الجار الطيب الجزء الثالث
وسوسةٌ قديمةٌ تحتَ قناعِ البراءة
بقلم وليد المرح
في تلكَ الزاويةِ الهادئةِ من بيتِ الحاجِّ أحمد، حيثُ تتسللُ خيوطُ الشمسِ الذهبيةُ لتُعانقَ أغصانَ الياسمينِ المتدليةَ على السياجِ، كانَ يجلسُ عبدُ الرحمنِ، شابٌ غضٌّ، تكسو وجهَهُ نحافةٌ لم تعهدها الأيامُ الخوالي. كانَ شبحُ القلقِ يلوحُ في عينيهِ الغائرتينِ، ويداهُ المرتجفتانِ تعبثانِ بخيوطِ عقالهِ المنسوجِ بعناية. منذُ لقائِه الأخيرِ بسالمٍ، ذلكَ الشابُّ الذي يلوحُ في حياتهِ كظلٍّ غامضٍ، لم يعدْ للشابِ قرارٌ. سالمٌ، بضحكاتِهِ العاليةِ ووعودِهِ البراقةِ، كانَ أشبهَ بشيطانٍ أغرى آدمَ بتفاحةٍ محرّمة.
"يا عبدَ الرحمنِ، إلى متى تبقى سجينَ هذهِ الجدرانِ؟" كانتْ كلماتُ سالمٍ تترددُ في أذنيهِ كصدىً مؤلم. "الحياةُ أوسعُ من صلاةٍ وصيامٍ. هناكَ متعةٌ، لذةٌ، نسيانٌ للهمومِ. لمَ لا تعيشُ كباقي الشبابِ؟"
لم يكنْ عبدُ الرحمنُ شاباً عاصياً أبداً. طوالَ حياتهِ، سعى جاهداً لرضا والديهِ، ولنيلِ رضا اللهِ. لكنّ الفراغَ الذي تركتْهُ وفاةُ والدتِهِ، والحملَ الثقيلَ لآمالِ والدهِ، والوحدةَ القاتلةَ التي اعترتْهُ بعدَ سفرِ أخيهِ الوحيدِ، كلها عواملُ اجتمعتْ لتجعلهُ فريسةً سهلةً لوساوسِ سالمٍ. بدأَ الأمرُ بلقاءاتٍ عابرةٍ في المقهى، حيثُ كانَ سالمٌ يتبادلُ الأحاديثَ معَ رفاقٍ غريبي الأطوارِ، يتحدثونَ بلغةٍ لم يألفها عبدُ الرحمنُ، لغةٌ تحملُ في طياتِها عبقَ المغامراتِ المحظورةِ. ثمّ تطورتْ اللقاءاتُ إلى جلساتٍ في أماكنَ معينةٍ، بعيدةٍ عن أعينِ الرقباءِ، أماكنَ تفوحُ منها رائحةُ الدخانِ المنبعثُ من أراجيلَ غريبةٍ، وأصواتُ موسيقى صاخبةٍ كانتْ تقرعُ طبولَ روحهِ المتعبة.
كانَ سالمٌ يتلاعبُ بضعفِ عبدِ الرحمنِ ببراعة. يعرفُ كيفَ يغريهُ، وكيفَ يهدئُ من روعِهِ. "هذهِ مجردُ لحظاتِ استمتاعٍ يا صديقي. لا أحدَ يدري، ولا أحدَ سيحكمُ عليكَ. فقطْ استمتعْ بوقتِكَ، وانسَ همومَ الدنيا."
في البدايةِ، كانَ عبدُ الرحمنُ يجدُ لذةً غريبةً في هذهِ اللحظاتِ. كانَ يشعرُ بأنّهُ يتملصُ من قيودٍ أثقلتْ كاهلهُ، وبأنّهُ يكتشفُ جانباً مظلماً من شخصيتهِ لم يكنْ يعرفُ بوجودِهِ. كانَ يرى في عيونِ رفاقِ سالمٍ لمعاناً خاصاً، لمعاناً يدلُّ على تجاربَ عميقةٍ، على حياةٍ لا تعرفُ قيودَ المجتمعِ. لكنّ هذهِ اللذاتِ لم تكنْ إلا سراباً، سراباً يزدادُ بريقُهُ كلما اشتدَّ الظمأُ، ليتبخرَ عندَ أولِ قطرةِ ماء.
معَ مرورِ الأيامِ، بدأتْ آثارُ هذا الانحرافِ تظهرُ جلياً. كانَ عبدُ الرحمنُ يستيقظُ في الصباحِ مرهقاً، بعينينِ سوداوينِ تحتَهُما هالاتٌ داكنةٌ. فقدَ شهيتهُ للطعامِ، وبدأَ وزنهُ يتناقصُ بشكلٍ ملحوظٍ. كانتْ صلواتُهُ أصبحتْ سريعةً، تفتقرُ إلى الخشوعِ الذي كانَ يميزُها. كانَ يجدُ صعوبةً في التركيزِ أثناءَ قراءةِ القرآنِ، وكأنّ الكلماتِ تتراقصُ أمامهُ دونَ أنْ تعطي معنى.
الحاجُّ أحمد، ذلكَ الرجلُ الصالحُ الذي قضى عمرَهُ في عبادةِ اللهِ وإعمارِ المساجدِ، بدأَ يلاحظُ التغييرَ في ابنهِ. كانَ يراقبهُ من بعيدٍ، وقلبُهُ يعتصرُ ألماً. في كلِّ مرةٍ كانَ يرى فيها عبدَ الرحمنَ يتسللُ خارجَ المنزلِ في وقتٍ متأخرٍ من الليلِ، كانَ يشعرُ بوخزةٍ في صدرِهِ. حاولَ مراراً أنْ يحاورَهُ، أنْ يسألهُ عن سببِ هذا الشحوبِ، وهذا الانعزالِ. لكنّ عبدَ الرحمنَ كانَ دائماً يجدُ أعذاراً واهيةً، ويتملصُ من الأسئلةِ بذكاءٍ مريب.
"يا بني، هلْ أنتَ مريضٌ؟" كانَ يسألهُ الحاجُّ أحمدُ بصوتٍ حنونٍ. "لا يا أبي، فقطْ بعضُ الإرهاقِ من الدراسةِ." كانَ يجيبُ عبدُ الرحمنُ وهوَ ينظرُ إلى الأرضِ. "دراسةٌ؟ وأنتَ لم تعدْ تذهبُ إلى المكتبةِ، ولم تعدْ تفتحُ كتبَكَ. ما الذي يشغلُ بالكَ يا ولدي؟"
في إحدى الليالي، وبينما كانَ عبدُ الرحمنُ يستعدُّ للخروجِ، أمسكَ الحاجُّ أحمدُ بيدهِ، وبدا على وجهِهِ حزنٌ عميقٌ. "عبدَ الرحمنِ، أخشى عليكَ. أخشى أنْ تكونَ قدْ سلكتَ طريقاً يغضبُ اللهَ، وطريقاً يفسدُ دينكَ ودنياكَ. سالمٌ هذا، أينَ هوَ الآنَ؟ هلْ تعرفُ أينَ يقضي وقتَهُ؟"
تجمّدَ عبدُ الرحمنُ في مكانهِ. لم يتوقعْ أنْ يلاحظَ والدهُ كلَّ هذهِ التفاصيلِ. كانَ يشعرُ بالذنبِ ينهشُ قلبَهُ، لكنّ إدمانَهُ الجديدَ كانَ أقوى من كلِّ مشاعرِ الندمِ. كانَ يشعرُ كأنّهُ مدمنٌ على السمِّ، يعلمُ أنّهُ قاتلٌ، لكنّهُ لا يستطيعُ التوقفَ.
"يا أبي، سالمٌ صديقٌ طيبٌ، ولربما هوَ يمرُّ ببعضِ المشاكلِ." قالَ عبدُ الرحمنُ بصوتٍ مرتجفٍ، يحاولُ إنقاذَ نفسهِ من سؤالٍ آخر. "صديقٌ طيبٌ؟ الصديقُ الطيبُ يرشدُ صديقَهُ إلى الخيرِ، لا إلى مواطنِ الشرِّ." قالَ الحاجُّ أحمدُ بنبرةٍ تحملُ أسىً شديداً. "أنا لا أرى في هذا الشابِ إلا الشرَّ. انتبهْ يا ولدي، احذرْ منهُ. احذرْ منْ صحبةِ السوءِ التي قدْ تهوي بكَ إلى الهاويةِ."
خرجَ عبدُ الرحمنُ من الغرفةِ وقلبُهُ يعتصرُ. لقدْ أحسَّ بصدقِ كلماتِ والدهِ، وبخطرِ الطريقِ الذي يسلكهُ. لكنّ رائحةَ الدخانِ الخافتةِ، وصوتَ الموسيقى المكتومَ، كانا يناديانِهِ من بعيدٍ. كانَ سالمٌ ينتظرُهُ، وكانَ العالمُ الجديدُ الذي اكتشفَهُ يلوحُ لهُ كجنةٍ فانيةٍ. لم يكنْ يعرفُ أنّهُ يقفُ على حافةِ الهاويةِ، وأنّ وسوسةَ إبليسَ قدْ نسجتْ حولَهُ شبكةً عنكبوتيةً، يصعبُ عليهِ التخلصُ منها.
في تلكَ الليلةِ، لم ينمْ عبدُ الرحمنُ. كانَ يصارعُ نفسَهُ، بينَ صوتِ الحقِّ الذي يهمسُ في أعماقهِ، وصوتِ الشرِّ الذي يعلو في الخارجِ. كانَ كلُّ شيءٍ يعتمدُ على قرارِهِ في تلكَ اللحظةِ. هلْ سيستسلمُ للضعفِ، أمْ سيجدُ في إيمانِهِ وقوةِ والدِهِ السندَ الذي يعيدهُ إلى صوابِهِ؟ كانتْ عتمةُ الليلِ تخفي الكثيرَ، لكنّ الضوءَ الوحيدَ الذي يمكنُ أنْ ينيرَ دربهُ كانَ في قلبِهِ، إنْ اختارَ أنْ يشعلَهُ.