الجار الطيب الجزء الثالث
ظهور الظل الغامض في حفلة الفرح
بقلم وليد المرح
تلاشتْ الابتساماتُ عنْ وجوهِ الجميعِ. توقفَ الحديثُ للحظةٍ، وبدتْ نظراتُ الجميعِ مُتجهةً نحو أحمد، الذي بدا عليهِ الارتباكُ الشديدُ.
"منْ هذهِ السيدةُ؟" سألَ أبو أحمد، بنبرةٍ فيها شيءٌ منَ الحذر. "وهلْ تعرفينها يا أحمد؟"
بلعَ أحمد ريقهُ بصعوبة. "لا أعتقدُ… ربما… ربما تعرفُني عنْ طريقِ العمل." قالَ بصوتٍ مرتجفٍ قليلاً.
"فاطمة،" قالتْ أم أحمد بنبرةٍ هادئةٍ ولكنْ قويةٍ، "قولي لها إنَّ السيدَ أحمدَ مشغولٌ الآنَ. وإنْ كانَ لديها أمرٌ مهمٌ، فلتُقدمهُ لنا."
"ولكنْ يا سيدتي، إنها تصرُّ على رؤيتهِ. وتقولُ إنَّ الأمرَ عاجلٌ جدًا." قالتْ فاطمة، وهيَ تشيرُ إلى الخارج.
في تلكَ اللحظةِ، اقتحمتْ السيدةُ البابَ، متحديةً كلَّ محاولاتِ منعها. كانتْ امرأةً في منتصفِ العمرِ، ترتدي ملابسَ بسيطةً ولكنْ نظيفةً، ولها ملامحُ تعبٍ واضحةٌ على وجهها. وفي يدها حقيبةٌ قديمةٌ.
"أحمد! أينَ أنتَ؟" صاحتْ بصوتٍ عالٍ، تخترقُ صمتَ المجلس.
نظرَ الجميعُ إليها بدهشةٍ. ولمْ يستطعْ أحمدُ أنْ يُنكرَ معرفتهُ بها. بلْ بدا عليهِ وكأنَّهُ يعرفها جيدًا، ولكنَّهُ يتمنى لو لمْ تأتِ في هذا الوقتِ.
"أمي!" صاحَ أحمد، بصوتٍ فيهِ مزيجٌ منَ الصدمةِ واللومِ. "ما الذي تفعلينهُ هنا؟"
شهقَ أبو أحمد وأم أحمد في آنٍ واحدٍ. "أمكَ؟" سألَ أبو أحمد، وعيناهُ متسعتانِ.
"نعم يا عمي. هذهِ أمي." قالَ أحمد، وهوَ يقفُ بخجلٍ. "أعتذرُ بشدةٍ عنْ هذا التصرفِ. لمْ أكنْ أتوقعُ أنْ تأتيَ إلى هنا."
"كيفَ لا آتي يا أحمد؟" قالتْ الأم، وهيَ تنظرُ إلى أبو أحمد وأم أحمد بابتسامةٍ باهتةٍ. "هلْ رأيتَ حفيدي؟ لقدْ أتيتُ لأرىَ حفيدي!"
"حفيدي؟" سألَ أبو أحمد، وقدْ زادَ الارتباكُ لديهِ.
"نعم يا سيدي. أحمدٌ هذا، ابني، وعدني بطفلٍ. ولمْ أرى منهُ خبرًا منذُ شهورٍ. وأنا قلقتُ عليهِ. قلتُ لابدَّ أنَّهُ تزوجَ. فأتيتُ لآراهُ."
كانَ أحمدُ أحمرَ الوجهِ، وعيناهُ تتجولانِ في المكانِ بحثًا عنْ مخرجٍ. الحاجُّ سليمان والمهندسُ خالدِ كانا ينظرانِ إلى الموقفِ بهدوءٍ، ولكنْ بعينينِ تحملانِ فضولاً واضحًا.
"أمي،" قالَ أحمد، بصوتٍ خفيضٍ. "هذهِ ليستْ زوجتي. هذهِ مجردُ خطيبتي، ليلى. ولمْ نتزوجْ بعد."
"لمْ تتزوجْ؟" رفعتْ الأمُ صوتها، وكأنها لمْ تفهم. "ولكنكَ وعدتني! قلتَ إنكَ ستُعطيني حفيدًا! هلْ كذبتَ عليَّ؟"
"لمْ أكذبْ يا أمي. ولكنَّ الأمورَ لمْ تكتملْ بعد. نحنُ نخططُ للزواجِ قريبًا. هذهِ السيدةُ… هيَ والدةُ خطيبتي، ليلى." قالَ أحمد، مشيرًا إلى أم أحمد.
نظرتْ الأمُّ إلى أم أحمد، ثمَّ إلى أبو أحمد. "أوه… إذاً أنتمْ أهلُ العروسِ؟"
"نعم،" أجابَ أبو أحمد، وهوَ يحاولُ أنْ يتجاوزَ هذا الموقفَ المحرجَ. "نحنُ أهلُ ليلى. ونحنُ هنا لنُتمَّ خطبةَ ابنتنا لأحمد."
"خطبة؟" قالتْ الأمُّ، وكأنها تفاجأتْ. "ولكنْ… ألمْ يكنْ أحمدُ يتزوجُ منْ فتاةٍ أخرى؟ لديَّ صديقةٌ قالتْ لي إنَّ أحمدَ يترددُ على بيتِ سيدةٍ أخرى في حيِّنا."
صُدمَ أبو أحمد. نظرتْ أم أحمد إلى زوجها بقلقٍ، ثمَّ إلى أحمد.
"يا أمي! منْ هذهِ السيدةُ؟" قالَ أحمد، يبدو عليهِ الغضبُ. "إنها تخلطُ الأمورَ. لا توجدُ فتاةٌ أخرى."
"ليستْ خلطًا يا بني! إنها السيدةُ عائشةُ، وهيَ جارتنا. وقدْ رأتْ بعينها. وتقولُ إنَّها رأتْكَ معَ فتاةٍ لا تعرفها. وتقولُ إنَّكِ تخونُ ابنةَ السيدِ عبد الرحمن!"
ارتعشَ أبو أحمد. "ماذا تقولُ هذهِ السيدةُ؟ هلْ تتهمُ ابنتي بالخيانةِ؟"
"لا يا عمي، أنا متأكدٌ منْ براءةِ ليلى." قالَ أحمد، وهوَ يلتفتُ إلى والدتهِ. "أمي، أنتِ فهمتِ الأمرَ خطأ. السيدةُ عائشةُ ربما رأتْ شخصًا آخرَ. أوْ ربما… ربما كانَ هناكَ سوءُ فهمٍ. ليلى… ليلى لمْ تلتقِ بأحدٍ غيري."
"ولكنَّ السيدةَ عائشةَ كانتْ متأكدةً." قالتْ الأمُّ، وهيَ تُصرُّ على رأيها. "وهيَ سيدةٌ معروفةٌ بصدقها."
"السيدةُ عائشةُ معروفةٌ بتدخلها في شؤونِ الآخرينَ يا أمي!" قالَ أحمدُ بحزمٍ. "أرجوكِ، كفى. هذا وقتٌ غيرُ مناسبٍ لهذهِ الأحاديثِ."
"غيرُ مناسبٍ؟" رفعتْ الأمُّ صوتها. "أنا أمكَ! وأنا قلقةٌ عليكَ! أتيتُ لأطمئنَ عليكَ، ولأرىَ حفيدي! ولكنَّكَ تخجلُ مني! وتُشوهُ سمعةَ ابنتكَ الوحيدةِ!"
"يا أمي، لمْ أُشوهْ سمعةَ أحد. فقطْ أحاولُ توضيحَ سوءِ الفهمِ." قالَ أحمد، وهوَ ينظرُ إلى أبو أحمد ويطلبُ منهُ العون.
نظرَ أبو أحمد إلى أحمد، ثمَّ إلى والدتهِ. شعرَ بالحرجِ الشديدِ. "يا سيدةَ… أم أحمد،" قالَ أبو أحمد، وهوَ يُخاطبُ الأمَّ، "نحنُ هنا نُتمُّ أمراً طيباً. ونحنُ نثقُ في ابنتكم ليلى، وفي هذا الشابِّ أحمد. وربما… ربما تكونُ هناكَ سيدةٌ أخرى اسمها ليلى؟ أوْ شخصٌ آخرُ يشبهُ أحمد؟"
"لا! أنا متأكدةٌ! السيدةُ عائشةُ وصفتْ لكِ كلَّ شيءٍ. هيَ ابنتكِ، ليلى. وهيَ كما قالتْ لي السيدةُ عائشةُ، فتاةٌ جميلةٌ جدًا، ولكنَّها… كما ترى. لا تستطيعُ أنْ تفعلَ أيَّ شيءٍ! إنها لا تستطيعُ أنْ تمنعَ أحمدَ منْ رؤيةِ فتياتٍ أخريات!"
انفجرتْ أم أحمد في البكاءِ. "ماذا تقولينَ؟ هلْ تتهمينَ ابنتي بالضعفِ والعجزِ؟ ابنتي قويةٌ، وابنتي سليمةٌ، والحمدُ لله!"
"ولكنَّ السيدةَ عائشةَ قالتْ…" بدأتْ الأمُّ، ولكنَّ أبو أحمد قاطعها.
"يا سيدةَ… كفى! لقدْ فهمنا القصةَ! ربما كانتْ السيدةُ عائشةُ مخطئةً. أوْ ربما كانَ هناكَ حديثٌ آخرٌ. ابنتنا ليلى… هيَ ابنتنا، وهيَ قويةٌ، والحمدُ لله."
"ولكنْ… ولكنَّ أحمدَ وعدني بحفيدٍ!" قالتْ الأمُّ، والدموعُ تترقرقُ في عينيها. "والآنَ، لا يوجدُ حفيدٌ! ولا زواجٌ! بلْ ابنتكم… تبدو وكأنها… كما قالتْ عائشةُ."
"يا أمي،" قالَ أحمدُ، بلهجةٍ فيها يأسٌ. "أنا سأتزوجُ ليلى. وسيكونُ لدينا أطفالٌ. فقطْ أعطني وقتًا. وأنا أعدكِ بأنْ تكوني جدةً قريبًا. فقطْ… كفى! أرجوكِ توقفي عنْ هذا الهراء!"
"هراء؟" صرختْ الأمُّ. "إنَّ كلامي ليسَ هراءً! أنا فقطْ أريدُ أنْ أرىَ ابني سعيدًا! وأنْ أرىَ حفيدًا لي!"
في تلكَ اللحظةِ، دخلتْ ليلى، ومعها والدتها، وقدْ وصلتا إلى المنزلِ. كانتْ ليلى ترتدي ثوبًا بسيطًا، ولكنَّها كانتْ تبدو جميلةً جدًا.
"ماذا يحدثُ هنا؟" سألتْ ليلى، وقدْ رأتْ وجوهَ الجميعِ متوترةً.
"ليلى! ابنتي!" صاحتْ أم أحمد، وركضتْ إليها واحتضنتها. "الحمدُ للهِ أنكِ بخيرٍ!"
"ماذا جرى يا أمي؟" سألتْ ليلى، وهيَ تُعانقُ والدتها.
"هذهِ أمُّ أحمد." قالتْ أم أحمد، وهيَ تُشيرُ إلى الأمِّ الغريبةِ. "لقدْ أتتْ إلينا في هذا الوقتِ، وتقولُ كلامًا غريبًا عنكِ."
نظرتْ ليلى إلى الأمِّ، ثمَّ إلى أحمد، الذي بدا عليهِ الخجلُ والذنبُ.
"ماذا تقولُ أم أحمد؟" سألتْ ليلى، وهيَ تنظرُ إلى أحمد.
"لا شيءَ يا ليلى." قالَ أحمدُ، وهوَ يُحاولُ أنْ يبدوَ طبيعيًا. "مجردُ سوءِ فهمٍ بسيطٍ. أمي… أمي كانتْ تقلقُ عليَّ."
"تقلقُ عليَّ؟" قالتْ الأمُّ، وغضبتْ. "أنا أقلقُ عليكَ لأنَّ هذهِ الفتاةَ… لا تستطيعُ أنْ تفعلَ شيئًا!"
"ماذا؟" سألتْ ليلى، وهيَ تنظرُ إلى الأمِّ بارتيابٍ.
"مرحباً يا ابنتي،" قالتْ الأمُّ، بابتسامةٍ فيها شيءٌ منَ الخبثِ. "أنا أمُّ أحمد. وقدْ سمعتُ أنَّكِ خطيبةُ ابني. ولكنْ… هلْ أنتِ متأكدةٌ منْ أنَّكِ تستطيعينَ أنْ تكوني زوجةً صالحةً؟"
تجمدتْ ليلى في مكانها. نظرتْ إلى أحمد، ثمَّ إلى والدتها. شعرَ أبو أحمد بالدماءِ تفورُ في وجههِ.