الجار الطيب الجزء الثالث
خيوط متشابكة في بيت العائلة
بقلم وليد المرح
كانت نسمة الصباح الأولى تتسلل بخجل عبر نوافذ منزل العم أبو أحمد، حاملة معها رائحة الياسمين المتفتحة وحديث الطيور المبكر. استيقظت ليلى على هذا النسيم العليل، وشعرت بقلبها يرقص إيقاعاً لا تعرف سببه. نهضت من فراشها، وتوجهت نحو النافذة، تتأمل الشمس وهي تبدأ رحلتها فوق أسطح البيوت المتراصة، وترسم خيوطاً ذهبية على واجهة منزلهم المتواضع.
لم تكن ليلى تدري દિવસે، بل كانت تنتظره. تنتظر رؤية أحمد، تنتظر سماع صوته، تنتظر تلك النظرة الحانية التي تذيب جليد مخاوفها. كانت العلاقة بينهما تتطور بخطى وئيدة، كزهرة تتفتح ببطء لتكشف عن ألوانها البديعة. كان أحمد، ذلك الشاب الطموح والحنون، قد شغل حيزاً كبيراً من تفكيرها، ليس فقط كجار طيب، بل كشخص بدأ يلامس وتراً حساساً في روحها.
في ذلك الصباح، كان العم أبو أحمد يجلس كعادته في فناء الدار، يحتسي قهوته العربية الأصيلة، ويقرأ جريدته الصباحية. كان رجلاً يحمل في طياته حكمة السنين، وهدوء الطبيعة، وعمق الإيمان. اقتربت منه ليلى، وقبلت يده بحنان. "صباح الخير يا عمي"، قالت بصوت خفيض.
ابتسم العم أبو أحمد، وأشار إليها بالجلوس بجانبه. "صباح النور والسرور يا ابنتي. تبدو اليوم كعروس تزف."
احمر وجه ليلى خجلاً. "لا يا عمي، مجرد صباح جميل."
"الجمال يا ابنتي لا يكون بالصباح فقط، بل ينبع من القلب. والقلب السعيد ينعكس على الوجه."
تنهدت ليلى، وشعرت بأنها بحاجة إلى البوح. "يا عمي، هل يمكنني أن أسألك شيئاً؟"
"تفضلي يا ابنتي. بيت أبو أحمد ليس له باب سوى باب الصدق والمحبة."
"أحمد... كيف تراه؟"
توقفت ليلى عن الكلام، وعينيها تبحثان عن رد في وجه العم أبو أحمد. بدا وكأن العم أبو أحمد كان ينتظر هذا السؤال. رفع عينيه عن الجريدة، ونظر إليها بتفهم.
"أحمد ابني... ونعم الابن. شاب يعتمد عليه، خلوق، ذو قلب طيب. لم أرَ فيه ما يشين في حياتي. ولكن، هل هو ما تريده ليلى؟"
كان سؤاله مباشراً، ولكنه كان يحمل في طياته الكثير من الاهتمام. شعرت ليلى بأن الجدار الذي بنته حول قلبها بدأ يتهدم. "إنه... طيب جداً يا عمي. وأنا... أحترمه كثيراً."
"الاحترام بداية، وليلى. ولكن المشاعر تتغير، وتكبر. هل قلبه ينبض لكِ؟ وهل قلبكِ ينبض له؟"
لم تستطع ليلى الإجابة. كانت مشاعرها ما تزال في طور التشكل، كالطين الذي ينتظر يد الفنان ليمنحه شكله النهائي. كانت تخشى أن تعترف بما تشعر به، خوفاً من أن تبدو متعجلة، أو أن يكون أحمد لا يشعر بنفس القدر.
في تلك الأثناء، كان أحمد قد بدأ يومه في ورشة النجارة الخاصة به. كانت رائحة الخشب المعتق تفوح في المكان، ممزوجة بصوت المطرقة وهي تضرب الأزاميل. كان يعمل بجد، وبشغف، ولكن عقله كان يسبح في بحر أفكار لا تنتهي. كانت ليلى قد أصبحت جزءاً لا يتجزأ من تفكيره. لم يعد مجرد جار، بل أصبحت ملاذاً لروحه، وسبباً لابتسامته.
كانت تذكره في كل تفصيل. في صوت ضحكتها الذي يشبه أجراس الكنيسة، في حياء عينيها الذي يخفي قوة لا يستهان بها، وفي طيبة قلبها التي تفيض على كل من حولها. كان يحلم باليوم الذي سيتمكن فيه من البوح بكل ما في قلبه، ولكن كان هناك حاجز. حاجز الالتزام بواجباته تجاه عائلته، وحاجز الرغبة في تقديم الأفضل لها.
كان قد سمع بخبر سفر ابن عمته، سعيد، الذي كان قد غاب عن الأنظار منذ فترة. كانت والدته، عمتي فاطمة، قد تحدثت إليه كثيراً عن خطوبة أحمد وسعاد (ابنة خالة أحمد). كانت هذه الفكرة قد بدأت تزعجه. لم يكن يرغب في الارتباط بسعاد. كانت سعاد فتاة لطيفة، ولكنها لم تكن تملك تلك الشرارة التي وجدها في ليلى. كانت علاقتهم أشبه بعلاقة أخوية، ولم يكن يرغب في تحويلها إلى شيء آخر.
"يا أمي"، قال أحمد لوالدته في ذلك اليوم، "أنا لست مستعداً للزواج الآن. أريد أن أستقر في عملي أولاً، وأن أبني مستقبلي."
نظرت إليه والدته بعينين لامعتين. "ولكن يا بني، سعاد فتاة جميلة، ومناسبة لك. عمتك فاطمة قد تحدثت في الأمر."
"يا أمي، أنا أحترم سعاد، ولكنني لا أشعر تجاهها بما يجعلني أفكر في الزواج."
"وماذا تشعر يا أحمد؟ هل هناك فتاة أخرى في بالك؟"
لم يستطع أحمد كتمان الأمر أكثر. "أنا... أنا أرى في ليلى كل ما تتمناه أي فتاة. إنها ذكية، طيبة، وحنونة."
ارتعش جسد والدته قليلاً. "ليلى؟ ابنة جارنا؟ هل هذا ما تقصده؟"
"نعم يا أمي. ولكنني لم أتحدث معها في هذا الأمر. فقط... أرى فيها كل الخير."
ساد صمت ثقيل في الغرفة. كانت والدة أحمد، السيدة خديجة، امرأة حكيمة، ولكنها كانت أيضاً أمّاً تخشى على مستقبل ابنها. كانت تعرف أن الزواج في عائلتهم يتم عن اتفاق بين العائلتين، وأن الارتباط بفتاة من عائلة أخرى قد لا يكون سهلاً.
"يا بني، الأمر ليس بهذه البساطة. العادات والتقاليد تلعب دوراً. يجب أن نتحدث مع والدك أولاً."
في نفس الوقت، كانت حياة ليلى تتعقد قليلاً. لم يكن مجرد أحمد من يحمل مشاعر تجاهها. فقد لاحظت نظرات الشاب خالد، ابن جارهم الآخر، الذي كان يتردد على بيتهم كثيراً بحجة زيارة أصدقائه. كان خالد شاباً مستهترًا بعض الشيء، ولكنه كان يملك مالاً وفيرًا، وكان والديه يبحثان له عن عروس مناسبة.
شعرت ليلى بالضيق من اهتمامه الزائد. كانت تحاول تجنب لقائه، ولكن الأمر لم يكن سهلاً. ذات يوم، عندما كانت تساعد والدتها في ترتيب بعض الحاجيات في المخزن، وجدته يقف على باب المخزن، ينظر إليها بنظرة غريبة.
"ماذا تفعل هنا يا خالد؟" سألت بصوت حذر.
"كنت أبحث عن بعض الأدوات لأصلح شيئاً في حديقتي. ورأيتكِ هنا."
"تفضل بالدخول إذا كنت تحتاج شيئاً."
"لا، شكراً. كنت فقط أرغب في التحدث معكِ قليلاً."
"التحدث؟ عن ماذا؟"
"عن... عن مستقبلكِ."
شعرت ليلى بأن دماءها تجمدت في عروقها. "مستقبلي؟"
"نعم. رأيت فيكِ فتاة ذكية وطموحة. وأنا... أنا معجب بكِ كثيراً. أرغب في مساعدتكِ في تحقيق أحلامكِ."
كانت كلماته تحمل إيحاءات لم تستسغها. نظرت إليه بعينين متسائلتين. "شكراً لك يا خالد، ولكنني لا أحتاج إلى مساعدتك."
"لا تفهميني خطأ يا ليلى. أنا أقصد خيراً. أرغب في أن أكون بجانبك."
"أنا سعيدة بحياتي كما هي يا خالد. وأنا... مرتبطة."
لم يكن ذلك صحيحاً، ولكنها شعرت بأنها بحاجة إلى وضع حد له.
"مرتبطة؟ بمن؟" سأل بتعجب.
"بشخص... في قلبي."
اختفت ابتسامة خالد، وحل محلها تعبير غاضب. "أتمنى لكِ التوفيق."
خرج خالد من المخزن مسرعاً، تاركاً ليلى تشعر بالارتباك والضيق. كانت تعلم أن مشاعرها تجاه أحمد بدأت تتجذر، ولكنها لم تكن تتوقع أن تكون هناك عقبات بهذه السرعة. كانت تلك الخيوط المتشابكة في بيت العائلة، وفي بيوت الجيران، تبدأ في نسج قصة لم تكن تتوقعها.