المواقف الحلوة الجزء الثاني

مفاجأة في سوق العطارين

بقلم سعيد الضحكة

كانت الشمس قد بدأت ترسل خيوطها الذهبية الأولى لتبدد غياهب الليل، وتُلقي بظلال طويلة على أزقة القاهرة القديمة. نسيم الصباح البارد، الذي حمل معه عبق الزهور البرية وأنفاس النيل العليل، كان يداعب خصلات شعر "عالية" المتطايرة وهي تهرول في طريقها نحو سوق العطارين. لم تكن في عجلة من أمرها بسبب تأخرها عن موعد، بل كان هناك شعور غريب يساورها، إحساس بالترقب ينتظر شيئاً لم تكن تعرف ماهيته بعد.

"عالية"، الفتاة التي بلغت ربيعها الخامس والعشرين، لم تكن كبنات جيلها. كانت تحمل في عينيها لمعة ذكاء وفطنة، وفي يديها مهارة فذة في فن العطارة، فن ورثته عن جدها الحكيم. دكان جدها، الذي أصبح الآن ملكها، كان ملاذاً لها، عالماً من الألوان الزاهية والروائح الساحرة، حيث تمتزج أعشاب البر والسحلبية مع خلاصات نادرة من أقاصي الأرض.

وصلت إلى الدكان، وهو عبارة عن بناء حجري قديم، تعلوه نقوش إسلامية بارزة، وتتدلى من واجهته قناديل زيتية تضفي عليه رونقاً خاصاً. فتحت الباب بحذر، لتستقبلها رائحة البخور والورد المحمدي التي كانت تفوح من الداخل. بدأت بتجهيز المكان، تنثر أوراق الريحان على الرفوف، وترتب قوارير العطور الزجاجية، وتُعدّ قهوة الصباح بالهيل والزعفران.

فيما هي منهمكة في ترتيب بعض أكياس الياسمين المجفف، سمعت صوتاً قادماً من الخارج، صوتاً عميقاً وهادئاً، لم تسمعه من قبل. توقفت عن العمل، واستمعت بانتباه. كان الصوت يتحدث بلهجة عربية فصيحة، تحمل في طياتها نبرة من الشجن والحكمة. لم تكن تعرف من المتحدث، لكن كلماته أثرت في أعماقها.

"يا بائع العطور، هل لديك ما يُشفي صدراً اعتراه الوهن، وروحاً أثقلتها الأحزان؟"

تسللت "عالية" نحو الباب، وأطلت برأسها بحذر. رأت رجلاً يقف في الخارج، يرتدي جلباباً أبيض نظيفاً، ووجهه ينم عن وقار وسكينة. كان نحيلاً، وشعره بدأ يتخلله الشيب، لكن عينيه كانتا تشعان ببريق حالم. حمل في يده كتاباً قديماً، يبدو أنه يقرأ منه.

تجرأت "عالية" وفتحت الباب قليلاً. "صباح الخير يا سيدي. هل تبحث عن شيء معين؟"

التفت الرجل نحوها، وابتسم ابتسامة خفيفة، كشفت عن ثنايا وجهه. "صباح النور يا ابنتي. نعم، أبحث عن شيء. أبحث عن عطر يحمل في طياته عبق الماضي، وأمل المستقبل."

نظرت "عالية" إليه بفضول. لم يكن مجرد زبون عادي. كان هناك شيء غامض في حضوره، وشيء عميق في طلباته. "لدينا من العطور ما يلامس القلوب، ويُعيد الذكريات، ويُشعل الشغف. لكن عطر يحمل عبق الماضي والأمل... هذا طلب فريد."

تقدم الرجل خطوتين، ودخل إلى الدكان، متأثراً برائحة العطور التي أخذت تلفه. "هل جربتِ يوماً عطر 'الخزامى والندى'؟ يقولون إنه يُعيد الروح إلى أيام الصبا."

ابتسمت "عالية" بحياء. "سمعت به. لكنه عطر نادر، لم أعد أجده. إن كان لديك شيء منه، فسأكون ممتنة."

"بل لديّ وصفته. لقد احتفظت بها منذ زمن بعيد. أردت أن أجد من يستحق أن يحمل هذا الإرث." قال الرجل وهو يضع الكتاب على المنضدة. "اسمى 'جمال الدين'. وأنا هنا لأرى إن كانت هذه الدكانة، وهذا الفن، لا يزالان يحملان روح من سبق."

شعرت "عالية" بقشعريرة تسري في جسدها. "جمال الدين". كان هذا الاسم هو اسم جدها. هل كان هذا الرجل يعرف جدها؟ هل كان هو نفسه المعلم الذي تحدث عنه جدها في قصصه؟

"هل تعرف جدّي، الحاج جمال الدين؟" سألت "عالية" بتردد، وعيناها تضيقان في محاولة استحضار وجه قديم في ذاكرتها.

ارتسمت على وجه "جمال الدين" ابتسامة عريضة، كشفت عن جمال روحه. "أعرفه. لقد كنت زميله في رحلات البحث عن الأعشاب النادرة، وشريكه في تدريس هذا الفن لمن يستحق. لقد ترك فيّ أثراً عميقاً، كما أظن أنني تركت في روحه."

اندهشت "عالية" بما تسمعه. لم يذكر لها جدها أبداً عن زميل بهذه الأهمية. هل كان هناك جزء من حياته لم تخبره به؟

"كنت أظن أن هذا الفن قد تلاشى مع الأجيال. لكن حين رأيت هذا الدكان، وهذا العناقيد من الياسمين، عرفت أن روح الفن لا تزال تنبض." قال "جمال الدين" وهو يلامس بيده بضع زهرات ياسمين. "تسمحي لي أن أرى ما صنعتِ؟"

أومأت "عالية" برأسها، وأشارت بيدها نحو رفوف العطور. أخذ "جمال الدين" يتجول بينها، يشمّ كل قارورة، ويتأمل محتوياتها. كانت عيناه تتنقلان بين الزجاجات الزاهية، وبين الرفوف المليئة بالأعشاب المجففة. كان يبدو وكأنه في بيته.

"هذا 'ورد الطائف'. رائحة نقية، لكنها تفتقر إلى بعض العمق." قال وهو يمرّ بقارورة. "وهذا 'المسك الأبيض'. طيب، لكنه تقليدي."

ثم توقف أمام قارورة زجاجية داكنة، ذات سائل بني غامق، مزينة بملصق بسيط يحمل اسم "سرّ الليل". "هذا؟ ماذا تخبئين هنا يا ابنتي؟"

شعرت "عالية" بخجل. هذا العطر كان من ابتكارها الخاص، مستوحى من الليالي الهادئة التي تقضيها في تأمل النجوم. "هذا... هذا شيء جربته. مستوحى من سكون الليل، ورائحة الياسمين في الظلام."

أخذ "جمال الدين" القارورة، وفتحها بعناية، وشمّ العطر. ثم رفعها إلى أنفه، وأخذ نفساً عميقاً. صمت للحظة، ثم ابتسم ابتسامة واسعة، عانقت عينيها. "يا له من عطر! يا لها من رائحة! كأنكِ أسرتِ سكون الليل في زجاجة، وأضفتِ إليه نفحة من الأمل."

كانت هذه الكلمات هي ما كانت "عالية" تنتظره، دون أن تدري. شعرت بسعادة غامرة، وباعتزاز بابتكارها.

"هذا هو العطر الذي كنت أبحث عنه!" قال "جمال الدين" بحماس. "هذا هو العطر الذي يجمع بين الماضي، حين كان الليل ساهراً على أسرار العشاق، والمستقبل، حين يحمل لنا الأمل مع شروق الشمس. سأشتريه."

"لكن... لكنني لم أضعه للبيع بعد." تمتمت "عالية" بصوت خافت.

"وما المانع؟" سأل "جمال الدين". "أليس هذا هو الغرض من هذه الصناعة؟ أن نصنع ما يُسعد الناس، وما يُلامس أرواحهم؟"

"نعم، بالطبع." أجابت "عالية"، وما زالت تشعر بالدهشة.

"إذن، كم ثمنه؟"

فكرت "عالية" قليلاً. لم يكن لديها سعر محدد لهذا العطر. ثم نظرت إلى "جمال الدين"، ورأت في عينيه لمعة تقدير وفهم. "حسناً، بما أنك تعرف جدّي، وبما أن هذا العطر يحمل لك شيئاً خاصاً... فليس له ثمن محدد. أعطني ما تراه مناسباً."

ابتسم "جمال الدين" ابتسامة رضا. ثم أخرج من جيبه كيساً من النقود، ووضعه على المنضدة. "هذا ليس ثمناً، بل عربون صداقة، وتقدير لهذا الفن الأصيل. آمل أن نلتقي مرة أخرى، لنتحدث عن فنون العطارة، ولتُكملي ما بدأه جدّك."

ثم غادر "جمال الدين" الدكان، تاركاً "عالية" في حالة من الذهول والسعادة. كانت الشمس قد ارتفعت الآن، وأشعة ضوئها تتسلل عبر واجهة الدكان، لتُضيء النقود المبعثرة على المنضدة. شعرت "عالية" بأنها دخلت عالماً جديداً، عالماً مليئاً بالأسرار والوعود. كان هذا اليوم بداية لشيء لم تكن تتوقعه أبداً.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%