الجار الطيب الجزء الثالث

نزول السماء في أرجوحة الأمل

بقلم وليد المرح

ما هي إلا دقائقُ معدودةٌ حتى سمعَ أبو أحمد صوتَ صفارةِ سيارةٍ تقفُ أمامَ بابِ المنزلِ. نهضَ مسرعًا، وأم أحمد خلفهُ، ترتدي جلابيتها الجديدةَ المطرزةَ، وعطرُ الياسمينِ يفوحُ منها. فتحَ أبو أحمد البابَ، فإذا بسيارةٍ فارهةٍ سوداءَ تقفُ، ومنها ينزلُ أحمد، الشابُّ الذي كانَ يشغلُ بالَ أبو أحمد. ولكنْ… لمْ يكنْ وحدهُ.

معَ أحمد، نزلَ رجلٌ ذو هيبةٍ، شَعرهُ فضيُّ اللونِ، وجههُ مُشرقٌ بابتسامةٍ دافئةٍ، وعيناهُ تلمعانِ بذكاءٍ وحكمة. وكانَ بجانبهِ رجلٌ آخرُ، أصغرُ سنًا، يرتدي بدلةً أنيقةً، ويبدو عليهِ أنهُ ذو شأنٍ.

تقدمَ أحمد بخطواتٍ سريعةٍ، وفي يديهِ باقةُ وردٍ حمراءَ. اقتربَ منْ أبو أحمد، وانحنى ليُقبِّلَ يدهُ. "السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاته، يا عمي الحاج عبد الرحمن."

"وعليكم السلامُ ورحمةُ اللهِ وبركاته يا أحمد. أهلاً وسهلاً بكم. تفضلوا. تفضلوا." قالَ أبو أحمد، وهوَ يُفسحُ الطريقَ، وعلاماتُ الاستغرابِ والدهشةِ لا تزالُ على وجههِ.

دخلَ الضيوفُ إلى المجلسِ، وجلسوا على المقاعدِ الوثيرةِ. كانتْ أم أحمد قدْ أعدتْ لهم القهوةَ والشايَ، والحلوياتِ التي طلبتها.

"لمْ نكنْ نتوقعُ قدومكم بهذهِ السرعةِ يا أحمد." قالَ أبو أحمد، يحاولُ استيعابَ الموقف. "هلْ كلُّ شيءٍ على ما يرام؟"

ابتسمَ أحمد ابتسامةً فيها شيءٌ منَ الحياءِ والاعتذار. "أعتذرُ عنْ هذهِ الزيارةِ المفاجئةِ يا عمي. ولكنْ… الظروفُ فرضتْ ذلك." ثمَّ التفتَ إلى الرجلِ ذي الشعرِ الفضيِّ. "يا عمي، هلْ تسمحُ لي أنْ أُقدمَ أصدقائي؟"

أومأَ الرجلُ برأسهِ، وقالَ بصوتٍ عميقٍ ودودٍ: "بالطبعِ يا بني."

"يا عمي الحاج عبد الرحمن، ويا خالتي أم أحمد، هذا والدي، الحاجُّ سليمان. وهذا صديقي العزيزُ، المهندسُ خالد."

اقتربَ الحاجُّ سليمان، ووضعَ يدهُ على كتفِ أبو أحمد. "تشرفنا بمعرفتكَ يا أخا عبد الرحمن. سمعتُ عنكَ الكثيرَ منَ الحاجِّ منصورٍ، جاركم القديمِ."

"وانا كذلك يا حاج سليمان. تشرفنا." ردَّ أبو أحمد، وقدْ بدأَ يشعرُ بأنَّ هناكَ شيئًا كبيرًا خلفَ هذهِ الزيارة.

"يا عمي الحاج عبد الرحمن،" بدأَ أحمد، وهوَ يمدُّ يديهِ ليُقدمَ إليهِ صندوقًا صغيرًا مغلفًا بورقٍ أنيقٍ. "هذهِ ليستْ زيارةً عاديةً. لقدْ أتيتُ اليومَ لكي أطلبَ يدَ ابنتكم ليلى رسميًا. ووالدي معي ليُدعمَ طلبي، وليهنئكم بهذهِ المناسبةِ السعيدة."

سقطَ الصندوقُ منْ يدِ أبو أحمد، لمْ يكنْ متوقعًا هذا. رفعَ أبو أحمد نظرهُ إلى أم أحمد، فوجدَ الدهشةَ تملأُ عينيها أيضًا.

"أحمد! هلْ أنتَ جادٌّ؟" سألَ أبو أحمد، ونبرةُ صوتهِ تحملُ مزيجًا منَ المفاجأةِ والارتياح.

"جادٌّ جدًا يا عمي. لقدْ تأكدتُ منْ مشاعري تجاهَ ليلى. ولا أستطيعُ أنْ أتخيلَ حياتي بدونها. وأردتُ أنْ أُقدمَ طلبي لوالدها بنفسي، وبشكلٍ رسميٍّ، بحضورِ والدي."

نظرَ الحاجُّ سليمان إلى أبو أحمد، وقالَ بحكمةٍ: "يا أخا عبد الرحمن، أحمدٌ ابني. وأنا أعرفُ معدنهُ جيدًا. شابٌ مكافحٌ، صادقٌ، ومُخلصٌ. وقدْ تحدثَ لي عنْ ابنتكم ليلى كثيرًا. وعنْ مدى حبهِ لها. أعرفُ أنَّ لديهِ بعضَ التحدياتِ الماليةِ في بدايتهِ، ولكنَّ هذا لا يُقللُ منْ قدرهِ. فالعبرةُ بالرجلِ، لا بالمالِ."

"ولكنَّ… ولكنَّ… كيفَ…؟" قالَ أبو أحمد، يحاولُ لملمةَ أفكاره. "هلْ ليلى تعرفُ بهذا؟"

"لا يا عمي. أردتُ أنْ تكونَ المفاجأةَ لكم أولاً. ثمَّ سأُفاجئها هيَ لاحقًا." قالَ أحمد، وعيناهُ تلتقيانِ بعيني والدتهِ، التي ابتسمتْ لهُ بحنان.

"لقدْ أتيتُ بنفسي يا أخا عبد الرحمن،" قالَ المهندسُ خالد، وهوَ يتحدثُ لأولِ مرةٍ، وصوتهُ هادئٌ واثقٌ. "لأنَّني أعرفُ مدى أهميةِ هذهِ الخطوةِ. ولأنَّ لديَّ بعضَ الأفكارِ التي قدْ تُساعدُ الشابَّ أحمدَ في بدايةِ طريقهِ. أنا لديَّ شركةُ مقاولاتٍ كبيرةٌ، وأبحثُ دائمًا عنْ شبابٍ طموحينَ ومُخلصينَ للعملِ معي."

بدا أبو أحمد وكأنَّهُ استيقظَ منْ حلمٍ. الرجلُ الغنيُّ، الصديقُ، الذي جاءَ لخطبةِ ابنتهِ. وابنهُ ليسَ الشابَّ القليلَ الحيلةِ الذي كانَ يخشى عليهِ. بلْ شابٌ لهُ سندٌ، ولهُ فرصةٌ ذهبيةٌ.

"هذا… هذا خبرٌ يفوقُ التوقعات!" قالَ أبو أحمد، يمسحُ جبينهِ بيدهِ. "لمْ أكنْ أتخيلُ أبدًا أنَّ الأمورَ ستسيرُ بهذهِ الروعةِ."

"الحمدُ للهِ يا عمي،" قالَ أحمد، وقدْ ارتسمتْ ابتسامةٌ واسعةٌ على وجههِ. "هذا كلهُ بفضلِ دعائكم، وبفضلِ طيبتكم. أنا حقًا لا أعرفُ كيفَ أشكركم."

"لا تشكرنا يا بني. نحنُ نقدرُ صدقكَ، ومبادرتكَ. ما يهمنا هوَ سعادةُ ليلى. وإذا كانتْ سعيدةً معك، فنحنُ أسعدُ الناس." قالتْ أم أحمد، وقدْ ارتسمتْ على وجهها السعادةُ الغامرةُ.

"بارك اللهُ فيكم جميعًا،" قالَ الحاجُّ سليمان. "ونحنُ نأملُ أنْ نُتمَّ هذا الأمرَ على خيرِ وجهٍ. هلْ عندكم أيُّ شروطٍ أوْ متطلباتٍ قبلَ أنْ نُحددَ موعدًا للخطوبةِ الرسميةِ؟"

تبادلَ أبو أحمد وأم أحمد النظراتِ. كانتْ كلُّ المخاوفِ التي كانتْ تدورُ في رأسِ أبو أحمد قدْ تلاشتْ. الشابُّ الذي كانَ يخشى عليهِ، أصبحَ لديهِ فرصةٌ لا تُعوض.

"لا يا حاج سليمان،" قالَ أبو أحمد، بابتسامةٍ عريضةٍ. "أنا واثقٌ منْ اختيارِ ابنتي. وأعرفُ أنَّ أحمدَ هوَ الشابُّ المناسبُ لها. المهمُ هوَ الاتفاقُ على التفاصيلِ. والوقتُ المناسبُ للزواجِ."

"بالتأكيد،" قالَ المهندسُ خالد. "يمكننا أنْ نتفقَ على كلِّ شيءٍ. وأنا شخصيًا سأُقدمُ لأحمدَ مساعداتٍ لدعمِ مشروعهِ، ولتكونَ بدايةُ حياتهِ الزوجيةِ ميسرةً."

شعرَ أبو أحمد وكأنَّهُ نزلَ منْ سماءٍ عاليةٍ إلى أرضٍ صلبةٍ، مليئةٍ بالأملِ. كانَ يبدو وكأنَّهُ قدْ رأىَ حلَّ لكلِّ مشاكلهِ، ومستقبلَ ابنتهِ المشرق.

"إذًا،" قالَ أبو أحمد، وهوَ يمدُّ يدهُ للحاجِّ سليمان. "نحنُ موافقون. بارك اللهُ لنا ولكم."

تبادلَ الجميعُ الابتساماتِ، وبدأتْ الأجواءُ تنفرجُ. ولكنْ، ما إنْ بدأَ الجميعُ يستعيدُ هدوءهُ، حتى سمعَ صوتَ جرسِ البابِ يرنُّ مرةً أخرى، بصوتٍ مختلفٍ هذهِ المرة.

"منْ هذا في هذا الوقتِ؟" تساءلَ أبو أحمد.

نهضتْ الخادمةُ فاطمة، وفتحتْ البابَ. ثمَّ عادتْ بوجهٍ مُنزعجٍ. "يا سيدي، هناكَ سيدةٌ… تبدو غاضبةً. تقولُ إنها تريدُ أنْ تتحدثَ معَ السيدِ أحمد."

تجمدَ أحمد في مكانهِ. ارتسمتْ علامةُ قلقٍ مفاجئٍ على وجههِ. نظرَ أبو أحمد إلى أحمد، ثمَّ إلى الحاجِّ سليمان والمهندسِ خالد. كانَ هناكَ شيءٌ غيرُ مألوفٍ، وشيءٌ يبدو أنهُ سيعقدُ الأمورَ مرةً أخرى.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%