الجار الطيب الجزء الثالث
مواجهة الحقيقة في صلب العاصفة
بقلم وليد المرح
استقبلت السيدة فاطمة وزوجها أبو الوليد المحامي رشيد في غرفة المعيشة. كان الجو مشحوناً بالتوتر، فالانتظار كان أشد وطأةً من أي شيء. كانت لمى قد عادت، وقد أثر عليها لقاؤها الغامض، لكنها فضلت الصمت، تنتظر اللحظة المناسبة.
"أبا الوليد، لقد تحدثت مع الوليد." قال المحامي رشيد، وبدا عليه القلق. "لقد أصر على أن المستندات التي بحوزته صحيحة، وأن هناك مؤامرةً تحاك ضده، أو بالأحرى، ضده وضد والده."
تنهد أبو الوليد بعمق. "وماذا قال له؟"
"قال إنه رأى في المستندات ما يدينه. لكنه يبدو مرتبكاً. هناك شيءٌ من عدم اليقين في عينيه، رغم إصراره. أعتقد أنه يشك في مصدر المستندات، لكنه لا يجرؤ على الاعتراف بذلك."
"هذا ما كنت أخشاه." قالت السيدة فاطمة بصوتٍ خفيض. "إنها محاولةٌ لزرع الشقاق بيننا. هناك من يريد أن يدمر هذه العائلة."
"لكن من؟" سأل أبو الوليد. "ولماذا؟"
"هذا ما يجب أن نكتشفه." قال المحامي رشيد. "ما سمعته من الوليد بالأمس، ومن خلال بعض المصادر، يوحي بأن هناك جهةً تسعى للإضرار بسمعتكم، وربما الاستيلاء على مؤسساتكم."
كانت لمى تراقب النقاش بصمت، وكل كلمةٍ تسمعها كانت تؤكد ما قاله لها "خالد". كان السيد فؤاد هو المستهدف. لكن كيف سيقنعون الوليد بذلك؟
"أعتقد أن الوقت قد حان." قال أبو الوليد، وهو ينظر إلى زوجته. "يجب أن نتحدث إلى الوليد. يجب أن نخبره بكل شيء."
"لكنك ستؤذيه أكثر." قالت فاطمة بقلق. "هو في حالةٍ غضبٍ شديدة."
"الغضب هو ما يعميه الآن." قال أبو الوليد. "والحقيقة هي ما ستنير دربه. لننتظر حتى يعود. ثم نواجهه جميعاً."
في هذه الأثناء، كان الوليد قد عاد إلى المنزل. كان يحمل حقيبةً فيها بعض المستندات، ووجهه يعكس خليطاً من الإصرار والتساؤل. شعر بشيءٍ غريبٍ في الأجواء. كأن الجميع ينتظره.
عندما دخل إلى غرفة المعيشة، وجد والديه جالسين، وبجانبهما المحامي رشيد. كانت نظراتهم تحمل ثقلاً لا يمكن تجاهله.
"مرحباً." قال الوليد، محاولاً أن يبدو طبيعياً، لكن صوته كان يرتعش قليلاً.
"مرحباً يا بني." قال أبو الوليد، وقام ليقابله. "تفضل بالجلوس."
جلس الوليد، واضعاً الحقيبة أمامه. "هل كنتم تنتظرونني؟"
"نعم يا بني." قال أبو الوليد، وبدأ يتكلم بهدوء. "نريد أن نتحدث إليك. بصراحةٍ مطلقة."
بدأت السيدة فاطمة تتكلم، وعيناها مليئتان بالدموع. "يا وليد، تعلم أننا نحبك. وأن سعادتك هي أهم ما لدينا. لكن ما كنت تبحث عنه، وما وجدته… ليس بالضرورة هو الحقيقة كاملة."
نظر الوليد إلى والدته باستغراب. "ماذا تقصدين؟ هل تنكرين كل شيء؟"
"لا أنكر شيئاً يا بني." قال أبو الوليد. "لكنني أريد أن أشرح لك. هناك قصةٌ أخرى، قصةٌ أعمق وأكثر ألماً."
بدأ أبو الوليد بسرد القصة، قصة السنوات الماضية، وكيف تعرضت المؤسسة لخطرٍ حقيقي، وكيف تم اتخاذ قراراتٍ صعبةٍ لحمايتها. تحدث عن الصفقة التي كادت أن تدمر كل شيء، وعن المؤامرات التي تعرضوا لها. ولم ينسَ أن يذكر محاولاتهم للتستر على بعض التفاصيل، ليس بدافع الخيانة، بل بدافع حماية العائلة والسمعة.
"لقد كنت صغيراً يا وليد." قال أبو الوليد. "ولم أكن أريدك أن تحمل عبء هذه المشاكل. أردت أن أبعدك عن عالمٍ مليءٍ بالألاعيب والمخاطر. لكنني لم أتوقع أن يصل الأمر إلى هذا الحد."
كان الوليد يستمع بذهول. كلماته عن "خالد" وعن "السيد فؤاد" بدأت تتردد في ذهنه. هل كان هذا ما أراده والده أن يقوله؟ أم أن هذه مجرد أعذار؟
"لكن… المستندات؟" سأل الوليد. "كيف تفسر هذه العقود؟ وهذه الرسائل؟"
"هذه هي النقطة المهمة يا بني." قال المحامي رشيد، متدخلاً. "هذه المستندات… هناك شكوكٌ قويةٌ حول صحتها. هناك احتمالٌ كبيرٌ أنها مزورة، وأن شخصاً ما قام بتلفيقها ليوقع بك في الفخ."
"مزورة؟" نظر الوليد إلى المستندات التي أمامه، ثم إلى والديه. هل كان كل ما اعتقد أنه حقيقةً مجرد وهم؟
"نعم يا بني." قالت السيدة فاطمة. "هناك من يريد أن يدمرنا. شخصٌ كان له مصلحةٌ في الماضي. وهو يحاول الآن استغلالك، ليوقع بك في فخٍ أكبر. لقد اتصل بي شخصٌ بالأمس، وأخبرني عن السيد فؤاد، وعن مؤامراته."
"من هو هذا الشخص؟" سأل الوليد بدهشة.
"لا أعرف اسمه كاملاً." قالت لمى، التي لم تعد تستطع الصمت. "لكنني التقيت به في الحديقة. أخبرني أن السيد فؤاد هو من يقف وراء كل شيء. وأن المستندات مزورة."
التفت الوليد إلى لمى، ثم إلى والده. هل كان كل هذا صحيحاً؟ هل كان والده يتحدث بصدق؟ هل كانت والدته تخبره بالحقيقة؟
"أنا… لا أعرف ماذا أقول." قال الوليد، وصوته يرتعش. "كل شيءٍ يبدو… متغيراً. كنت مقتنعاً تماماً."
"الاقتناع وحده لا يكفي يا بني." قال أبو الوليد، وهو يضع يده على كتف ابنه. "يجب أن نبحث عن الحقيقة. يجب أن نتأكد. والمحامي رشيد يمكنه مساعدتنا في ذلك. يمكنه فحص هذه المستندات، والتأكد من صحتها."
"ولدينا أيضاً معلوماتٌ عن رجلٍ يدعى ناصر." قال المحامي رشيد. "هناك شكوكٌ بأنه قد يكون متورطاً، لكن ربما كان مجرد بيدق في لعبةٍ أكبر."
بدأت الصورة تتضح. بدأ الوليد يرى الأبعاد الحقيقية للأمر. لقد كان غاضباً، ومخدوعاً، ومستغلاً. لقد سمح لشكوكه بأن تقوده إلى طريقٍ مظلم.
"إذاً… كل ما كنت أعتقده… كان خطأ