المواقف الحلوة الجزء الثاني

خيوطٌ متشابكةٌ في ليلِ الظنونِ

بقلم سعيد الضحكة

عادَ إلى منزلِ والدِهِ، الشيخِ عبدِ العزيزِ، بعدَ أنْ أنهى مهمّتَهُ اليوميّةَ في المحكمةِ. كانَ خالدٌ، القاضي الشابُّ الطموحُ، يحملُ في جعبتِهِ قصصَ عدلٍ كثيرةً، ولكنّ قصّةَ هذهِ الليلةِ كانتْ ستُلقي بظلالِها على حياتِهِ. لمْ يعُدْ يُطيقُ رؤيةَ وجهِ والدِهِ المُتعبِ، ولا سماعَ صوتِهِ المليءِ بالعتابِ المُبطّنِ.

"أهلاً بكَ يا بني،" قالَ الشيخُ عبدُ العزيزِ، وهوَ يُشيرُ إلى المقعدِ المقابلِ لهُ في غرفةِ الجلوسِ. "متى عدتَ؟"

"قبلَ قليلٍ يا أبي،" أجابَ خالدٌ وهوَ يخلعُ سترتَهُ. "كانَ لديّ قضيةٌ معقّدةٌ اليومَ."

"وكيفَ كانتْ؟ هلْ أنصفتَ المظلومَ؟" سألَ الشيخُ عبدُ العزيزِ، وبدتْ في صوتِهِ نبرةٌ منَ الشكِّ. "أتذكرُ ما قلتهُ لكَ عندما قررتَ أنْ تكونَ قاضياً؟ أنَّ العدلَ ليسَ مجرّدَ تطبيقٍ للقوانينِ، بلْ هوَ نورٌ يُنيرُ دروبَ الحياةِ، ويُعيدُ الحقوقَ إلى أصحابِها."

صمتَ خالدٌ قليلاً. كانَ يعلمُ أنَّ والدَهُ يُريدُ منهُ أنْ يكونَ مثالاً يُحتذى بهِ، ولكنّ ضغوطَ العملِ، وتعقيداتِ الحياةِ، جعلتْهُ أحياناً يتنازلُ عنْ بعضِ المثاليّاتِ.

"لقدْ فعلتُ ما بوسعي يا أبي،" قالَ خالدٌ بلهجةٍ فيها بعضُ التعبِ. "ولكنْ، هلْ أنتَ بخيرٍ؟ تبدو قلقاً."

تنهّدَ الشيخُ عبدُ العزيزِ. "هلْ تذكرُ قضيّةَ الحاجِّ محمودٍ؟ قضيةُ الأرضِ التي نُزعتْ منْهُ ظلماً؟"

"نعمْ أتذكرُ،" أجابَ خالدٌ، "لقدْ حكمتُ فيها لصالحِهِ، ولكنْ... يبدو أنَّ هناكَ مُستجدّاتٍ."

"مُستجدّاتٍ؟" قالَ خالدٌ، وشعرَ ببردٍ يسري في عروقِهِ. "ما هيَ هذهِ المُستجدّاتُ؟"

"لقدْ صدرَ قرارٌ جديدٌ،" قالَ الشيخُ عبدُ العزيزِ بصوتٍ يُخفي ألماً شديداً. "لقدْ تمَّ نقضُ الحكمِ. وبدلَ أنْ يُعادَ لهُ حقٌّ، سُجّلتِ الأرضُ باسمِ شخصٍ آخرَ. شخصٌ لهُ نفوذٌ قويٌّ، وبدأتْ التحقيقاتُ تُشيرُ إلى أنَّ هذا الشخصَ قدْ استخدمَ بعضَ الرشاوى والتلاعبِ لإعادةِ فتحِ القضيةِ."

اتّسعتْ عينا خالدٍ. "ماذا تقولُ يا أبي؟ هذا مُستحيلٌ! لقدْ كانتْ لديّ كلُّ الأدلّةِ، والحكمُ كانَ واضحاً. منْ هوَ هذا الشخصُ؟"

"يُقالُ إنّهُ السيدُ نبيلٌ،" قالَ الشيخُ عبدُ العزيزِ، وكلمةُ "السيدُ" نُطقتْ بنبرةٍ تحملُ ازدراءً. "وهو رجلُ أعمالٍ لهُ شبكةٌ واسعةٌ منَ العلاقاتِ. وقدْ سمعتُ أنّهُ مُتّهمٌ في قضايا فسادٍ أخرى."

شعرَ خالدٌ بالغضبِ يتصاعدُ في صدرِهِ. لقدْ كانَ يؤمنُ بنزاهتِهِ، ويُدافعُ عنْ مبادئه. والآنَ، يجدُ نفسَهُ عاجزاً عنْ حمايةِ حقِّ رجلٍ بسيطٍ، بسببِ فسادٍ مُتفشٍّ.

"هلْ تأكدتَ منْ هذا يا أبي؟" سألَ خالدٌ، وقدْ اختلطَ صوتُهُ بينَ الغضبِ واليأسِ.

"نعمْ يا بني، أكدتُ. وللأسفِ، فإنَّ الجهاتِ التي صدرَ منها القرارُ لمْ تكُنْ مُنصفةً. وقدْ أُجبرتُ على اتخاذِ موقفٍ لا يُرضي ضميري."

"موقفٍ لا يُرضي ضميركَ؟" قالَ خالدٌ، وكلماتُهُخرجتْ كأنّها سهامٌ. "وماذا عنْ ضميري أنا؟ ماذا عنْ العدلِ الذي أقسمتُ على إحقاقِهِ؟ هلْ نُصبحُ جزءاً منْ هذا الفسادِ؟"

"خالدٌ، يا بني،" قالَ الشيخُ عبدُ العزيزِ بنبرةٍ فيها رجاءٌ، "لا تدعِ العاطفةَ تُعميكَ. أنتَ تعلمُ أنَّ هذا الرجلَ، السيدَ نبيلَ، لديهِ نفوذٌ كبيرٌ. ومحاربتُهُ قدْ تُعرّضُكَ أنتَ للخطرِ."

"الخطرُ؟" سألَ خالدٌ بسخريةٍ. "وما هوَ الخطرُ مقارنةً بما يحدثُ؟ هلْ نُسمّي الظلمَ عدلاً، ونُسمّي الفسادَ حكمةً؟"

"لا يا بني، لا تفهمني خطأً. أنا لا أدعوكَ إلى السكوتِ عنِ الظلمِ. ولكنْ، أنتَ ما زلتَ شابّاً، ولديكَ مستقبلٌ. فلا تُلقِ بنفسِكَ إلى التهلكةِ."

"وإذا لمْ أفعلْ ذلكَ، يا أبي، فما فائدةُ كلِّ ما تعلمتُهُ؟ ما فائدةُ قسمي؟ هلْ أُصبحُ مثلَ غيري، أُغضُّ الطرفَ عنِ الحقِّ لأجلِ مصلحتي؟"

شعرَ خالدٌ بخيبةِ أملٍ كبيرةٍ في والدهِ. لقدْ كانَ يتوقّعُ منهُ الدعمَ، لا التثبيطَ.

"يا أبي،" قالَ خالدٌ بجدّيةٍ. "لقدْ رأيتُ ما حدثَ. والأمرُ يتجاوزُ مجرّدَ قضيةِ الحاجِّ محمودٍ. يبدو أنَّ هناكَ شبكةً كبيرةً منَ الفسادِ، وأنَّ هناكَ أشخاصاً يتلاعبونَ بالعدالةِ. ولنْ أسمحَ بأنْ أكونَ جزءاً منْ ذلكَ."

"وماذا ستفعلُ؟" سألَ الشيخُ عبدُ العزيزِ، وبدتْ في صوتِهِ علاماتُ الاستسلامِ.

"سأتحدثُ معَ الحاجِّ محمودٍ، وسأُوضحُ لهُ ما حدثَ. ثمَّ سأُحاولُ جاهداً أنْ أُعيدَ فتحَ القضيةِ. وسأُستخدمُ كلَّ ما لديَّ منْ معرفةٍ ونفوذٍ، وإنْ كانَ صغيراً، للكشفِ عنْ هذهِ الشبكةِ."

"خالدٌ، أرجوكَ، فكّرْ جيداً."

"لقدْ فكّرتُ يا أبي،" قالَ خالدٌ بصرامةٍ. "والآنَ، هلْ لي أنْ أعرفَ منْ هوَ هذا السيدُ نبيلٌ؟ ومنْ همْ الأشخاصُ الذينَ يعملُ معهمْ؟ أحتاجُ إلى كلِّ معلومةٍ تُمكنُنا جمعُها."

بدأَ الشيخُ عبدُ العزيزِ يُحدّثُ ابنَهُ عنْ كلِّ ما يعرفُهُ عنْ السيدِ نبيلٍ، وعنْ بعضِ الشخصيّاتِ التي تُحيطُ بهِ. كانَ يتحدثُ ببطءٍ، وكأنّهُ يُلقي بالحجارةِ في بئرٍ عميقٍ. كانَ يعلمُ أنَّ ابنَهُ يتّخذُ طريقاً خطيراً، ولكنّهُ في نفسِ الوقتِ، لمْ يستطعْ أنْ يُنكرَ شجاعتهُ وإصرارَهُ على الحقِّ.

في تلكَ الأثناءِ، كانَ السيدُ نبيلٌ يجلسُ في مكتبِهِ الفخمِ، يُحتسي كأسَ الشرابِ. كانَ يبتسمُ ابتسامةَ انتصارٍ، بينما يتصفّحُ تقاريرَ جديدةً وصلتْهُ. "لقدْ تمَّ الأمرُ كما خطّطنا،" قالَ بصوتٍ مُنخفضٍ لرئيسِ فريقِهِ الذي كانَ يقفُ أمامَهُ. "القاضي الشابُّ، خالدٌ، يبدو أنّهُ سيُحاولُ. ولكنّنا نعرفُ كيفَ نُوقفُهُ. لا شيءَ يقفُ في وجهِ المالِ والنفوذِ."

"وماذا عنْ قضيةِ السيدةِ سارةَ؟" سألَ رئيسُ فريقِهِ. "هلْ تمَّ الانتهاءُ منها؟"

"نعمْ،" أجابَ السيدُ نبيلٌ، "لقدْ تمَّ إقناعُ والدِها بالتراجعِ. ولنْ تُسببَ لنا أيَّ مشكلةٍ بعدَ الآنَ. إنّ الأمورَ تسيرُ كما أردنا. لا شيءَ يُمكنُ أنْ يُعيقَ طموحاتِنا."

كانَ خالدٌ، في منزلِهِ، يُعدُّ العدّةَ. لقدْ جمعَ كلَّ ما لديهِ منْ معلوماتٍ، وبدأَ يرسمُ خريطةً مُعقّدةً للعلاقاتِ بينَ الأشخاصِ. كانَ يشعرُ بأنّهُ يقفُ على شفا هاويةٍ، ولكنّ إصرارَهُ على تحقيقِ العدالةِ كانَ أقوى منْ أيِّ خوفٍ.

تذكّرَ كلماتِ والدهِ عنْ نورِ العدلِ. لقدْ أدركَ الآنَ أنَّ هذا النورَ يتطلبُ شجاعةً عظيمةً، وأنّ الطريقَ إليهِ مليءٌ بالعقباتِ. لمْ يعُدْ الأمرُ مجرّدَ وظيفةٍ، بلْ أصبحَ رسالةً.

ولكنْ، بينما كانَ يُعدُّ أوراقه، وصلَهُ إشعارٌ غريبٌ على هاتفِهِ. كانتْ رسالةٌ منْ رقمٍ مجهولٍ، تقولُ: "أعلمُ أنَّكَ تبحثُ عنِ الحقِّ. ولكنْ، هلْ أنتَ مُستعدٌّ لدفعِ الثمنِ؟ هناكَ خيوطٌ أقوى ممّا تتخيّلُ، وهناك أسرارٌ دفينةٌ. كنْ حذراً، فبعضُ الحقائقِ قدْ تُدمّرُكَ."

شعرَ خالدٌ بالبرودةِ تعودُ إليهِ. هلْ كانَ هذا إنذاراً؟ أمْ دعوةً؟ كانتْ هذهِ الكلماتُ الغامضةُ تُثيرُ في نفسِهِ الكثيرَ منَ التساؤلاتِ، وتُنبئُ بأنّ المعركةَ التي بدأها لمْ تكُنْ لتنتهيَ بسهولةٍ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%