المواقف الحلوة الجزء الثاني
همساتٌ في أذنِ الريحِ
بقلم سعيد الضحكة
كانَ ليلُ العاصمةِ قدْ ألقى بعباءتِهِ المخمليّةِ على المدينةِ، والنجومُ تتلألأُ في صفحةِ السماءِ كسُبحةٍ منْ ألماسٍ مُبعثرٍ. داخلَ أروقةِ قصرِ العائلةِ الفسيحِ، حيثُ تعيشُ عائلةُ السيدِ فؤادٍ، كانَ الهدوءُ الظاهرُ يخفي اضطراباً عميقاً. كانتْ سارةُ، الابنةُ الكبرى، تجلسُ في شرفاتِ غرفتِها، تتأملُ أضواءَ المدينةِ البعيدةَ، وفي عينيها مزيجٌ منَ الأسى والتفكيرِ.
لمْ يكُنْ ابتعادُها عنْ منزلِ والديها، بعدَ خطوبتها التي ألغاها، بالأمرِ الهيّنِ. فقدْ كانتْ تخططُ لمستقبلٍ مُشرقٍ معَ خطيبِها السابقِ، أحمدَ. لكنَّ الأحداثَ تسارعتْ، وكشفتْ عنْ جوانبَ في شخصيةِ أحمدَ لمْ تتوقعْها سارةُ أبداً. لقدْ اكتشفتْ مؤخراً، بالصدفةِ، رسائلَ ورسوماتٍ مُعيّنةٍ، كشفتْ عنْ ميولٍ وأفكارٍ تتعارضُ تماماً معَ القيمِ التي نشأتْ عليها، ومعَ ما كانتْ تتصوّرهُ عنْ شخصيةِ الرجلِ الذي اختارتهُ شريكاً لحياتِها.
كانَ السيدُ فؤادٌ، والدُ سارةَ، رجلَ أعمالٍ ناجحٍ، لكنّهُ كانَ أيضاً أباً مُحبّاً، يُولي اهتماماً كبيراً لسمعةِ عائلتِهِ وقيمِها. وقدْ أصابَهُ إلغاءُ الخطوبةِ بخيبةِ أملٍ كبيرةٍ، ليسَ فقطْ لأجلِ سارةَ، بلْ لأنّهُ كانَ يرى في أحمدَ مثالاً للشابِّ المُحافظِ والمُلتزمِ.
"سارةُ، يا ابنتي،" قالَ السيدُ فؤادٌ وهوَ يدخلُ غرفتَها، وعينيهِ فيها قلقٌ أبويٌّ. "ما زلتِ جالسةً هنا؟ لقدْ حانَ وقتُ العشاءِ. والدتُكِ قدْ أعدّتْ شيئاً شهياً."
نظرتْ إليهِ سارةُ، وقدْ ارتسمتْ على وجهِها ابتسامةٌ باهتةٌ. "قادمةٌ يا أبي. كنتُ فقطْ أستمتعُ بالهواءِ."
"أستمتعُ بالهواءِ، أمْ أحاولُ الهربَ منْ الواقعِ؟" سألَها السيدُ فؤادٌ بلطفٍ. "يا ابنتي، لا تزالينَ حزينةً. أعرفُ أنَّ ما حدثَ كانَ مؤلماً، ولكنّ الحياةَ تستمرُّ، والفرجُ يأتي منْ عندِ اللهِ."
جلستْ سارةُ بجانبِ والدِها، وشعرتْ بأنّها بحاجةٍ ماسّةٍ للفضفضةِ. "يا أبي، الأمرُ ليسَ مجرّدَ حزنٍ على خطوبةٍ مُلغاةٍ. لقدْ اكتشفتُ أشياءَ لمْ أكنْ أتخيلُها عنْ أحمدَ. أشياءَ تتعارضُ معَ ما نؤمنُ بهِ."
تغيّرَ وجهُ السيدِ فؤادٍ، وتجلّتْ عليهِ علاماتُ الدهشةِ والقلقِ. "ماذا تقصدينَ يا سارةُ؟"
تردّدتْ سارةُ قليلاً، ثمّ قالتْ بصوتٍ مُرتجفٍ: "لقدْ وجدتُ في غرفتِهِ، بالصدفةِ، أوراقاً ورسوماتٍ... إنّها تتحدثُ عنْ أفكارٍ غريبةٍ، عنْ رغباتٍ غيرِ شرعيّةٍ، بلْ وفيها ما يمسُّ العقيدةَ. لقدْ شعرتُ بالصدمةِ. أهذا هوَ الرجلُ الذي أردتُ أنْ أبنيَ معهَ بيتاً؟"
اشتعلَ الغضبُ في عيني السيدِ فؤادٍ. "ما تقولينَ يا سارةُ؟ هلْ أنتِ متأكدةٌ؟"
"نعمْ يا أبي، أنا متأكدةٌ. لمْ أكذّبْ عليكَ قطّ. لقدْ حاولتُ أنْ أُقنعَ نفسِي بأنّني ربّما أكونُ قدْ بالغتُ في تفسيرِ ما رأيتُ، لكنّ الأمرَ يتجاوزُ ذلكَ بكثير."
قامَ السيدُ فؤادٌ وتجوّلَ في الغرفةِ، والآلامُ تعتصرُ قلبَهُ. "هذا أمرٌ جللٌ. لمْ نتوقّعْ أبداً أنْ يكونَ أحمدُ بهذا الشكلِ. لقدْ كانَ يبدو لنا شاباً مُستقيماً، مُلتزماً. لقدْ سألتُ عنه، وكانَ الجميعُ يشهدُ لهُ بالخيرِ."
"ولكنْ يا أبي،" قالتْ سارةُ، "حتى لوْ كانَ هذا هوَ حالُهُ، فإنّني لا ألومُكَ. لقدْ كلّنا رأينا ما أردنا أنْ نراهُ. والآنَ، أصبحتُ أدركُ لماذا كانَ يُصرُّ على سرعةِ الزواجِ، ولماذا كانَ يتجنّبُ الحديثَ عنْ تفاصيلَ معينةٍ تخصُّ مستقبلَنا."
"ماذا نفعلُ الآنَ؟" سألَ السيدُ فؤادٌ، وعادَ ليجلسَ بجانبِ ابنتِهِ. "هلْ أخبرتِ أحداً آخرَ؟"
"لا يا أبي، لمْ أخبرْ أحداً. لمْ أُردْ أنْ أُسببَ فضيحةً، أوْ أنْ أُشوهَ سمعةَ أيِّ أحدٍ. ولكنّني لا أستطيعُ أنْ أسكتَ عنْ هذا الأمرِ."
"أنتِ على حقٍّ يا ابنتي. لا يمكنُنا السكوتُ عنْ أمرٍ يمسُّ دينَنا وأخلاقَنا. وسأتحدثُ معَ والدِ أحمدَ، وأُوضحُ لهُ ما اكتشفناهُ. لا أريدُ أنْ أُسببَ مشكلةً، ولكنّني لا أريدُ أيضاً أنْ أُورّطَ ابنتي في زواجٍ قائمٍ على ما هوَ باطلٌ."
ارتسمتْ على وجهِ سارةَ راحةٌ خفيفةٌ، ولكنّها كانتْ تعلمُ أنَّ هذهِ المعركةَ لمْ تنتهِ بعدُ. "ولكنْ يا أبي، إنْ تحدثتَ معَ والدهِ، فقدْ يُنكرُ أحمدُ الأمرَ، وقدْ يُحاولُ التملّصَ. وأنا خائفةٌ منْ أنْ يستغلَّ معرفتَهُ ببعضِ الأمورِ التي تخصُّنا ليُحرجَنا."
"لا تقلقي يا ابنتي،" قالَ السيدُ فؤادٌ بحزمٍ. "نحنُ على حقٍّ، وسنُدافعُ عنْ أنفسِنا. لقدْ كانَ يجبُ أنْ نكونَ أكثرَ يقظةً. لكنْ، يا سارةُ، هلْ كنتِ أنتِ الوحيدةُ التي رأيتِ هذهِ الأمورَ؟ هلْ هناكَ أيُّ دليلٍ قاطعٍ يُمكنُ تقديمهُ؟"
تذكّرتْ سارةُ شيئاً. "كانَ هناكَ دفترُ ملاحظاتٍ، ورسوماتٌ أخرى، وبعضُ الأوراقِ القديمةِ. لقدْ أخذتُ بعضَ الصورِ بهاتفي الخلويّ قبلَ أنْ أُعيدَ كلَّ شيءٍ إلى مكانِهِ. أخشى أنْ تكونَ هذهِ الأوراقُ قدْ اختفتْ الآنَ."
"هذهِ صورٌ قدْ تكونُ مفيدةً جداً." قالَ السيدُ فؤادٌ. "سنُحاولُ استخدامَها بحكمةٍ. ولكنْ، يا سارةُ، يجبُ أنْ نتأكّدَ منْ أنَّ الأمورَ لا تتجاوزُ حدودَ الشرعِ في مواجهتِنا. لنْ نُناقشَ الأمورَ بلغةِ الفضيحةِ، بلْ بلغةِ الحقِّ والحكمةِ."
في تلكَ الأثناءِ، في منزلٍ آخرَ منْ المدينةِ، كانَ أحمدُ يتحدّثُ عبرَ الهاتفِ بصوتٍ مُنخفضٍ، وعلاماتُ الغضبِ باديةٌ على وجهِهِ. "نعمْ، لقدْ علمتُ بما حدثَ. لقدْ اكتشفتْ! كيفَ حدثَ هذا؟ لمْ أتوقّعْ أبداً أنْ تكونَ لهذهِ الفتاةِ هذهِ الجرأةُ. يجبُ أنْ نتخلّصَ منْ هذهِ الأوراقِ فوراً، ومنْ أيِّ دليلٍ قدْ يدينُنا. لمْ نصلْ إلى هنا لنتراجعَ الآنَ."
كانَ الصوتُ الآخرُ على الهاتفِ يردُّ عليهِ بكلماتٍ مقتضبةٍ، ولكنّها كانتْ كفيلةً بإثارةِ المزيدِ منَ القلقِ في نفسِ أحمدَ. كانَ يعلمُ أنَّ هناكَ أطرافاً أخرى مُتورّطةً، وأنّ هذهِ الفضيحةَ قدْ تُهدّدُ الكثيرينَ.
عادتْ سارةُ إلى غرفتِها، وشعرتْ بأنّها قدْ اتخذتْ القرارَ الصحيحَ. لمْ يكُنْ منَ السهلِ أنْ تُواجهَ حقيقةً مُؤلمةً، ولكنّ الشرفَ والنزاهةَ كانتا أغلى منْ أيِّ علاقةٍ. وبينما كانتْ تُقلّبُ هاتِفَها، وقعَ بصرُها على صورتينِ قدْ التقطتْهما بخفيةٍ، تبيّنُ إحداهما رسماً غريباً، والأخرى عباراتٍ لمْ تفهمْها تماماً، ولكنّها شعرتْ بأنّها تحملُ معانيَ خطيرةً.
نظرتْ إلى الصورةِ، وشعرتْ بشيءٍ غامضٍ. كانتْ هناكَ أشكالٌ هندسيّةٌ، ورموزٌ غريبةٌ، وكأنّها لغةٌ غيرُ مفهومةٍ. تساءلتْ في سرِّها: ماذا تعني كلُّ هذهِ الأشياءِ؟ ولماذا كانَ أحمدُ يحتفظُ بها؟ وهلْ هناكَ أشخاصٌ آخرونَ مُتشابهونَ في أفكارِهمْ؟
في تلكَ اللحظةِ، شعرتْ بأنّ قصةَ أحمدَ ليستْ مجرّدَ قصةِ خطوبةٍ مُلغاةٍ، بلْ هيَ مجرّدُ خيطٍ منْ نسيجٍ أكبرَ وأكثرَ تعقيداً. وبدأتْ تشعرُ بأنَّ هناكَ قوىً خفيّةً تعملُ في الظلامِ، وأنّها قدْ تورّطتْ في شيءٍ أكبرَ ممّا كانتْ تتخيّلُ.