الجار الطيب الجزء الثالث

أشباح الماضي تتجسد في وساوس الحاضر

بقلم وليد المرح

توغل الوليد في مكتب المحامي رشيد، كمن دخل إلى معركةٍ غير مستعدة لها تفاصيلها. كان يشعر بوطأة المستندات التي حملها، تلك التي زعم أنها دليلٌ دامغٌ على خيانةٍ ماليةٍ ارتكبها والده. كل كلمةٍ قرأها، كل رقمٍ رآه، كان يطعن قلبه بسكينٍ بارد. كيف لوالده، الرجل الذي احترمه وقدره دوماً، أن يقوم بمثل هذا الفعل؟ هل كان كل ما يعرفه عنه مجرد قناعٍ يخفي وراءه وجوهاً أخرى؟

جلس المحامي رشيد، ذو الملامح الحادة والنظرة الثاقبة، مقابل الوليد. كان يقلب الأوراق بعناية، وكأن كل ورقةٍ تحمل سراً عظيماً. "يا سيد وليد، ما قدمته لي يثير قلقاً بالغاً. ادعاءاتٌ خطيرةٌ كهذه تتطلب أدلةً لا تقبل الشك. هل أنت متأكدٌ تماماً من صحة هذه المستندات؟ ومن مصدرها؟"

ارتجف صوت الوليد وهو يجيب: "هذه المستندات… وجدتها في مكانٍ سري. كانت مخبأةً بعناية. ورأيت فيها ما جعلني أقطع كل الشكوك. إنها رسائلٌ، وكشوفاتٌ مالية، وعقودٌ تبدو مزورة."

"مزورة؟" رفع المحامي رشيد حاجبه، وبدت عيناه تلمعان بالاهتمام. "من قام بتزويرها، ومن المستفيد؟"

"هذا ما أريد معرفته." قال الوليد بحرقة. "كل شيء يشير إلى أن والدي قد استغل منصبه، وأن هناك صفقاتٌ تمت في الخفاء. لكنني لا أستطيع أن أصدق ذلك. هناك شيءٌ لا يبدو صحيحاً."

"وهذا الشعور هو ما دفعك للحضور إليّ." قال المحامي بهدوء. "إذا كانت هذه المستندات مزورة، فهذا يعني أن هناك من يحاول الإيقاع بك، أو بمؤسستكم. وهناك احتمالٌ آخر، وهو أن تكون هذه المستندات حقيقية، وأن والدك قد تورط بالفعل. في كلتا الحالتين، فإننا أمام صراعٍ شرس."

كانت كلماته كالقنبلة الموقوتة. كان الوليد يشعر بأن كل شيءٍ حوله بدأ يتصدع. لم يكن يتوقع أن تكون القضية بهذا التعقيد، أو أن تحمل في طياتها أبعاداً قد تتجاوز بكثير ما رآه في البداية.

خرج الوليد من مكتب المحامي، وشعورٌ بالضياع يلفه. كان الهواء الخارجي يبدو ثقيلاً، والمدينة صاخبةٌ بشكلٍ لا يطاق. لم يعد يرى في وجوه المارة سوى انعكاسٍ لشكوكه. هل كانت والدته صادقةً في كلامها؟ هل كان هناك من يستغل غضبه وحزنه؟

في هذه الأثناء، كانت السيدة فاطمة تعيش أشد لحظات قلقها. بعد خروج الوليد، لم تستطع الجلوس. ذهبت إلى غرفة زوجها، وجدته جالساً على طرف السرير، واضعاً رأسه بين يديه.

"أبو الوليد، ماذا حدث؟" سألت بقلق. "لم تعد تبدو على ما يرام."

رفع أبو الوليد رأسه، وكانت عيناه حمراوين. "لقد اتصل بي المحامي رشيد. الوليد… ذهب إليه."

جمدت الدماء في عروق السيدة فاطمة. "إلى المحامي؟ وماذا قال له؟"

"قال لي إنه وجد بعض المستندات التي تدعم شكوكه. وأن الوليد يريد مواجهتي."

"يا إلهي." تمتمت فاطمة، وهي تجلس بجانبه. "إنه ينهار. يجب أن نتحدث إليه. يجب أن نخبره بالحقيقة كاملةً."

"لكن يا فاطمة، الحقيقة… قد تدمرنا جميعاً. خاصةً إذا انكشفت التفاصيل التي لا يريدها أحد أن تظهر."

"ولكن استمرار هذا الكذب سيقضي علينا أيضاً." قالت فاطمة بحزم. "لقد تحملنا الكثير. حان وقت المواجهة. يجب أن نكون صادقين معه. إنها عائلتنا."

تبادلا نظراتٍ عميقة، نظراتٍ تحمل في طياتها سنواتٍ من الأسرار والمخاوف. كانت قراراتٌ صعبةٌ تنتظرهما، قراراتٌ قد ترسم مستقبل عائلتهما.

في زاويةٍ أخرى من الحي، كان أبو خالد، الصديق الوفي، قد عاد إلى منزله. كان يشعر بأن شيئاً ما ليس على ما يرام. رآه الوليد خارجاً مبكراً، ودخل إلى مكتب المحاماة. كان الأمر غريباً. لطالما كان الوليد شاباً هادئاً، لا يلجأ إلى مثل هذه الأمور إلا إذا كان الأمر جللاً.

اتصل أبو خالد بزميله القديم، السيد أبو أنس، الذي كان يعمل معه في مؤسسةٍ ماليةٍ كبيرة قبل سنوات. كان أبو أنس يعرف الكثير من تفاصيل الماضي، وكان شاهداً على أحداثٍ عصيبة.

"أبو أنس، أرجو أن تسامحني على إزعاجك في هذا الوقت المبكر. لكني أشعر بأن هناك أمراً جللاً يحدث." قال أبو خالد.

"ماذا حدث يا صديقي؟ هل هناك مشكلة؟"

"أخشى ذلك. رأيت الوليد، ابن أبو الوليد، خارجاً مبكراً ومتجهاً إلى مكتب المحامي رشيد. وبدا عليه القلق الشديد."

صمت أبو أنس للحظة، ثم قال بصوتٍ خفيض: "المحامي رشيد؟ هذا يبدو مقلقاً. هل تتذكر تلك القضية القديمة التي تم حلها بصعوبة؟ قضية… الشكوك حول الصفقة الكبرى؟"

"أتذكرها جيداً. لقد كادت أن تدمر سمعة الكثيرين."

"أعتقد أن هناك رابطاً." قال أبو أنس. "أتذكر أن هناك شخصاً كان له مصلحةٌ في تلك الصفقة. شخصٌ كان يحمل ضغينةً عميقة."

"من تقصد؟" سأل أبو خالد، وشعر بأن قلبه ينقبض.

"شخصٌ يدعى… ناصر. كان موظفاً قديماً في مؤسسة والد الوليد، وتم فصله بطريقةٍ أثارت غضبه. كان يردد وقتها أنه سينتقم."

"ناصر؟" تذكر أبو خالد ذلك الرجل. لقد كان دائماً ما يبدو غاضباً، وكأنه يحمل هماً ثقيلاً. "لكن… كيف له أن يصل إلى الوليد بهذه المعلومات؟"

"هذا هو السؤال الأهم." قال أبو أنس. "ربما استغل الوليد وحزنه، أو ربما… استطاع الحصول على بعض المستندات بطرقٍ غير شرعية. علينا أن نكون حذرين."

كانت هذه المعلومات بمثابة شرارةٍ أشعلت مخاوف أبو خالد. لقد عرف جيداً أن الشكوك القديمة قد تعود لتطفو على السطح، وأن أشباح الماضي قد تبدأ في مطاردة أحلام الحاضر.

في هذه الأثناء، كانت لمى، ابنة أبو الوليد، تشعر بالوحدة والقلق. منذ رحيل أخيها، وهي في حالةٍ من التوتر المستمر. حاولت أن تتحدث مع والدتها، لكنها كانت تبدو شاردة الذهن. حاولت أن تتحدث مع والدها، لكنه كان غارقاً في أفكاره.

جلست في غرفتها، تنظر إلى السماء من النافذة. كانت تتذكر أيام الطفولة، الأيام التي كانت فيها العائلة متماسكة، والأحزان خفيفة. كيف وصل بهم الحال إلى هذه النقطة؟ هل هناك خطأٌ ما ارتكبوه جميعاً؟

فجأة، سمعت صوت هاتفها يرن. كان رقماً غريباً. ترددت قبل أن تجيب. "مرحباً؟"

جاء صوتٌ غريب، رجولي، ولكنه بدا متوتراً. "هل أتحدث إلى الآنسة لمى؟"

"نعم، أنا هي."

"أنا… أنا صديقٌ قديمٌ للعائلة. لدي معلومةٌ مهمةٌ أود أن أشاركها معكِ. أمرٌ يتعلق بأخيكِ الوليد."

شعرت لمى بصدمةٍ مفاجئة. "من أنت؟ وما هي المعلومة؟"

"لا يمكنني أن أفصح عن هويتي الآن. لكن يجب أن تعرفي أن أخاكِ في خطر. هناك من يحاول استغلاله. وأنا أرى أنكِ الوحيدة التي قد تستطيعين مساعدته."

"كيف؟" سألت لمى، وصوتها يرتعش.

"يجب أن تتقابلي معي. غداً، الساعة الثالثة عصراً، في حديقة الأندلس. لا تخبري أحداً. هذا مهمٌ جداً."

أغلق الخط. تركت لمى الهاتف يسقط من يدها. كان قلبها يدق بعنف. من هذا الشخص؟ وما هو الخطر الذي يهدد أخيها؟ كانت هذه الرسالة الغامضة نهايةً لبدايةٍ مظلمة، وبدايةً لمسارٍ جديدٍ مليء بالمفاجآت، والتشويق، والمخاطر.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%