المواقف الحلوة الجزء الثاني
الغموض والبحث
بقلم سعيد الضحكة
اهتزت القرية بأكملها على خبر اختفاء يوسف. لم يكن الخبر مجرد خبر عادي، بل كان صدمة ألقت بظلالها القاتمة على كل بيت، وأضرمت نار القلق والخوف في قلوب الجميع. في صباح اليوم التالي، اجتمع أعيان القرية في بيت الحاج أحمد، الذي كان ما يزال يبدو كمن أفاق من كابوس مرعب، وجهه شاحب، وعيناه حمراوان من شدة البكاء وقلة النوم.
"لا أفهم شيئًا،" كان الحاج أحمد يكرر كلماته، وعقله لا يزال يعجز عن استيعاب ما حدث. "كان يوسف هنا بالأمس، يتحدث عن مستقبله، عن خططه. أين ذهب؟ من أخذه؟"
قال الحاج صالح، الذي كان صديقًا مقربًا ليوسف: "لا يمكن أن يكون قد اختفى هكذا من تلقاء نفسه. يوسف ليس من النوع الذي يترك خلفه أهلًا وقرية بأكملها في حيرة. لا بد أن يكون هناك سبب. لا بد أن يكون هناك من اختطفه."
"ولكن من؟ ولماذا؟" تساءل الحاج علي، شيخ القرية، وعلامات الحزن تخط وجهه. "لم نسمع عن أي مشكلة مع يوسف، ولم يكن له أعداء معروفون."
"ربما الأمر يتعلق بشيء خارج القرية،" اقترح الحاج يحيى، وهو رجل كبير السن ذو بصيرة نافذة. "ربما كان يوسف يملك سرًا، أو يعرف شيئًا لا ينبغي له أن يعرفه. لقد لاحظت عليه مؤخرًا بعض القلق، ولكنه كان يكابر ويقول إنها مجرد ضغوط ما قبل الزواج."
كانت أمينة تقف في زاوية الغرفة، تستمع إلى الحديث وقلبها يكاد ينفطر. كل كلمة قيلت زادت من قلقها، ومن شعورها بالعجز. كانت تتذكر آخر لقاء لها مع يوسف، ابتسامته، كلماته الرقيقة. كيف يمكن أن يختفي هذا الرجل الطيب، صاحب القلب الكبير، هكذا؟
"ولكن، إذا كان مختطفًا، فلماذا لم يتركوا أي رسالة؟" سألت أمينة بصوت مرتجف. "لماذا لم يطلبوا فدية؟"
"هذه هي النقطة التي تحيرنا جميعًا،" أجاب الحاج أحمد. "الرجل الذي جاءني الليلة الماضية، لم يكن لديه أي تفاصيل. فقط أخبرني بالاختفاء، ثم اختفى هو الآخر كالشبح."
"رجل غريب؟" سأل الحاج علي بانتباه. "هل استطعت أن تميز أي شيء عنه؟"
"لا، كان وجهه مغطى، وصوته متخفي،" أجاب الحاج أحمد. "كان الأمر كله أشبه بكابوس."
بدأت القرية تغرق في بحر من الشكوك والمخاوف. لم يعد الأمر يتعلق بشخص واحد، بل أصبح يتعلق بمستقبل القرية بأكملها. إذا كان هناك من يستطيع اختطاف أحد أبنائها، فمن سيكون آمنًا؟
قررت مجموعة من شباب القرية، بقيادة صالح، القيام ببحث ميداني حول المنزل الذي كان يسكن فيه يوسف، وفي المناطق المحيطة به. كان بحثًا شاقًا، مليئًا باليأس، ولكنه كان واجبًا لا بد من القيام به.
قضت أمينة يومها في بيت جدتها، تحاول أن تبعد تفكيرها عن الحدث الأليم، ولكن كل شيء كان يعيدها إليه. صوت جدتها الهادئ، رائحة خبز جدتها، كل شيء كان يذكرها بيوسف. كانت جدتها تحاول مواساتها، لكن كلماتها كانت تضيع في بحر حزن أمينة.
"يا ابنتي، إن الله لا يبتلي إلا من يحب،" قالت الجدة وهي تضم أمينة إلى صدرها. "اصبري واحتسبي. قد يكون في هذا الابتلاء خير لا نعلمه."
"ولكن يا جدتي، كيف أصبر وقلبي يحترق؟ كيف أحتسب وهذا الظلام يطبق على كل شيء؟" بكت أمينة. "كنت أرى في يوسف كل أحلامي. والآن، كل أحلامي تتلاشى مع اختفائه."
في فترة الظهيرة، عاد شباب القرية من بحثهم خائبين. لم يجدوا أي أثر ليوسف، ولا أي دليل يدل على ما حدث له. زاد خبرهم من حزن أهل القرية، وعليهم.
"لقد بحثنا في كل مكان، ولم نجد شيئًا،" قال صالح لوالد يوسف، وعيناه مليئتان بالإحباط. "كأن الأرض ابتلعته فعلًا."
"لا بد أن نفعل شيئًا آخر،" قال الحاج علي بحزم. "إذا لم يكن البحث الميداني مجديًا، فربما يجب أن نبدأ في طرح الأسئلة. من كان آخر شخص رأى يوسف؟ من كان يتحدث معه؟ من قد يكون له سبب في إيذائه؟"
كانت هذه الأسئلة صعبة، ولكن لا مفر منها. بدأ أهل القرية في استرجاع ذكرياتهم، وتحليل كل تفصيل صغير.
"أتذكر أن يوسف كان قد تحدث مع عمي، الحاج عبد الله، قبل يومين من اختفائه،" قالت أمينة بصدق. "كانوا يتحدثون في موضوع يبدو أنه حساس، رأيت الحاج عبد الله متضايقًا بعض الشيء."
"الحاج عبد الله؟" استغرب الحاج علي. "ما العلاقة بينه وبين يوسف؟ لم أسمع عن أي علاقة قوية بينهما."
"لا أعرف التفاصيل،" قالت أمينة. "لكنهما كانا يتحدثان بصوت خافت، ولم يكن يوسف يبدو مرتاحًا."
انتشرت هذه المعلومة في القرية كالنار في الهشيم. بدأ الناس يتساءلون عن سر هذه المحادثة. الحاج عبد الله، كان رجلًا ثريًا، يعيش بعيدًا عن القرية، ولا يزورها إلا نادرًا. كان لديه بعض الأراضي والممتلكات، وكان معروفًا بحكمته، ولكنه كان أيضًا غامضًا.
"لا أستطيع أن أصدق أن الحاج عبد الله له علاقة باختفاء يوسف،" قال الحاج أحمد، وهو يبدو مترددًا. "هو رجل كبير، ولم يظهر عليه أي علامة تدل على الشر."
"ولكن، قد يكون الأمر غير مباشر،" قال الحاج يحيى. "ربما كان يوسف على علم بشيء يتعلق بأملاك الحاج عبد الله، أو خططه. ربما كان الحاج عبد الله يريد أن يتخلص منه قبل أن يفشي سره."
شعر أهل القرية بالانقسام. البعض كان يميل إلى تصديق هذه الفرضية، والبعض الآخر كان يرى فيها مجرد تخمين بعيد.
في تلك الليلة، كانت أمينة لا تستطيع أن تنام. كانت تتخيل يوسف في مكان مظلم، وحيدًا، وخائفًا. كانت تتساءل عن مكان وجوده، وعن حاله.
فجأة، سمعت صوتًا خافتًا قادمًا من النافذة. صوت همسة.
"أمينة؟"
تعرفت على الصوت. كان صوت ليلى، صديقتها المقربة.
"ليلى؟ ماذا تفعلين هنا في هذا الوقت المتأخر؟" سألت أمينة، وهي تنهض بسرعة.
"تعالي إلى الخارج، بسرعة،" قالت ليلى بصوت يقطر خوفًا. "لدي أمر خطير أريد أن أخبرك به."
هرعت أمينة إلى الخارج، لتجد ليلى تنتظرها خلف المنزل، وجهها شاحب، وعيناها تلمعان بالرعب.
"ماذا حدث؟" سألت أمينة، وهي تشعر بأن قلبها يدق بقوة.
"لقد رأيت شيئًا،" قالت ليلى، وهي تتنفس بصعوبة. "رأيت شخصًا مجهولًا، يلقي شيئًا في البئر القديم المهجور، خارج القرية. عندما اقتربت أكثر، سمعت صوت صرير، ورأيت كيسًا أسود اللون."
"كيس أسود؟" كررت أمينة، وهي تشعر بالدوار. "وماذا كان في الكيس؟"
"لا أعرف،" قالت ليلى. "ولكن الرجل كان يتصرف بحذر شديد، وكان يتأكد من أن لا أحد يراه. وعندما ذهب، اقتربت من البئر، ورأيت أن الكيس كان مغلقًا بإحكام. أخشى أن يكون هذا الكيس متعلقًا بيوسف."
كانت تلك الكلمات كالسم يسرى في عروق أمينة. كيس أسود، وبئر مهجور. كل شيء كان يوحي بالشر.
"يجب أن نذهب إلى هناك الآن،" قالت أمينة بحزم. "يجب أن نرى ما في هذا الكيس."
"ولكن، هذا خطير جدًا يا أمينة،" قالت ليلى بتردد. "إذا كان هذا الرجل يعود، فربما يكون مسلحًا."
"لا يمكن أن أترك يوسف في هذه الحالة،" قالت أمينة، وعيناها تلمعان بالإصرار. "إذا كان هناك أي أمل في العثور عليه، أو معرفة مصيره، فيجب أن نذهب."
وهكذا، في جوف الليل، انطلقت أمينة وليلى في رحلة محفوفة بالمخاطر، نحو البئر المهجور، حاملتين معهما بصيص أمل، وبحرًا من الخوف، بحثًا عن حقيقة اختفاء يوسف.