الجار الطيب الجزء الثالث
شبكةُ الكذبِ... وانكسارُ الثقةِ
بقلم وليد المرح
كانَ صباحُ اليومِ التالي مشؤوماً لعبدِ الرحمنِ. لم يكنْ لديهِ سببٌ ليصحوَ من نومِهِ المتقطعِ، فكلُّ ما يملكهُ قدْ تبخرَ كالسحابةِ الصيفيةِ. كانَ يشعرُ بثقلٍ هائلٍ على صدرِهِ، كأنّ غيمةً سوداءَ قدْ غلّفتْ عقلهُ بالكاملِ. لم يكنْ يقوى على رفعِ رأسهِ، ولم يكنْ يجرؤُ على النظرِ إلى والدهِ.
الحاجُّ أحمد، برغمِ ما كانَ يشعرُ بهِ من قلقٍ على ابنهِ، إلا أنّهُ كانَ متفائلاً. كانَ يرى في سكونِ عبدِ الرحمنِ دليلاً على ندمٍ صادقٍ، وعلى رغبةٍ في التغييرِ. عندما استيقظَ، لم يجدْ عبدَ الرحمنَ في غرفتِهِ، لكنّهُ لم يقلقْ كثيراً. كانَ يعتقدُ أنّهُ ربما ذهبَ إلى المسجدِ مبكراً.
لكنّ الأيامَ مرتْ، وعبدُ الرحمنُ ظلَّ على حالِهِ. كانَ ينزوي في غرفتِهِ، لا يأكلُ، لا يشربُ، وكأنّ روحهُ قدْ فارقتْ جسدهُ. كانَ يبدو أحياناً وكأنّهُ يتحدثُ إلى لا شيءٍ، أو كأنّهُ يحاولُ أنْ يبتلعَ كلماتٍ غيرَ مسموعةٍ.
وفي أحدِ الأيامِ، بينما كانَ الحاجُّ أحمدُ يرتبُ بعضَ الأوراقِ في مكتبِهِ، سقطَ منها ظرفٌ قديمٌ. كانَ الظرفُ يحملُ صوراً لفتياتٍ، وصوراً لمقاهٍ غريبةٍ، ورسائلَ مكتوبةً بلغةٍ لم يفهمْها، لكنّ ما لفتَ انتباهَهُ هوَ وجودُ فاتورةٍ باهظةٍ من أحدِ محلاتِ القمارِ. انقبضَ قلبُ الحاجِّ أحمدَ، وشعرَ بأنّ الأرضَ تميدُ بهِ. أخذَ الظرفَ، وتوجهَ إلى غرفةِ ابنهِ.
"عبدَ الرحمنِ، ما هذا؟" قالَ الحاجُّ أحمدُ بصوتٍ يرتجفُ من المفاجأةِ والحزنِ. "هلْ هذهِ أوراقُكَ؟"
نظرَ عبدُ الرحمنُ إلى الظرفِ، ثمّ إلى والدهِ، وشعرَ بالدمِ يجمدُ في عروقِهِ. لم يكنْ يتوقعُ أبداً أنْ يكشفَ أمره بهذهِ السرعةِ. حاولَ أنْ ينطقَ بكلمةٍ، لكنَّ الهواءَ قدْ حبسَ في حلقهِ.
"أجبْني يا ولدي!" صاحَ الحاجُّ أحمدُ، وقدْ علا صوتُهُ بالأسى. "ماذا كنتَ تفعلُ؟ ومنْ هوَ سالمٌ هذا الذي تعرفهُ؟"
أخيراً، انكسرَ حاجزُ الصمتِ. بدأتْ دموعُ عبدِ الرحمنِ تتساقطُ كالمطرِ، وبدأَ يحكي قصتَهُ، قصتَهُ معَ سالمٍ، معَ النردِ، معَ تلكَ الليالي المظلمةِ التي باعَ فيها شرفَهُ وسمعتَهُ. كانَ يحكي بصدقٍ وألمٍ، وكأنّهُ يفرغُ حملاً ثقيلاً عن صدرِهِ.
"لقدْ كانَ وهماً يا أبي!" قالَ عبدُ الرحمنُ وهوَ يبكي. "وهماً وعدني بالحريةِ، لكنّهُ سلبَني كلَّ شيءٍ. سلبَني مالي، سلبَني راحةَ بالي، وسلبَني ثقتكَ."
كانَ الحاجُّ أحمدُ يستمعُ لابنهِ بقلبٍ محطمٍ. لم يكنْ يتخيلُ أبداً أنَّ ابنهُ، الذي تربى على القيمِ والمبادئِ، يمكنُ أنْ يسلكَ هذا الطريقَ. شعرَ بخيبةِ أملٍ عميقةٍ، لكنّهُ لم يكرهْ ابنهُ. كانَ يرى في دموعِهِ ندمٌ صادقٌ، وفي كلامِهِ اعترافٌ مؤلمٌ.
"يا بني، لماذا لمْ تأتِ إليَّ؟ لماذا لمْ تخبرني بِمَا تشعرُ بهِ؟" قالَ الحاجُّ أحمدُ، وقدْ امتلأتْ عيناهُ بالدموعِ. "أنا والدُكَ، أنا سندُكَ. كانَ يمكنُنا أنْ نواجهَ كلَّ شيءٍ معاً."
"كنتُ خائفاً يا أبي. خائفاً منْ أنْ أخيبَ أملك. خائفاً منْ أنْ أرى خيبةَ الأملِ في عينيكَ." أجابَ عبدُ الرحمنُ بصوتٍ مختنقٍ.
"خيبةُ الأملِ موجودةٌ يا ولدي. لكنّ الأهمَّ هوَ أنْ تتعلمَ من خطأكَ، وأنْ تعودَ إلى طريقِ اللهِ. سالمٌ هذا، لم يكنْ صديقاً، بلْ كانَ شيطاناً يريدُ أنْ يوقعَكَ في فخِّهِ."
كانَ الاعترافُ مؤلماً، لكنّهُ كانَ بدايةَ الطريقِ نحو الشفاءِ. شعرَ عبدُ الرحمنُ براحةٍ غريبةٍ بعدَ أنْ كشفَ سرَّهُ لوالدهِ. لقدْ شعرَ بأنّ الحملَ قدْ خفَّ عنْ كاهلهُ، وبأنّ هناكَ فرصةً جديدةً ليعيدَ بناءَ نفسِهِ.
لكنّ الأمورَ لم تكنْ بهذهِ البساطةِ. فقصةُ سالمٍ لم تكنْ مجردَ جلساتِ لعبٍ، بلْ كانتْ قصةَ دينٍ كبيرٍ. لقدْ اكتشفَ عبدُ الرحمنُ أنّهُ مدينٌ بمبالغَ طائلةٍ لبعضِ الأشخاصِ الذينَ كانوا يلعبونَ معَ سالمٍ. وكانَ هؤلاءِ الأشخاصُ، الذينَ يبدو أنّهُ لا يعرفُ أسماءَهم، قدْ وضعوا على عبدِ الرحمنِ ضغوطاً شديدةً لاستعادةِ أموالِهم.
"لقدْ تركوا لي ورقةً." قالَ عبدُ الرحمنُ لوالدهِ، وقدْ امتلأتْ يداهُ بالرجفةِ. "يطلبونَ المبلغَ كاملاً في خلالِ أسبوعٍ، وإلا... وإلا ستكونُ العواقبُ وخيمةً."
شعرَ الحاجُّ أحمدُ بالصدمةِ والخوفِ. لقدْ كانَ يعتقدُ أنَّ المشكلةَ هيَ مجردُ خطأٍ بسيطٍ، لكنّهُ اكتشفَ الآنَ أنّها شبكةُ كذبٍ كبيرةٍ، وأنّ ابنهُ قدْ وقعَ فيها بقوةٍ.
"منْ هؤلاءِ الأشخاصِ؟" سألَ الحاجُّ أحمدُ بلهجةٍ صارمةٍ. "لا أعرفُهم يا أبي. سالمٌ فقطْ قالَ لي أنَّ هؤلاءِ همُ الأشخاصُ الذينَ يتعاملُ معهم."
أدركَ الحاجُّ أحمدُ أنَّ سالمٍ لم يكنْ مجردَ شابٍّ عاديٍّ، بلْ كانَ شخصاً خطيراً، شخصاً يديرُ شبكةً منَ الأعمالِ المشبوهةِ. شعرَ بالحزنِ على ابنهِ، وعلى المستقبلِ الذي باتَ مهدداً.
"لا تقلقْ يا ولدي." قالَ الحاجُّ أحمدُ، وقدْ استجمعَ قواهُ. "سنجدُ حلاً لهذهِ المشكلةِ. سنواجهُ هذا الأمرَ معاً، كما واجهنا كلَّ شيءٍ من قبلُ."
رغمَ كلماتِ الطمأنينةِ التي نطقَ بها والدهُ، إلا أنّ عبدَ الرحمنَ شعرَ بأنّ الغيمةَ السوداءَ قدْ عادتْ لتغطي سماءَ روحِهِ. لقدْ خسرَ ثقةَ والدهِ، وخسرَ أموالَهُ، والآنَ، باتَ مهدداً بالديونِ والمشاكلِ. هلْ كانتْ هذهِ نهايةُ القصةِ، أمْ بدايةٌ لمشاكلَ أكبرَ؟