الجار الطيب الجزء الثالث

مفاجأة في سوق العطارين

بقلم وليد المرح

كانت نسمات الفجر الأولى تداعب أوراق شجر الياسمين في حديقة منزل الحاج صالح، ناشرةً عبيرها الشذي في أرجاء المكان. استيقظت فاطمة قبل أذان الفجر، كعادتها، لتوقظ أختها زينب وتستعدا لصلاة القيام. كانت فاطمة، بشعرها الأسود الفاحم المنسدل على كتفيها كشلال الليل، وعينيها اللوزيتين الواسعتين اللتين تحملان بريقاً من الحنان والذكاء، تمتلك روحاً شفافة تتجلى في كل حركة من حركاتها. أما زينب، أختها الصغرى، فكانت نسخة مصغرة عنها، لكن بلمسة من الخجل الطفولي والبراءة التي لم تفارق وجهها قط.

بعد الصلاة، اجتمعت الأختان حول مائدة إفطار بسيطة أعدتها الوالدة أمينة، المرأة ذات القلب الكبير والوجه الصبوح رغم تجاعيد السنين التي ارتسمت عليه بخطوط من الحكمة والصبر. كان نقاش الصباح يدور حول يوم السوق المعتاد. كانت فاطمة قد قررت اليوم أن تذهب إلى سوق العطارين، الذي لطالما أحبته بسبب روائحه الزكية وألوان بهاراته المتناثرة كلوحات فنية. كانت تتطلع إلى شراء بعض الأعشاب النادرة لوصفة جديدة خطرت ببالها، تتعلق بصنع عطر طبيعي يجمع بين عبق الزعفران ورائحة الورد الدمشقي.

"أتمنى أن أجد ما أريد اليوم يا أمي," قالت فاطمة وهي تضع قضمة من التمر في فمها. "لقد سمعت أن العطار الجديد في نهاية السوق لديه أعشاب مميزة."

ابتسمت أمينة وقالت: "إن شاء الله تجدين يا ابنتي. والسوق فيه بركة. ولكن احذري من الزحام، واحرصي على صحتك."

في غضون ذلك، كان أحمد، جارهم الطيب وابن الحاج صالح، يستعد هو الآخر ليومه. كان أحمد شاباً في أواخر العشرينات، طويل القامة، بكتفين عريضين، وملامح حادة لكنها تحمل دفئاً طيباً. كانت لحيته المهذبة تزيد من وسامته، وعيناه البنيتان تعكسان صدقاً ونقاءً. كان يعمل مع والده في ورشة النجارة، لكن شغفه الأكبر كان في مساعدة جيرانه وتقديم العون لهم.

كانت علاقته بفاطمة تتجاوز حدود الجيرة المعتادة. كان يكن لها إعجاباً صامتاً، كان يخشى البوح به خشية أن يفسد صفاء هذه العلاقة. كان يراقبها من بعيد، يتعلم منها الصبر والحكمة، ويتأثر بطيبتها ورقتها. لم يكن أحمد غافلاً عن اهتمام فاطمة بسوق العطارين. كان يعرف أنها تحب تلك الأجواء، وكان يخطط لزيارته أيضاً، ليس لغرض معين، بل لمجرد رؤيتها تسير بين الأروقة الملونة.

بعد انصراف فاطمة، جلست أمينة في شرفتها تتأمل الأشجار المثمرة، ثم التفتت إلى زينب وقالت: "يا زينب، الحاج عبد الله، جارنا القديم، اتصل بي بالأمس. يريد أن يزورنا اليوم ليتحدث معي في أمر مهم. لا أدري ما هو، لكن وجهه كان يبدو جاداً."

ارتسمت علامات القلق على وجه زينب. الحاج عبد الله كان رجلاً حكيماً ومحترماً، لكن قلة زياراته المفاجئة أثارت حيرتها. "أتمنى أن يكون خيراً يا أمي. هل تعرفين عن ماذا قد يتحدث؟"

"لا يا حبيبتي، لم يذكر شيئاً. لكنه قال إنه يتعلق بمستقبلنا جميعاً. أتمنى أن يكون خيراً."

في سوق العطارين، كانت فاطمة تتجول بين الأكشاك المزدحمة. الألوان تشتعل: الأحمر القاني للكركم، الأخضر الزاهي للنعناع المجفف، البني الغامق للقرفة، والأصفر المبهج للزعفران. رائحة البخور تختلط بروائح الأعشاب العطرية، وخليط فريد يأسر الحواس. وصلت إلى كشك العطار الجديد، رجل في منتصف العمر، ذو لحية بيضاء كثيفة وعينين براقتين. كانت لديه بضاعة لم تر مثلها من قبل.

"السلام عليكم يا سيدي," قالت فاطمة بابتسامة. "هل لديك زعفران أحمر أصيل؟"

"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا ابنتي," أجاب العطار بصوت جهوري. "أنا أؤمن بأن كل شيء أصيل، وكل شيء له قصته. تفضلي، انظري بنفسك."

بدأت فاطمة تتفحص البضاعة. وبينما هي كذلك، سمعت صوتاً مألوفاً يناديها: "فاطمة! هل أنتِ هنا؟"

استدارت لتجد أحمد واقفاً خلفها، يحمل في يده كيساً من الخيش. بدا سعيداً برؤيتها.

"أحمد! ما الذي أتى بك إلى هنا؟" سألت فاطمة وهي تشعر بخفقان خفيف في قلبها.

"كنت ماراً، فرأيتك. أردت أن أطمئن عليكِ. هل تحتاجين مساعدة في حمل أغراضك؟" قال أحمد وهو يمد بصره نحو الأكياس التي بدأت تتراكم أمام فاطمة.

"لا، شكراً لك. لقد وجدت ما أردت تقريباً," قالت فاطمة وهي تشير إلى الأعشاب التي وضعها العطار في كيس.

"رائع. هل تسمحين لي بمرافقتك إلى المنزل؟ الطريق قد يكون مزدحماً."

شعرت فاطمة بارتياح شديد. وجود أحمد بجانبها منحها شعوراً بالأمان. "بالتأكيد، سأكون ممتنة لذلك."

بدأت فاطمة وأحمد السير جنباً إلى جنب. كان أحمد يتحدث عن أخبار ورشة النجارة، وعن عملاء جدد. وفاطمة كانت تستمع بانتباه، وتجيبه بكلمات مقتضبة، لكن عينيها كانت تلمعان وهي تشرح له عن الأعشاب التي اشترتها، وعن فكرتها الجديدة لصنع العطر.

"أتمنى أن تنجح وصفتك," قال أحمد بصدق. "لديكِ موهبة رائعة في هذه الأمور."

"شكراً لك أحمد. أنت دائماً مشجع."

وفجأة، وبينما هما يسيران، تعثر أحمد بشيء على الأرض، وكاد أن يسقط. حاول أحمد استعادة توازنه، لكن الكيس الذي كان يحمله انفتح قليلاً. سقط منه شيء صغير، لامع، أشبه بقلادة فضية منحوتة على شكل هلال.

"انتبه!" صاحت فاطمة.

انحنى أحمد بسرعة ليلتقط ما سقط، ووجهه أحمر. "آسف جداً. لم أنتبه."

لكن فاطمة كانت قد رأت ما سقط. كانت قلادة جميلة، يبدو أنها ذات قيمة. "هذه جميلة جداً يا أحمد. هل هي لك؟"

تردد أحمد للحظة، ثم أجاب بصوت خفيض: "هذه... هذه كانت لوالدتي. احتفظت بها كتذكار."

نظرت فاطمة إليه بعطف. كانت تعرف مدى تعلقه بوالدته التي توفيت منذ سنوات. "إنها حقاً رائعة. لقد صُنعت بحرفية عالية."

"أنا أحب هذه الأماكن التي تجمع الناس. أرى فيها الكثير من الوجوه الطيبة," قال أحمد وهو يحاول تغيير الموضوع.

"وأنا أيضاً. أشعر فيها بأنني جزء من قصة قديمة," ردت فاطمة.

اقترب أحمد من كشك العطار، وقال له: "يا سيدي، هل تذكر إن كنت قد رأيت شخصاً يبيع شيئاً مشابهاً لهذه القلادة؟" وأراى العطار القلادة.

نظر العطار إلى القلادة بتمعن، ثم ابتسم وقال: "والله يا بني، أتذكر أن رجلاً عجوزاً، جاءني بالأمس، يسأل عن قلادة مثل هذه. قال إنها ضاعت منه."

تجمد أحمد في مكانه. "هل تعرف أين يسكن؟"

"لا، لم يسألني. لكنه قال إنه يبحث عنها بشدة."

شعرت فاطمة بالارتباك. هل القلادة التي يحملها أحمد هي نفسها التي ضاعت؟ وما علاقة ذلك بـ "الأمر المهم" الذي تحدثت عنه أمينة؟ أدركت أن يومها في سوق العطارين، والذي بدأ بنية شراء الأعشاب، قد تحول إلى شيء أكثر تعقيداً، شيء يجمع بين صدفة لقاء، وقصة قلادة، وربما، ربط خيوط لا تعلمها بعد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%