طموحٌ، وإصرارٌ. وواللهِ إنَّ محبتهُ لليلى تفوقُ كلَّ الثراءِ. ألمْ ترَ كيفَ كانَ يتفانى في دراستهِ؟ وكيفَ كانَ يعملُ في وقتٍ فراغهِ ليُعينَ والدتهُ؟ هذهِ صفاتٌ نبيلةٌ يا أبو أحمد. لا تجعلْ خوفكَ على ابنتنا يعمي بصيرتكَ عنْ محاسنِ خطيبها."

"أنا لا أخافُ عليها يا زينب. أنا أريدُ لها كلَّ خيرٍ. أريدُ لها حياةً مستقرةً، هانئةً. بيتًا عامرًا، ورجلًا يعتمدُ عليه. وهذا الشابُ… ألستِ تعلمينَ أنهُ لا يملكُ سوى شقةٍ صغيرةٍ استأجرها بالكادِ، ووظيفةٍ راتبها بالكادِ يكفي أجرَ اليومِ؟"

"وما شأنُ ذلكَ؟ هلِ المادةُ هي كلُّ شيءٍ؟ لقدْ تعاهدَا يا أبو أحمد. تعاهدَا على بناءِ مستقبلٍ لهما معًا. وسيُعينهم اللهُ. ألمْ تكنْ بدايتكَ أنتَ وأمكِ كذلك؟ بيتٌ متواضعٌ، بالكادِ يكفي، ورزقٌ قليلٌ، ولكنَّ البركةَ كانتْ في قلوبكما، وفي سعيكما. وحمدتُم اللهَ فزادكم."

تنهد أبو أحمد مرةً أخرى، نفثَ دخانَ قهوتهِ المتصاعدِ إلى الأعلى. "هذا صحيحٌ. ولكنَّ الظروفَ تختلفُ. واليومَ، متطلباتُ الحياةِ أصبحتْ أثقل. وليلى، ابنتنا، اعتادتْ على حياةٍ كريمةٍ، ورفاهيةٍ… هلْ سنُحرمها من كلِّ هذا؟"

"الرفاهيةُ يا أبو أحمد ليستْ في كثرةِ المالِ. بلْ في راحةِ البالِ، والسعادةِ الهادئةِ. وليلى فتاةٌ ذكيةٌ، وقنوعةٌ. ستقدرُ تعبَ زوجها، وستُعينهُ على بناءِ عشِّهما. بلْ إنني أرى في هذا التحدي فرصةً لها لتُظهرَ معدنها الأصيل."

كانَ صوتُ أم أحمد هادئًا، لكنه يحملُ قوةً وإقناعًا، قوةَ امرأةٍ تفهمُ الحياةَ، وتُقدرُ المعدنَ الأصيلَ في الرجالِ والنساء.

"حتى لو استقرَّ الأمرُ، وبدأتْ الحياةُ… متى ستُقامُ الزيارةُ الرسميةُ؟ لمْ يتفقْ أحدٌ على موعدٍ بعد. أهكذا يُدبرُ أمرُ الزواج؟ عجلةٌ تدورُ، ولا ندري إلى أينَ ستصلُ."

"أحمدٌ سيتصلُ غدًا ليرتبَ الأمورَ. كلُّ شيءٍ سيُحلُّ بإذنِ الله. فقطْ كنْ مطمئنًا. والدعاءُ هو مفتاحُ كلِّ خير."

في هذهِ اللحظةِ، وصلَ إلى سمعِ أبو أحمد صوتُ هاتفِهِ المحمولِ يرنُّ. نظرَ إلى الشاشةِ، ثمَّ قالَ لأم أحمد: "إنها ليلى. لعلَّ فيها خبرًا سارًا."

رفعتْ أم أحمد رأسها إليهِ، وقلبها يخفقُ. "هاتِ الهاتفَ."

أخذَ أبو أحمد الهاتفَ، وأجابَ بصوتٍ حاولَ أنْ يبدوَ مطمئنًا: "أهلاً يا ابنتي. كيفَ حالكِ؟"

توقفَ أبو أحمد للحظةٍ، تتسعُ عيناهُ تدريجيًا، ويتغيرُ تعبيرُ وجههِ منَ القلقِ إلى الدهشةِ، ثمَّ إلى مزيجٍ منَ الانزعاجِ والفرحِ الغامض. "ماذا؟ العروسُ؟ في منزلنا؟ الآن؟"

أمسكتْ أم أحمد بذراعِ زوجها، وهمستْ بقلقٍ: "ماذا قالتْ؟"

أومأَ أبو أحمد برأسهِ، ثمَّ قالَ في الهاتفِ: "حسناً يا ابنتي. سنستقبلُكم. البابُ مفتوحٌ."

أغلقَ أبو أحمد الهاتفَ، ونظرَ إلى أم أحمد بعينينِ كأنَّهما رأتا شيئًا عجيبًا. "واللهِ إنَّ الأمورَ تسيرُ بسرعةٍ تفوقُ الخيال!"

"ماذا حدثَ؟"

"ليلى… اتصلتْ لتقولَ إنَّ رحلتها الثانيةَ لمْ تتأخرْ. بلْ وصلتْ مبكرًا! وأنَّ أحمدَ، ومنْ معه… قدْ وصلوا إلى القاهرةِ بالفعلِ! وهم الآنَ… في طريقي إلى المنزلِ!"

شهقتْ أم أحمد، ووضعتْ يدها على فمها. "الآن؟ هلْ أنتَ جادٌّ؟"

"واللهِ يا زينب. قالَ إنهم يريدونَ زيارةً مفاجئةً. لمْ يذكروا سببًا. ولكنَّ الأكيدَ أنهم سيصلونَ في غضونِ دقائق!"

نهضَ أبو أحمد بسرعةٍ، وبدتْ عليهِ علاماتُ الارتباكِ والإثارةِ معًا. "يا لهُ منْ شابٍ! يأتي لزيارتنا قبلَ أنْ نُجهزَ أنفسنا! عجيبٌ أمرُهُ! بسرعةٍ يا زينب! أينَ الثيابُ الرسميةُ؟ هلْ هناكَ ضيوفٌ غيرُ متوقعين؟"

"اهدأْ يا أبو أحمد. كلُّ شيءٍ سيكونُ جاهزًا. سأُعدُّ لهم ما يلزم. ولكنْ… هلْ أحمدُ قادمٌ وحدهُ؟"

"لا أدري! لمْ تسألْ ليلي عنْ ذلك. ولكنْ… وجودُهُ في هذهِ اللحظةِ بالذاتِ… لهُ معنى. ربما يريدُ أنْ يُقدمَ شيئًا. أوْ يُفاجئنا بشيءٍ. المهمُ الآنَ هو الاستقبالُ اللائقُ. اجعلي المجلسَ يلمعُ، وجهزي لهم ما يتيسرُ منْ طعامٍ وشرابٍ. ولتكوني أنتِ في أبهى حلةٍ."

كانَ أبو أحمد يتحدثُ بسرعةٍ، يتحركُ هنا وهناك، يجمعُ الأوراقَ المتناثرةَ، ويُعدِّلُ وسائدَ المجلس. بدتْ عيناهُ تلمعانِ بحماسٍ جديدٍ، وذهلُهُ الأولُ قدْ تحوَّلَ إلى ترقُّبٍ لحدثٍ غيرِ متوقعٍ، ولكنَّهُ ربما يحملُ في طياتهِ مفتاحَ حلِّ كلِّ ما كانَ يُقلقهُ.

دخلتْ الخادمةُ "فاطمة" تحملُ مكنسةً، ونظرتْ إلى أبي أحمد بدهشة. "يا سيدي، هلْ هناكَ ضيوفٌ؟"

"نعم يا فاطمة! ضيوفٌ مهمون! استعدي! أسرعي بترتيبِ المجلسِ وتنظيفِ الحديقةِ. ورُبما اطلبي منَ الخبازِ المجاورِ بعضَ الحلوياتِ الطازجةِ. كلُّ شيءٍ يجبُ أنْ يكونَ مثاليًا!"

كانتْ العاصفةُ الهادئةُ في بيتِ أبو أحمد قدْ بدأتْ تُظهرُ رياحها الأولى، رياحُ مفاجأةٍ لمْ يكنْ أحدٌ ينتظرها، ولكنها ربما كانتْ هيَ البدايةُ الحقيقيةُ لقصةٍ جديدةٍ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%