الجار الطيب الجزء الثالث
وهمُ الحريةِ بينَ أوراقِ النردِ
بقلم وليد المرح
كانَ بيتُ الحاجِّ أحمدَ، الذي لطالما كانَ واحةً للسكينةِ والهدوءِ، قدْ اكتسى بظلالٍ من القلقِ والاضطرابِ. لم يعدْ لعبدِ الرحمنَ تلكَ البسمةُ الهادئةُ التي كانتْ تزينُ وجههُ، ولم يعدْ لعينيهِ ذلكَ البريقُ الصافي. كانَ يحملُ في داخلهِ صراعاً خفياً، حرباً لا يعلمُ بها إلا هوَ، وشبحُ سالمٍ يلوحُ لهُ كدليلٍ نحو طرقٍ مظلمة.
تلكَ الليلةَ، وبعدَ جدالٍ عاصفٍ معَ نفسهِ، اختارَ عبدُ الرحمنُ أنْ يتبعَ ظلالَ سالمٍ. كانَ الإحساسُ بالذنبِ يلتهمه، لكنّ الرغبةَ في النسيانِ، في الهروبِ من واقعِهِ المؤلمِ، كانتْ أقوى. خرجَ من المنزلِ كاللصِّ، متسللاً في جنحِ الظلامِ، وقلبُهُ يقرعُ طبولَ الخوفِ.
في مقهى "الزاويةِ" المزدحمِ، حيثُ تتصاعدُ أبخرةُ الشيشةِ، وتتداخلُ أصواتُ الأحاديثِ الصاخبةِ معَ ضجيجِ الألعابِ الإلكترونيةِ، كانَ سالمٌ ينتظرُهُ. كانَ وجههُ يتلألأُ تحتَ أضواءِ النيونِ الخافتةِ، وابتسامتهُ الماكرةُ تدعوهُ إلى عالمٍ آخر.
"أهلاً بكَ يا صديقي!" قالَ سالمٌ بصوتٍ مدوٍّ، يتبعهُ تصفيقٌ من رفاقِهِ. "لقدْ قلتُ لكَ أنكَ ستشعرُ بالراحةِ هنا."
جلسَ عبدُ الرحمنُ على كرسيٍّ فارغٍ، وشعرَ بأنّ الجميعَ يرمقونهُ بنظراتٍ فضوليةٍ. كانتْ تلكَ النظراتُ تزيدُ من إحساسِهِ بالوحدةِ، لكنّ سالمٍ كانَ سريعاً في تحويلِ انتباهِهِ.
"هلْ أنتَ جاهزٌ لتجربةٍ جديدةٍ؟" سألَ سالمٌ وهوَ يميلُ نحو عبدِ الرحمنِ، وأصابعهُ تداعبُ أوراقَ لعبٍ قديمةٍ. "اليومَ، سنلعبُ لعبةً مختلفةً. لعبةٌ تحتاجُ إلى ذكاءٍ، وإلى قليلٍ من الحظِّ."
كانتْ تلكَ اللعبةُ هيَ "النردِ"، أو ما يُعرفُ بـ "لعبةِ الطاولةِ". لم يكنْ عبدُ الرحمنُ يعرفُ قواعدَها تماماً، لكنّ سالمٍ أشارَ لهُ بخفةٍ، ووعدَهُ بأنّهُ سيكونُ "المدربَ" الخاصَّ بهِ. معَ كلِّ رميةِ نردٍ، كانتْ نبضاتُ قلبِ عبدِ الرحمنِ تتسارعُ. كانَ يشعرُ بلحظاتٍ من الفرحِ العارمِ عندَ الفوزِ، ولحظاتٍ من الغضبِ المريرِ عندَ الخسارةِ.
"هذهِ هيَ الحياةُ يا عبدَ الرحمنِ!" كانَ سالمٌ يصرخُ، عندما يخسرُ عبدُ الرحمنُ جولةً. "تحتاجُ إلى الجرأةِ، إلى المخاطرةِ، وإلى عدمِ الخوفِ من الخسارةِ. فقطْ ركزْ، وارمِ النردَ بقوةٍ."
ومعَ مرورِ الوقتِ، وبشكلٍ تدريجيٍّ، لم تعدْ مجردَ لعبةٍ. بدأتْ الأوراقُ النقديةُ الصغيرةُ تتداولُ بينَ أيدي اللاعبينَ. بدأتْ الرهاناتُ تكبرُ، وبدأتْ الأعينُ تلمعُ ببريقٍ مختلفٍ، بريقٍ يشي بالجشعِ والإثارةِ.
في البدايةِ، كانَ عبدُ الرحمنُ يلعبُ بمبالغَ زهيدةٍ، كانَ يجدُ في دفعِها نوعاً منَ التحدي. لكنّ سالمٍ كانَ يدفعهُ دائماً لزيادةِ الرهانِ.
"يا عبدَ الرحمنِ، لا تلعبْ كالأطفالِ. هذهِ ليستْ مجردَ لعبةٍ، هذهِ فرصةٌ لتشعرَ بأنكَ حيٌّ، بأنكَ قادرٌ على صنعِ شيءٍ."
كانَ عبدُ الرحمنُ يرى كيفَ يتباهى سالمٌ بأرباحِهِ، وكيفَ يتحدثُ عن مغامراتِهِ معَ فتياتٍ لا يعرفُهنَّ، وكيفَ يصفُ ملذاتٍ لا تصلُ إلى مسامعِ الشبانِ الصالحينَ. كلُّ هذا كانَ يدفعُ عبدَ الرحمنَ إلى زيادةِ جرأتهِ، وإلى الانغماسِ في عالمٍ لم يكنْ يتخيلُهُ.
لكنّ ما لم يدركْهُ عبدُ الرحمنُ، هوَ أنّ سالمٍ لم يكنْ يلعبُ بعشوائيةٍ. كانَ لديهِ خطةٌ، خطةٌ تعتمدُ على استنزافِ ما يملكُهُ عبدُ الرحمنِ، واستغلالِ ضعفهِ. في كلِّ مرةٍ كانَ عبدُ الرحمنُ يفوزُ، كانَ سالمٌ يحتفلُ بهِ بحماسٍ مبالغٍ فيهِ، ثمّ يدفعهُ بعدَ ذلكَ إلى لعبِ جولاتٍ إضافيةٍ، حتى يخسرَ ما ربحَهُ، وربما أكثرَ.
بدأتْ الأوراقُ النقديةُ التي كانَ يدفعُها عبدُ الرحمنُ، والتي كانَ قدْ جمعَها بصعوبةٍ من مصروفِهِ، تأتي من أماكنَ أخرى. بدأَ يبيعُ بعضَ مقتنياتِهِ الثمينةِ، بدأَ يستدينُ من أصدقاءٍ لم يكنْ يدركَ مدى ضعفِهم أمامَ حاجتهِ. كانَ يشعرُ بأنّهُ عالقٌ في دوامةٍ، دوامةٍ تدفعُهُ إلى المزيدِ والمزيدِ من الخسائرِ.
في إحدى الليالي، وبعدَ خسارةٍ كبيرةٍ، شعرَ عبدُ الرحمنُ بأنّ الأرضَ تميدُ بهِ. نظرَ إلى سالمٍ، ورأى في عينيهِ شيئاً لم يرهُ من قبلُ، شيئاً قاسياً، جشعاً.
"لقدْ خسرْتُ كلَّ ما أملكُ يا سالمٌ." قالَ عبدُ الرحمنُ بصوتٍ يكادُ لا يُسمعُ. "لم يعدْ لديَّ شيءٌ لأراهنَ بهِ."
ضحكَ سالمٌ ضحكةً باردةً، وقالَ: "لا تقلقْ يا صديقي. هناكَ دائماً حلٌّ. ربما يمكنكَ أنْ تجدَ بعضَ المالِ من مصادرَ أخرى. ألا تعرفُ أحداً قدْ يكونُ كريماً معك؟"
كانتْ كلماتُ سالمٍ بمثابةِ طعنةٍ في قلبِ عبدِ الرحمنِ. لقدْ أدركَ حينها أنّهُ لم يعدْ مجردَ لاعبٍ، بلْ أصبحَ مديوناً، مرهوناً. شعرَ بالعارِ يلتهمه، وشعرَ باليأسِ يغطي سماءَ روحهِ.
عادَ إلى المنزلِ في تلكَ الليلةِ، ولم يكنْ يعرفُ كيفَ سيواجهُ والدهُ. كانتْ صورةُ الحاجِّ أحمدَ، بوجهه الصالحِ وقلبهِ الطيبِ، تلاحقهُ كشبحِ ذنبٍ. كيفَ سيفسّرُ لهُ اختفاءَ مالهِ؟ كيفَ سيشرحُ لهُ الأمسياتِ التي قضاها في هذا العالمِ المظلمِ؟
أغلقَ بابَ غرفتِهِ، وجلسَ على الأرضِ، واضعاً رأسَهُ بينَ يديهِ. كانتْ دموعُ الندمِ تنهمرُ من عينيهِ كالمطرِ. لقدْ شعرَ بأنّهُ قدْ خسرَ كلَّ شيءٍ، ليسَ فقطْ المالَ، بلْ سمعتَهُ، شرفَهُ، وحتى علاقتهُ باللهِ. هلْ سيغفرُ اللهُ لهُ؟ هلْ ستسامحُهُ عائلتُهُ؟
في تلكَ اللحظةِ، بدا لهُ أنَّ وعدَ سالمٍ بالحريةِ كانَ مجردَ وهمٍ، وهمٌ جميلٌ انتهى بالكثيرِ من الأوهامِ، تاركاً وراءَهُ دماراً. لقدْ كانَ أسيراً جديداً، لكنْ هذهِ المرةِ، لم تكنْ قيودُهُ من حديدٍ، بلْ كانتْ من وساوسِ النفسِ، ومن سحرِ مالٍ حرامٍ، ومن وهمِ سعادةٍ زائفةٍ.